قانونان لهيمنة الولايات المتحدة على الإنترنت

January 25th 2012 | كتبها

د. إبراهيم علوش

 

العرب اليوم 25/1/2012

 

عتمت موسوعة ويكيبيديا على الإنترنت ليلة 18/1/2012 على قسمها الإنكليزي يوماً واحداً احتجاجاً على قانونين مطروحين في مجلس نواب الولايات المتحدة لمحاربة القرصنة وحماية حقوق الملكية الفكرية على الإنترنت يعرفان باسم SOPA وPIPA بالتوالي.  وقد شاركت بعض أهم مواقع الإنترنت بالولايات المتحدة بحملة الاحتجاج، منها مثلاً محرك البحث غوغل، وموقع Reddit، وغيرها.  ومع أن الهدف المعلن رسميا لهذين القانونين، اللذين قد يناقشا في مجلس النواب في بداية شهر شباط، هو مواقع الإنترنت الأجنبية، أي غير الخاضعة لشركات الإعلام في الولايات المتحدة، فإن الاحتجاج الأقوى عليها جاء من فضاء الإنترنت في الولايات المتحدة نفسها، ومن بعض أهم الشركات فيه…

 

لنبدأ أولاً بتوضيح أهمية وأثر هذين القانونين على العلاقات السائدة في فضاء الإنترنت عالمياً وعلى محتواه بالإشارة إلى أن معظم السيرفرات servers، أي أجهزة الحاسوب المركزية العملاقة التي تضيف الشبكة العنكبوتية العالمية، موجودة في الولايات المتحدة.  مثلاً، فلنفترض أنك أردت أن تفتح إيميلك الالكتروني، أو أن تبحث عن مقالة أو مادة تعرف عنوانها، فإنك عندما تفعل ذلك ترسل إشارة الكترونية إلى جهاز حاسوب مضيف موجود على الأرجح في الولايات المتحدة يقوم هو بتنفيذ الطلب.  هذا يعني ببساطة أن الولايات المتحدة تستطيع أن تفرض القواعد التي ترغبها في التفاعل الإنترنتي، مثلاً أن تحجب مواقع معينة في محركات البحث، أو أن تبرز مواقع معينة قبل غيرها لو أرادت، أو أن تشطب حسابك البريدي، الخ…

 

إذن يقول القانونان المتعلقان بمحاربة القرصنة وحماية حقوق الملكية الفكرية بأن المواقع التي تحتوي مواداً مقرصنة، صورة مثلاً، أو خريطة، تم سحبها من الإنترنت واستخدامها في صفحتك، سوف يتم حجبها، ومن ثم حجب أي موقع أخر يقود إليها.  وهذا يعني فعلياً إخضاع الشركات الصغيرة للكبيرة، والدول الصغيرة للكبيرة، والجميع لهيمنة الولايات المتحدة في مجال الاتصالات والإعلام (مع أن الصين وروسيا وغيرها باتت تسعى لإنشاء سيرفرات خاصة بها). 

 

مثل هذا الأمر يتضمن عدداً من الأبعاد الخطيرة والإستراتيجية، لا بل البنيوية.  مثلاً، لنفترض أن الصورة التي شاهدتها  للتو في “صالون الأربعاء الثقافي”، لشخص أو لمناسبة معينة، قد أخذت من موقع السي أن أن CNN، فإن ذلك سيؤدي، حسب القانونين، لو تم سنهما، إلى وصم “العرب اليوم” برمتها بالقرصنة، وبالتالي لحظرها وحظر كل موقع يوجد فيه رابط إليها!

 

النتيجة ثلاثية الأبعاد: 1) بما أن شركات الإعلام العالمية الكبيرة هي التي تملك الموارد لامتلاك حقوق الملكية الفكرية، مصورون بالأمازون مثلاً أو مراسلون بسيبيريا، فإنها ستعزز سيطرتها على الإعلام العالمي، وستزيد من أرباحها، وستزيد من نسبة خطابها في الخطاب العالمي، فيما يضطر الجميع للجوء إليها، 2) تحت ستار حقوق الملكية الفكرية وحمايتها، سيتم سحق كل مواقع المعارضة السياسية للولايات المتحدة حول العالم، وباللغات الأجنبية، وسيتم ذلك بطريقة قانونية “نظيفة”، لا تتطلب قتل المعارضين أو زجهم في السجون، 3) وسيكون كل ذلك اختيارياً، بمعنى أنه سيطبق فقط في الحالات التي ترى فيها الولايات المتحدة ذلك، أي، ضد المعارضين السياسيين.  ولفهم السياق، الرجاء العودة لمادة سعود قبيلات في العرب اليوم في 23/1/2011 حول مفهوم “الإمبريالية الإعلامية”.

 

الطريف أن الشركات المعترضة في الولايات المتحدة لا ترفض المبدأ في القانونين، بل ترى أنها ستتعرض لعقوبات غير ضرورية بسبب وجود كميات ضخمة من المواد لديها ستتكلف كثيراً لو أرادت تدقيقها بناء على مقاييس الملكية الفكرية المطروحة!

الموضوعات المرتبطة

البعد الاقتصادي لاحتلال شرق سورية

إبراهيم علوش بالإضافة للبعد الجغرافي-السياسي، المتمثل بإقامة حاجز بين سورية والعراق، وقطع التواصل بين  أجزاء محور المقاومة، لا بد من التذكير بالبعد الاقتصادي فيما يتعلق بمناطق سيطرة "قسد" [...]

ما قبل تطبيع حكام الخليج

لاحظوا أن السلطة الفلسطينية تتذرع دوماً بأنها وقعت المعاهدات مع العدو الصهيوني "لأن العرب تخلوا عن فلسطين"، ولاحظوا أن أنور السادات وقع كامب ديفيد بذريعة أن "العرب تخلوا عن مصر"، ولاحظوا أن [...]

حول قرار عدم تجديد “تأجير” منطقتي الباقورة والغمر الأردنيتين للكيان الصهيوني

إبراهيم علوش من المؤكد أن استعادة السيادة العربية على أي شبر من الأراضي العربية المحتلة هو أمر جيد وإيجابي، ولكن يبقى السؤال: ماذا يعني بالضبط أن تعود الأراضي عن طريق المعاهدات والاتفاقات مع [...]

اتفاق إدلب بين أردوغان وبوتين أجّل المعركة زمانياً، وحسن شروط تحقيق النصر فيها

اتفاق إدلب بين بوتين وأردوغان يعني عدة أشياء، أولها أن معركة إدلب يتم تأجيلها، ولكن مثل هذا التأجيل يعتمد على التزام تركيا بعزل النصرة والمجموعات المشابهة لها التي تعتبرها روسيا أكثر دمويةً [...]

الكونفدرالية الثلاثية ليست مشروعاً جديداً… وهي مشروع تحويل الأردن وفلسطين إلى جسر عبور صهيوني باتجاه الوطن العربي

إبراهيم علوش تناقلت وسائل أعلامية مختلفة تصريحات لمحمود عباس يقول فيها أنه يؤيد الكونفدرالية مع الأردن بشرط أن يكون الكيان الصهيوني جزءاً منها، بعد أن طرح عليه ترامب هذه الفكرة. والحقيقة [...]
2018 الصوت العربي الحر.