خطاب وزير الخارجية المصري الجديد نبيل فهمي: خطوة صغيرة للإمام.. ويبقى الكثير

July 20th 2013 | كتبها

 

– لا يمكن أن يقف أي مواطن عربي شريف إلا موقفاً حازماً ضد استمرار المفاوضات مع العدو الصهيوني، وضد ما يسمى “مبادرة السلام العربية” التي أعلن وزير الخارجية المصري الجديد نبيل فهمي عن تبني مصر لها، فهي مبادرة تقوم على أرضية الاعتراف بالكيان الصهيوني والتطبيع الرسمي العربي والإسلامي معه مقابل فتات.

 

– كما لا يمكن أن يقف أي مواطن عربي شريف إلا متعجباً من إعلان تأييد ما يسمى “الثورة السورية” بعدما انكشف غطاؤها تماماً من جهة همجيتها من ناحية، ومن جهة تبعيتها الكاملة لبعض نفس الجهات الدولية والرسمية العربية والإخونجية التي تعيث فساداً في مصر.

 

– بالرغم مما سبق، لا يمكن لأي مراقب سياسي موضوعي إلا أن يلاحظ مؤشرات مهمة في الموقف الرسمي المصري، بالاتجاه الصحيح، مما رشح من المؤتمر الصحفي لنبيل فهمي اليوم.

 

– صحيح أن الوزير الجديد لم يتخذ موقفاً واضحاً من عدد من الملفات المفصلية، بل تعمد ترك الموقف الرسمي المصري غامضاً إزاءها، بما يتناسب مع المرحلة الانتقالية التي تمر بها مصر، فاتحاً الباب أمام عدد كبير من الاحتمالات الإيجابية التي لم تكن مفتوحة منذ أيام القائد جمال عبد الناصر، وكذلك تاركاً الباب مفتوحاً أمام متابعة الكثير من السياسات القديمة السلبية والمدمرة، أي أن الوزير الجديد أعطى مصر حيزاً كبيراً للمناورة، ولكن بسقف أعلى، وهامش أكبر، مما كانت عليه السياسة الخارجية المصرية منذ عهد مبارك.

 

– نلاحظ مثلاً عدم التطوع بالالتزام بمعاهدة كامب ديفيد، كما فعل الإخونجة والزومبجيين تكراراً في مرحلة الترشح للانتخابات، مع عدم إثارة اللغط بأن معاهدة كامب ديفيد سوف تلغى.  ولا يمنع ذلك أن يصدر تأكيدٌ على الالتزام بكامب ديفيد في المدى القصير والمتوسط، لكن السقف المصري وضع عند “مبادرة السلام العربية”، أي ما قبل المعاهدات، وهو ما يقترب من الموقف الرسمي السعودي في الواقع، الذي لا يشرف كثيراً، لكنه سقفٌ أعلى من سياسة التطبيع المجاني والاستمرار بما كانت عليه الحال أيام مبارك ومرسي.

 

– أما بالنسبة للموقف من سورية، فقد حدد الوزير نبيل فهمي سقفاً أعلى من الموقف الرسمي السعودي، أو موقف الجامعة العربية.  فالمطالبة بحل سياسي يعني التفاوض مع هذه القيادة السورية، قيادة الرئيس بشار الأسد، وهذه الدولة السورية، وليس غيرها.  فهو لم يطرح تنحي الأسد، ولم يدعو ل”إسقاط النظام”، ولم يغلق الآفاق أمام استعادة العلاقات مع هذه الدولة السورية، وأكد على أن مصر غير معنية ب”الجهاد” في سورية، وهي بادرة يجب أن تقابلها القيادة السورية بما هو أحسن منها إن لم تفعل بعد.

 

– الملفت كان استخدام اللغة الناصرية في الحديث عن الدوائر الثلاثة التي حددها جمال عبد الناصر في كتيب “فلسفة الثورة”، وهذا مؤشر مهم بحد ذاته، والأهم منه الحديث عن استعادة دور مصر العربي والأفريقي والمتوسطي، وهو ما سيعني، لو تم، بالضرورة الحتمية، أنه سيكون على حساب نفوذ الطرف الأمريكي-الصهيوني (وغيره) في الوطن العربي.

 

– كما كان من الملفت بعض الغمز واللمز عندما تم الحديث عن العلاقة مع الولايات المتحدة بأن مصر لم تطلب من أحد التوسط بينها وبين الإخونجة، وكذلك كان من الملفت التأكيد، بطريقة دبلوماسية لا تخلو من الشدة، على استقلالية السياسة المصرية إزاء الولايات المتحدة.

 

– مرة أخرى، لا نسقط رغباتنا وامالنا على الواقع، ولا نتعجل الأمور، ولا يزال الأفق مفتوحاً على انحراف “الانتفاضة الثانية” في مصر باتجاه التبعية تحت جناج الليبراليين، ولكن كذلك سيكون من الغباء أن لا نلاحظ بعض المؤشرات الجديدة. 

 

– في الحالتين، يجب أن نراقب الوضع في مصر جيداً، لأن انعكاسات حدوث تغيير حقيقي في السياسات المصرية على المشهد العربي، بالاتجاه الصحيح، ستكون بداية “الربيع العربي” الحقيقي.  وحتى يحدث ذلك، لن نطبل ونزمر لنظام لم تتضح خياراته الإستراتيجية بعد، ولن نندفع للهجوم عليه قبل اتضاحها.

 

فقط نقول: يا مصر قومي وشدي الحيل.

 

إبراهيم علوش

 

للمشاركة على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=690556457628259&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=1

 

 

الموضوعات المرتبطة

ملاحظات على هامش اللحظة المصرية الراهنة

- لا يحتاج أي مراقب سياسي حصيف للكثير من الجهد ليلاحظ أن مصر يتم تطويقها اليوم من بوابة: أ – خطر الإرهاب في سيناء من الشرق، ب – خطر قطع مياه النيل من الجنوب، ج – الخطر التركي من الغرب [...]

العقب الحديدية وانحلال الجمهورية في الولايات المتحدة

"العقب الحديدية" هي الترجمة العربية لعنوان رواية جاك لندن The Iron Heel، أما ترجمة العنوان الحرفية الأدق فهي في الواقع "كعب القدم الحديدي" (بالمفرد)، وقد نُشرت عام 1908 من منظور مستقبلي، كأنها مذكرات [...]

العمل القومي: لا نجاح من دون التعلم من التجارب الفاشلة

إذا كانت التجارب القومية العربية خلال القرنين الأخيرين قد انكسرت أو فشلت، فإن ذلك لا يعني سقوط الفكرة القومية، كما أن سقوط السلطنة العثمانية لا يعني انتهاء مشروع الإسلام السياسي، وسقوط [...]

نقطة البداية في إعادة إحياء التيار القومي اليوم

بعد الاحتلال البريطاني لمصر في العام 1882، في ظلّ ولاية "حافظ الحمى والديار في وجه الاستعمار" السلطان عبد الحميد الثاني، باتَ شَطْب الوعي القومي العروبي لمصر ضرورة استراتيجية كصمام أمان [...]

الاستهداف الغربي للفكرة القومية العربية منذ محمد علي باشا

شكل القوميون العرب تاريخياً التيار الأكثر تعرضاً للاستهداف المنهجي في العصر الحديث بالضبط لأنه التيار الذي يشكل تحقيق أهدافه، مثل الوحدة والتحرير والنهضة، انقلاباً جذرياً في بنيان [...]
2020 الصوت العربي الحر.