هل من احتلال روسي لسورية؟

October 7th 2015 | كتبها

Russia

غريبٌ أمر الذين يسمون التدخل الجوي الروسي في سورية اليوم “احتلالا” و”تدخلاً أجنبياً” وما شابه وهم الذين ما برحوا يستدعون التدخلات الأمريكية والأوروبية، العسكرية والسياسية والأمنية، منذ بداية الأزمة السورية والذين جن جنونهم على أوباما عندما تراجع عن تهديداته بقصف سورية في نهاية صيف عام 2013!

لا بل أن هؤلاء أنفسهم يصمتون عن الدعم الصهيوني للعصابات الإرهابية من جهة الجولان، ويهللون للقصف الجوي الصهيوني لسورية، ناهيك عن تحول بعضهم إلى أداة للسياسة التركية وسكوتهم جميعاً عن الاحتلال التركي لمناطق سورية مثل مرعش وديار بكر والإسكندرون! فروسيا لا تحتل أي قطعة أرض سورية أو عربية في أي مكان، أما الكيان الصهيوني وتركيا فيحتلان الكثير من سورية احتلالاً استيطانياً، ومنه فلسطين.

أما الآن، فتراهم قد اجتمعوا، رغم خلافاتهم الداخلية الكثيرة، في جوقة واحدة ليعزفوا لحناً طائفي النكهة على تقاسيم البترودولار، كما في جريدة “العربي الجديد” مثلاً، وترى بعضهم يعاير روسيا بالتنسيق مع العدو الصهيوني حتى تخال أنهم يقودون الجحافل في مواجهته فأتت روسيا لتطعنهم بالظهر على حين غرة! لقد أصبحوا دعاة سيادة وطنية فجأة… في مواجهة الروس فقط الذين جاءوا بطلب رسمي من الدولة السورية التي تقاتل دفاعاً عن سيادتها ووحدة أراضيها، أما علاقاتهم الممتدة مع غرف التنسيق الاستخباراتي الدولي والإقليمي في تركيا والأردن، وتحولهم أدوات لتدمير سورية والبلدان العربية لمصلحة جهات أجنبية، فقد جاء بغرض الدفاع عن السيادة السورية طبعاً، لا بغرض رهنها للخارج!

لا يملك أي تحليل استراتيجي موضوعي إلا ملاحظة تقلص حيز المناورة الصهيونية والأمريكية والتركية في سورية كنتيجة مباشرة لتعزيز قدرات الدفاع الجوي الروسية في سورية، ولزيادة الحضور الجوي الروسي على الساحل السوري. أردوغان يعوي وهو يرى عصاباته الإرهابية شمال سورية تتلوى وتهوي، وقد طار نتنياهو مذعوراً إلى موسكو، وصعدت أولوية منع أي اشتباك محتمل بين القوات الجوية الروسية والصهيونية إلى رأس أجندة هيئة أركان الجيش الصهيوني، وهو ما يمثل بالضرورة انحساراً للحيز الاستراتيجي الصهيوني، فقررت وسائل إعلام البترودولار فجأة أن هناك “احتلالاً روسياً لسورية”! سبحان الله، كأنهم لم يلاحظوا كثافة التدخلات الأجنبية في سورية وعلى مدى خمس سنوات وأكثر، وعن طريقهم بالذات!

للعلم، لا روسيا ولا إيران تملي على سورية سياساتها، وتدفق الأسلحة لحزب الله لن يتأثر، كما أن سماح روسيا للصهاينة بقصف مواقع سورية مجاورة للقواعد الروسية، على ما تزعم وسائل الإعلام الصهيونية والبترودولارية، يمس كرامة روسيا نفسها في الوقت الذي تخاطر فيه بالعقوبات والمواجهة مع الغرب لاستعادة تلك الكرامة بعد انحلال الاتحاد السوفييتي. فمثل هذا الكلام لا يدخل في عقل صوص صغير في الساحة السياسية. وعلى كل حال، لقد أثبتت سورية، في أكثر من مفصل حساس، أنها لا تذوب في الحليف، وأنها لا تتخلى عن هويتها أو رؤاها في علاقة التحالف. إنما الأصح القول إن سورية تدافع عن حلفائها بلحمها، وإن تكسير الاستراتيجية الأمريكية في العراق، والصهيونية في لبنان، لعبت فيه سورية دوراً كبيراً، وأن لسورية على حلفائها حقوقاً ليس كثيراً إن أوفوا ببعضها.

من لا يرى الفرق بين منظومة إمبريالية عالمية، تقودها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، وبين الدول والأقطاب المستقلة في عالمنا المعاصر، ومنها روسيا والصين، ومن لا يرى التناقض الرئيسي في عالمنا المعاصر تناقضاً بين الدول المستقلة والإمبريالية، واضعاً كل تلك الدول على قدم المساواة، يعاني من عمى ألوان سياسي حقيقي. وليس مهماً أن نتفق مع روسيا أو غيرها من الدول ذات النزعة الاستقلالية في كل سياساتها بالمناسبة، بل يكفي أن نعمل على أساس القاسم المشترك، وهو تعزيز النزعة الاستقلالية والتعددية القطبية في مواجهة الإمبريالية لنحافظ على صحة البوصلة، دون أن نذوب بالحليف.

كان من الأفضل بمكان لو أن قوى شعبيةً عربيةً هي التي خاضت معركة الدفاع عن سورية، قبل أو إلى جانب روسيا، وكان من الأفضل لو كانت حال الحركة القومية في وطننا تسمح بتحقيق هذا الهدف، لكننا لا نفصل الواقع على مزاجنا، مع أن تحقيق مثل هذا الطموح يبقى ضرورة استراتيجية، وحقاً وواجباً مبدئياً، لأن مثل تلك القوى ستكون من نفس زمرة الدم السورية، ولأن وجودها هو الذي يمكن أن يحمي سورية بسياجٍ قوميٍ لن تحقق سورية أمنها الاستراتيجي من دونه. أما وهذا غير ماثل حالياً، فأهلاً وسهلاً بالحليف الروسي، وعلى الرحب والسعة.

إبراهيم علوش

البناء 7/10/2015

http://www.al-binaa.com/?article=72199

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=1195301973820369&id=100000217333066&pnref=story

الموضوعات المرتبطة

سورية: المنطق الاقتصادي خلف القانون رقم 8 لعام 2021 وشروط النجاح

د. إبراهيم علوش أصدر الرئيس السوري بشار الأسد الأسبوع الفائت القانون رقم 8 لعام 2021 الذي يسمح بتأسيس "مصارف التمويل الأصغر" بهدف تأمين قروض تشغيلية لمحدودي ومعدومي الدخل وتحقيق الاشتمال أو [...]

شرطان ضروريان لرفع الحصار عن سورية

المؤشرات الأولية حول تحولات سياسة إدارة الرئيس الأمريكي بايدن في منطقتنا بعيداً عن النهج الذي تبناه دونالد ترامب تتضمن، فيما تتضمنه، الإيحاء بالرغبة بـ: العودة للاتفاق النووي مع [...]

هل الاقتصاد السوري اقتصاد نيوليبرالي؟

د. إبراهيم علوش أثار الحوار حول الليبرالية الحديثة بعد خطاب الرئيس الأسد في جامع العثمان تساؤلات مشروعة لدى البعض حول الليبرالية الاقتصادية، وما إذا كانت سورية تسير في ركابها، ولماذا [...]

الديكتاتورية الرقمية… من الذي يديرها؟

ثمة اختلال جوهري في عالمنا الافتراضي.  إذ بينما تتوسع شبكات وسائل التواصل الاجتماعي لتشمل مليارات البشر، فإن عدداً أقل فأقل من الشركات الخاصة يبرز كأباطرة غير متوجين لهذا العالم المتمدد [...]

حول مفهوم العروبة في ذهنية الشارع العربي اليوم

حول مفهوم العروبة في ذهنية الشارع العربي اليوم* لا تعيش الفكرة القومية أفضل حالاتها في وطننا العربي اليوم، وذلك مكمن الضعف الذي لا بد من أن نضع الإصبع عليه.  فرخاوة الانتماء القومي [...]
2021 الصوت العربي الحر.