أكبر عملية سطو في القرن: مصادرة أصول الصندوق السيادي الليبي

April 28th 2011 | كتبها

 

تأليف: مانليو دينوشي،

 

ترجمة: إبراهيم علوش

 

28/4/2011

 

[نشرت هذه المقالة في صحيفة المانيفستو الإيطالية في 22/4/2011، وأعيد نشرها بالإنكليزية في موقع “غلوبال ريسرتش” في 24/4/2011، ونترجمها للعربية لأهميتها ولما تلقيه من ضوء على الأهداف الإمبريالية من العدوان على ليبيا، ومنها مصادرة الولايات المتحدة لاثنين وثلاثين مليار دولار، ومصادرة الاتحاد الأوروبي لخمسة وأربعين مليار يورو، من الأصول الليبية، والمجموع هو أقل بقليل من مئة مليار دولار…  ومنها احتواء الدور الذي تلعبه تلك الاستثمارات في سعي أفريقيا للتخلص من الهيمنة الإمبريالية.  وبهذه المناسبة نود أن ندق ناقوس الخطر بشأن كل أموال الثروات السيادية العربية في الغرب، ولا يعرف أحد حجمها بالضبط، ولكنها كانت تقدر قبل الأزمة المالية الدولية بألفي مليار دولار أمريكي.  الصندوق السيادي بالمناسبة، ويعرف أيضاً باسم “صندوق الأجيال”، هو الهيئة الاستثمارية التي تملكها الدولة وتودع فيها عائداتها، من فائضها التجاري، أو من مبيعات النفط والغاز مثلاً، ليتم استثمارها وتنميتها من خلال المتاجرة بالأسهم والسندات والمشتقات المالية والعقارات والمعادن الثمينة.  وحسب تقديرات معهد الصناديق السيادية على الإنترنت، تقدر قيمة أموال سلطة أبو ظبي الاستثمارية مثلاً بحوالي 627 مليار دولار، وتبلغ قيمة الصندوق السيادي السعودي حوالي 440 مليار دولار، وتملك سلطة الاستثمار الكويتية أكثر من 200 مليار دولار، وسلطة الاستثمار القطرية أكثر من خمسة وثمانين مليار دولار، ويوجد في “صندوق إدارة العوائد” الجزائري حوالي 57 مليار دولار، الخ.. وقد تمت مصادرة الصندوق الاستثماري الليبي بجرة قلم، وهي سابقة خطيرة لن يكون أحدٌ من العرب بمنأى منها!  – المترجم]

 

هدف الحرب ضد ليبيا ليس فقط احتياطها النفطي المقدر حالياً بستين مليار برميل، وهو الاحتياط الأضخم في قارة أفريقيا، ويتميز بأن استخراجه من الأقل كلفةً في العالم… ولا هدف الحرب على ليبيا هو فقط احتياطي الغاز الطبيعي المقدر بحوالي ألف وخمسمئة مليار متر مكعب.  ففي مرمى “المستعدين” في عملية “الحامي الموحد” في ليبيا توجد أموال الثروات السيادية الليبية، وهي رأس مال قامت الدولة الليبية باستثماره في الخارج.

 

تدير سلطة الاستثمار الليبية أموال الثروة السيادية المقدرة بحوالي سبعين مليار دولار أمريكي، والتي تصل إلى مئة وخمسين مليار دولار إذا أضفت إليها الاستثمارات الأجنبية للبنك المركزي الليبي والهيئات الرسمية الأخرى.  ولكن يمكن أن يكون الرقم أكبر من ذلك أيضاً.  وحتى لو كانت أموال الصندوق السيادي الليبي أقل شأناً من الصناديق السيادية للعربية السعودية أو الكويت، فإن أموال الصندوق السيادي الليبي تميزت بنموها السريع.  وعندما تأسست سلطة الاستثمار الليبية في 2006، كان لديها أربعين ملياراً من الدولارات تحت تصرفها.  وفي خمس سنوات فقط، استثمرت سلطة الاستثمار الليبية في أكثر من مئة شركة في شمال أفريقيا، آسيا، أوروبا، الولايات المتحدة، وأمريكا الجنوبية في شركات قابضة، ومصرفية، وعقارية، وتصنيعية، ونفطية، وغيرها.

في إيطاليا تتمثل الاستثمارات الليبية الأساسية في بنك “يونيكرديت” الذي تملك سلطة الاستثمار الليبية والبنك المركزي الليبي سبعة ونصف بالمئة منه، ومجموعة “فينميكانيكا” الصناعية (ثاني أكبر مجموعة صناعية في إيطاليا، وأكبر مجمع للصناعات التكنولوجية المتقدمة – المترجم) وتملك ليبيا اثنين بالمئة منها، وشركة النفط والغاز الإيطالية ENI التي تملك ليبيا واحد بالمئة منها… وهذه وغيرها من الاستثمارات، ومنها سبعة ونصف بالمئة من نادي “جوفنتس” لكرة القدم، لا تنبع أهميتها من الزاوية الاقتصادية (وقيمتها الإجمالية حوالي خمسة مليارات وأربعمئة مليون دولار أمريكي) بقدر ما تنبع من الزاوية السياسية.

فليبيا، بعدما أزالتها واشنطن من القائمة السوداء “للدول المارقة”، سعت لأن تجد لنفسها موقعاً على الساحة الدولية بالتركيز على “دبلوماسية الصناديق السيادية”.  وحالما رفعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الحظر عن ليبيا عام 2004، وعادت الشركات النفطية الكبرى إلى البلد، تمكنت طرابلس من أن تحافظ على فائضٍ تجاري يبلغ حوالي ثلاثين مليار دولار سنوياً تم استخدامه أساساً للقيام باستثمارات أجنبية.  أما إدارة الثروات السيادية فقد خلقت آلية جديدة للسلطة والفساد في أيدي الوزراء وكبار المسؤولين أفلتت جزئياً على الأرجح من سيطرة القذافي نفسه.  ويؤكد هذا القول حقيقة أن القذافي اقترح، في 2009، أن يذهب ثلاثين مليار دولار من العائدات النفطية “مباشرة للشعب الليبي”.  وقد فاقم هذا من التمزق في صفوف الحكومة الليبية.

وقد ركزت الدوائر الحاكمة في أوروبا والولايات المتحدة على هذه الأموال، حتى أنهم قبل تنفيذ هجومهم العسكري على ليبيا لوضع يدهم على ثروتها من الطاقة، فإنهم سيطروا على صندوق أموال الثروة السيادية الليبية.  وكما كشفت برقية منشورة على موقع ويكيليكس، قام محمد لياس، ممثل سلطة الاستثمار الليبية نفسها، بتسهيل هذه العملية.   وفي العشرين من شهر يناير/ كانون الثاني، أبلغ محمد لياس سفير الولايات المتحدة في طرابلس أن سلطة الاستثمار الليبية قد أودعت اثنين وثلاثين مليار دولار في بنوك الولايات المتحدة.  وبعد خمسة أسابيع من ذلك التاريخ، في الثامن والعشرين من شهر شباط/ فبراير، “جمدت” وزارة المالية الأمريكية تلك الحسابات.  وحسب البيانات الرسمية الأمريكية، فإن ذلك المبلغ كان “أكبر مبلغ في التاريخ يتم حجزه في الولايات المتحدة”، وهو المبلغ الذي أمسكته واشنطن “كوديعة من أجل مستقبل ليبيا”.  وفي الواقع سيستعمل ذلك المبلغ كحقنة من الرأسمال للاقتصاد الأمريكي الذي يعاني أكثر وأكثر من الدين. 

…وبعدها بأيام، “جمد” الاتحاد الأوروبي حوالي خمسة وأربعين مليار يورو من الأموال الليبية.

إن الانقضاض على أموال الثروة السيادية الليبية سيكون له تأثيرٌ قويٌ في أفريقيا.  فشركة الاستثمار العربية-الأفريقية الليبية كانت قد استثمرت في أكثر من خمسةٍ وعشرين بلداً أفريقياً، اثنين وعشرين منها جنوبي الصحراء الكبرى، وكانت تخطط لزيادة استثماراتها هناك خلال السنوات الخمسة القادمة، خاصة في مجالات التعدين والتصنيع والسياحة والاتصالات.  وقد كانت الاستثمارات الليبية ذات تأثير حاسم في إطلاق مشروع “راسكوم” أول شبكة اتصالات فضائية لأفريقيا ( يفترض أن تمد المناطق الريفية في أفريقيا بالبث التلفزيوني والاتصال بالإنترنت – المترجم)، وقد دخل القمر الصناعي “راسكوم” في مداره في آب/ اغسطس 2010، مما للبلدان الأفريقية أن تبدأ بالاستقلال عن الشبكات الفضائية الأوروبية والأمريكية، مما يوفر عليها مئات ملايين الدولارات.

وأكثر أهمية من ذلك كان الاستثمار الليبي في إطلاق ثلاث مؤسسات مالية للاتحاد الأفريقي: بنك الاستثمار الأفريقي، ومقره طرابلس، وصندوق النقد الأفريقي، ومقره في ياوندي في الكاميرون، والبنك المركزي الأفريقي، ومقره في أبوجا في نيجيريا.  إن تطور هذه الهيئات كان سيمكن البلدان الأفريقية من التملص من سيطرة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أداتي الهيمنة الاستعمارية الجديدة، وكان سيعني بداية نهاية “الفرنك الأفريقي”، العملة التي تجبر أربع عشرة مستعمرة فرنسية سابقة على استعمالها (الفرنك الأفريقي تضمنه وزارة المالية الفرنسية، وسعر صرفه ثابت مقابل الفرنك الفرنسي السابق، والآن اليورو، وهو يكرس التبعية النقدية من قبل هذه الدول الأفريقية لفرنسا – المترجم).   ولهذا فإن تجميد الأصول الليبية يضرب كل المشروع ضربة قاصمة.  فالأسلحة التي يستخدمها “المستعدون” ليست وحدها  المستخدمة في العملية العسكرية المسماة “الحامي الموحد”.

  

 

 

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

نقطة البداية في إعادة إحياء التيار القومي اليوم

بعد الاحتلال البريطاني لمصر في العام 1882، في ظلّ ولاية "حافظ الحمى والديار في وجه الاستعمار" السلطان عبد الحميد الثاني، باتَ شَطْب الوعي القومي العروبي لمصر ضرورة استراتيجية كصمام أمان [...]

الاستهداف الغربي للفكرة القومية العربية منذ محمد علي باشا

شكل القوميون العرب تاريخياً التيار الأكثر تعرضاً للاستهداف المنهجي في العصر الحديث بالضبط لأنه التيار الذي يشكل تحقيق أهدافه، مثل الوحدة والتحرير والنهضة، انقلاباً جذرياً في بنيان [...]

اعرف تراثك الشعبي العربي.. الشيخ غومة المحمودي قائد الثورة ضد العثمانيين في غرب ليبيا

الشيخ غومة المحمودي، شيخ قبائل المحاميد، من قبائل بني سليم العربية الأصيلة الأصيلة، قاد واحدة من أطول الثورات ضد الاحتلال العثماني البغيض في منطقة غرب ليبيا، شاركه فيها توانسة وجزائريون، [...]

الدروس الحضارية لمعركة الأهرامات

في معركة الأهرامات (إمبابة) عام 1798، خلال الحملة الفرنسية على مصر، واجه 20 ألف جندي فرنسي 60 ألفاً من المماليك والعثمانيين، وسقط في المعركة 300 فرنسي بين قتيل وجريح، وسقط، بحسب أقل التقديرات، 6000 [...]

… وهل المشروع القومي في متناول اليد؟

أرسل لي صديق، تعليقاً على ما نشرته أمس تحت عنوان "وجه الخطورة في الحديث عن الفضاء العربي-التركي-الإيراني"، وما أنهيت فيه من أن "الأولوية الأولى هي لمشروع النهوض القومي، وبعدها لكل حادث [...]
2020 الصوت العربي الحر.