شكري بلعيد… استشهادك نذير سقوط الثيوقراطية

February 6th 2013 | كتبها

ليس بالضرورة أن يكون راشد الغنوشي قد أصدر أمراً مباشراً باغتيال المعارض والحقوقي التونسي البارز شكري بلعيد، أحد قياديي الجبهة الشعبية في تونس، الذي كان قد حذر في مقابلة مع قناة “نسمة” التونسية، قبل اغتياله بيوم واحد فقط، أن حركة النهضة تشرعن الاغتيال السياسي من خلال تبنيها للعصابات الإجرامية التي تمارس العنف الدموي ضد معارضيها… ومنه اغتيال المعارض السيد لطفي الذي تم اغتياله في 19/10/2012.

لكن الفكر التكفيري الذي يناهض الإنسان والحضارة، والوطنية والقومية، واليسار، والإسلام المتنور، وكل شيء جميل تحت الشمس، لا بد له بالضرورة أن ينتج نهج تصفية الخصوم العقائديين، الذين لم يلجأوا للسلاح، تماماً كما ينتج السرطان الموت، وكما ينتج الفيروس المرض، لأن الخفاش مصاص الدماء لا يستطيع أن يصبح نباتياً ولو أراد.

فهذا الاغتيال افرزه “فكر” ونهج كامل، وهو يدين “فكراً” ونهجاً وحشياً برمته، ولو لم يكن استهداف بلعيد بالقتل اليوم نتيجة قرار سياسي مباشر الآن، مع أن من السابق لأوانه استبعاد ذلك أيضاً إذا أخذنا شهادة بلعيد نفسه بعين الاعتبار.

وربما يكون اغتيال بلعيد قد أحرج الغنوشي، وربما يكون هناك خلافٌ داخليٌ الآن حول نقل العنف ضد الخصوم باتجاه القيادات، بعد فلتانه في الشارع ضد الناس العاديين والنشطاء، ولعل بعضهم يجادل الآن، في الحلقات الداخلية، أن بلعيد كان يستحق القتل، مثل أي كائن لا ينضوي تحت الراية التكفيرية، ولكن سيئات العملية أكثر من حسناتها… ربما.

ولكن لا يغيب عنا أن مثل هذا الاغتيال يوجه رسالة إرهابية لبقية القيادات التي تعارض حركة النهضة في تونس، وللقوى القومية واليسارية والاتحاد التونسي للشغل، ولكل الذين يعيقون تمدد أذرع النهضة حول مفاصل البلاد.

وريما يعود بعضهم للتكهن أن مثل هذه العملية الإجرامية، بالرغم من الإحراج الذي قد تسببه إعلامياً وسياسياً، قد تعيق انتقال الاحتجاج على تغول الإسلامويين على الدولة من مصر إلى تونس…

وهذه ليست المرة الأولى، أو الألف، التي يرتكب فيها التكفيريون جرائم بشعة ضد من يخالفون “فكرهم” المختل في تونس أو في غيرها.  فالأمثلة لا تعد ولا تحصى، ويعاني منها المواطن العادي المسالم من شمال سورية إلى شمال مالي…

لكن استهداف قيادي بارز لا يرفع السلاح، اتهمهم بأنهم يشرعنون الاغتيال السياسي، مثّل تصعيداً استباقياً، من وجهة نظر اتباع ذلك “الفكر” المعتوه، وهو تصعيد ضمن السياق، لا خارجه، لمن يتابع ما يجري على الأرض في تونس ومصر.

ومع رفضنا لكل ديكتاتورية غاشمة، يبقى الفرق بين الديكتاتورية المدنية والديكتاتورية الدينية (الثيوقراطية)، أن الديكتاتور المدني يعاقب من يعارض النظام السياسي، أما الديكتاتور الثيوقراطي، فيفعل كل ما يفعله الديكتاتور المدني وأكثر، ثم يتدخل فوق ذلك بتفاصيل الحياة الشخصية والاجتماعية ليفرض طغيانه الملتاث عليها وليجعلها ذريعة سيطرته على الحكم.  فالثيوقراطية تساوي الديكتاتورية المدنية للأس مئة، وميدان ظلمها أوسع بكثير.

أخيراً، رحم الله الفقيد، وألهم ذويه ورفاقه الصبر والسلوان… ولعلهم يجدون بعض العزاء في التذكر بأن رحيله لم يكن هباءً، بل جاء في سياق خياره في الحياة لكشف حقيقة الثيوقراطية ومفاسدها.  ولذلك، فإنه هو الذي اسقطهم وليس العكس.

إبراهيم علوش

للمشاركة على الفيسبوك:

http://www.facebook.com/photo.php?fbid=606939129323326&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=1

الموضوعات المرتبطة

ترامب وتقرير مجموعة دراسة سورية

د. إبراهيم علوش ربما يغيّب دخول الجيش العربي السوري إلى مناطق كانت خارج سيطرته حتى الآن، من الشيخ مقصود في حلب إلى ريفي الحسكة والرقة، الهزة التي أحدثها الغزو التركي لمنطقة الجزيرة السورية، [...]

عن المنهج القومي في القرآن الكريم

د. إبراهيم علوش ربما ينزعج بعض المثقفين النخبويين من طرح قضايا دينية في سياق سياسي أو أيديولوجي، أما بالنسبة للمناضلين القوميين الذين يخوضون معركة مواجهة التكفير والنزعات الطائفية في [...]

المتباكون على “الخلافة العثمانية”

د. إبراهيم علوش يطلع علينا بين الفينة والأخرى من يتباكى على قرون التجمد الحضاري خارج التاريخ في ظل الاحتلال العثماني، بذريعة أن ما تلاها كان تجزئة واحتلالاً وتبعية للغرب، والمؤسف أن بعض هذه [...]

ارتفاع الأسعار في سورية… هل ثمة ما يمكن أن يفعله المواطن؟

د. إبراهيم علوش يصعب التحدث بالسياسة أو بغيرها بشكل عقلاني مع من وقع بين مطرقة ارتفاع الأسعار (ارتفع مؤشر أسعار المستهلك حوالي تسعة أضعاف منذ عام 2010، بحسب المكتب المركزي للإحصاء) من جهة، [...]

ما هي العروبة الحضارية؟

د. إبراهيم علوش هل تقوم العروبة على أساسٍ عِرقي أو عنصري، كما يزعم البعض؟ وهل يشكل الانتماء لـ"عِرقٍ عربيٍ صافٍ" أحد شروط الانتماء للعروبة، بما يخرج منها من لا ينحدرون من أصلابٍ عربية صرف من [...]
2019 الصوت العربي الحر.