“تغيير نظام” الرئيس باكييف في قيرغيزستان: دفعة على الحساب لروسيا مقابل ماذا؟

April 14th 2010 | كتبها

 

د. إبراهيم علوش

السبيل 15/4/2010

أثارت انتفاضة الشارع في قيرغيزستان في 6/4/2010 التي أطاحت بالرئيس القيرغيزي كرمان بيك باكييف، وجاءت بروزا أوتنبييفا رئيسة للحكومة المؤقتة، وخلفت وراءها عشرات القتلى ومئات الجرحى، اهتماماً شعبيا وإعلاميا كبيرين في الوطن العربي. 

ويبلغ عدد سكان قيرغيزيا، أو قيرغيزستان، حوالي خمسة ملايين ونصف المليون ثلثيهم من قومية القرغيز، وهم شعب تركي الأصول.  ويشكل المسلمون ثمانين بالمئة من القيرغيزيين، فلا عجب أن تثير إطاحتهم برئيسهم الموالي لأمريكا باكييف في الشارع اهتمام العرب… 

لكن ليست كل الأمور كما قد تبدو بالضرورة.  فحكومة الولايات المتحدة هادئة أكثر من اللزوم بالنسبة لدولة يفترض أنها خسرت للتو حليفاً مثل كرمان بيك باكييف استعملته لسنوات لتوسيع مجال نفوذها في حديقة روسيا الخلفية، وترفض الآن، بعد الإطاحة به، مجرد التخاطب معه!!!  لماذا؟ وكيف، في دولة كقيرغيزستان تضم قاعدة ماناس الأمريكية، البوابة الرئيسية للقوات الأمريكية الذاهبة لأفغانستان والقادمة منها، عشية التحضير لهجوم كبير على  طالبان؟! 

قيرغيزستان طبعاً إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي حتى عام 1991، ويبلغ الروس فيها حوالي عشرة بالمئة من السكان، ولا تزال عضوا في “اتحاد الدول المستقلة” الذي تقوده روسيا، وفي منظمة شنغهاي للتعاون المرتكزة على التحالف الروسي-الصيني منذ 2001… وتسعى الصين بدورها للحصول على قاعدة عسكرية في قيرغيزستان، خاصة أنها تجاور إقليم شينجيانغ الصيني المسلم الذي وقعت فيه اضطرابات اليوغور. 

وقد كان غزو أفغانستان عام 2001 لحظة اندفاع المحافظين الجدد لفرض الهيمنة الأحادية على العالم التي أسست خلالها قاعدة ماناس في قيرغيزستان.  ومع أن روسيا كانت على وشك النهوض مع مجيء فلاديمير بوتين للحكم، فإن غطرسة القوة كان لا بد أن تبلغ شأوها قبل أن تنكسر في العراق.  وهكذا تحرك جورج بوش بالتعاون مع جورج سورس، المضارب المالي الدولي المعروف، لتمويل ثلاث “ثورات ملونة” في محيط روسيا المباشر: قرمزية في جورجيا عام 2003، وبرتقالية في أوكرانيا عام 2004، وثورة خزامى (توليب) في قيرغيزستان في 2005.

وكان عسكر أكاييف قد سمح لروسيا في 2003 بإعادة فتح قاعدة “كانت” الجوية السابقة، فكان لا بد من الإطاحة به بدعم مباشر للمعارضة والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام “المستقلة”، تماماً كما في جورجيا وأوكرانيا!

وكانت روزا أوتنبييفا الرئيسة الحالية للحكومة الانتقالية، وزيرة خارجية قيرغيزستان مراراً لعسكر أكاييف، ومسؤولة بعثة الأمم المتحدة في جورجيا في ظل “الثورة القرمزية”، وسفيرة بلادها سابقاً في الولايات المتحدة، قد تحالفت مع كرمان بيك باكييف للإطاحة بعسكر أكاييف عام 2005 بنفس الطريقة التي أطاحت به فيها عام 2010، وكانت روزا تعتبر من “عظام رقبة” التحالف الموالي للولايات المتحدة في البلاد.

لكن بعد مجيء كرمان بيك باكييف للحكم تم استبعادها، فتحولت للمعارضة البرلمانية، وبدأت بنسج العلاقات مع حزب “روسيا الموحدة” وبوتين.  كان اتصالها ببوتين أول ما فعلته بعد استلامها السلطة “انتقالياً” الأسبوع الماضي…

أما في أوكرانيا، فقد بات فيكتور يانوكوفيتش القريب من روسيا رئيساً للوزراء في شباط 2010، في انتخابات حرة، بعد قطع الغاز الروسي عن أوكرانيا بضع مرات!  أما جورجيا، فقُلمت أظافرها بضربة   عسكرية روسية في صيف عام 2008.  إذن ها هي روسيا تعود وتستعيد منطقة نفوذها الحيوي من براثن “الثورات الملونة” الممولة أمريكياً.

القاعدة الأمريكية في ماناس؟  كانت روسيا تضغط لإزالتها عام 2009، ثم وقعت مع أمريكا اتفاقية الحد من الانتشار النووي في نفس الأسبوع الذي ثار فيه الشارع القيرغيزي على باكييف!!!  والغريب ما تناقلته وسائل الإعلام يومها، في سياق الحديث عن ذلك الاتفاق، عن قبول روسي بوصول القوات الأمريكية لأفغانستان!! فما علاقة ذلك بالسلاح النووي؟!

إذن روسيا تستعيد قيرغيزستان، والولايات المتحدة تمر إلى أفغانستان، ولا تبقى، ولكن أين تنازلت روسيا مقابل ذلك؟  في ملف إيران؟  فلسطين؟  أم أين بالضبط؟

 

الموضوعات المرتبطة

حول تعامل واشنطن مع الحرب كمسألة دولار في كلمة الرئيس الأسد في الأكاديمية العسكرية العليا

د. إبراهيم علوش لعل من أهم النقاط التي أثارتها كلمة الرئيس الأسد في الأكاديمية العسكرية العليا في دمشق يوم 27/10/2021 هي مسألة العلاقة بين نزعة واشنطن لشن الحروب بصفة دائمة من جهة، وبين [...]

معاناة المسافرين الغزيين على معبر رفح: لا لإغلاقات الحدود بين العرب

  ترشح قصص معاناة مطولة لا تصدق عن المسافرين المارين عبر معبر رفح بين قطاع غزة ومصر، المعبر الوحيد لقطاع غزة على العالم.  وإذا كانت وسائل الإعلام التركية والإخوانية تتاجر بمثل تلك القصص [...]

فيتنام: حليف الولايات المتحدة “الشيوعي” في مواجهة الصين

  تمر بعد أسبوع، أي في 2 أيلول/ سبتمبر المقبل، الذكرى الـ52 لرحيل القائد الفيتنامي هو شي منه رحمة الله عليه.  وقد توفي القائد والمعلم هوشي منه عام 1969، في عز الصراع الدموي بين فيتنام والولايات [...]

متلازمة التحسس من مصطلح “الأمة” أو “القومية العربية”

يتحسس البعض من مصطلح "قومية عربية" أو "أمة عربية" على الرغم من عدم ممانعتهم لاستخدام تعبير "عرب" أو "عروبة"، فالعروبة والعرب عندهم شيء ما، هلامي، ليس أمة ولا تشده روابط قومية. اليوم مثلاً تم [...]

على هامش خطوة قيس سعيد في تحجيم نفوذ الإخونجة في تونس

المتحسسون من خطوة قيس سعيد في تحجيم نفوذ الإخونجة في تونس من منطلقات ليبرالية أو دستورية أو "ديموقراطية"، لماذا لم نرَ مثل هذا التحسس المرهف إزاء مركزة الصلاحيات التنفيذية بأيدي أردوغان [...]
2022 الصوت العربي الحر.