المرجعية العربية السورية هي الفيصل في نجاح المبادرات المتعلقة بسورية

July 12th 2017 | كتبها

د. إبراهيم علوش

لم تألُ سورية جهداً في السير بمبادرات المصالحة والهُدن والحوار لآخر المدى ما دامت لا تتعارض مع سيادة الدولة السورية وحقها وواجبها الطبيعي في محاربة الإرهاب في كل سورية.  والاعتراف بالمرجعية العربية السورية من البديهيات التي لا تنجح أي مبادرة جادة من دونها، فضلاً عن كونها من ثوابت السياسة السورية التي دأبت على اتباع نهجٍ استقلاليٍ منذ عقود.  ولذلك نرى الدولة العربية السورية تتفاعل إيجابياً في “آستانا” و”جنيف”، كما نراها تقاتل بعنفوان في الميدان.   فمن ريف حمص الشرقي حيث حرر الجيش العربي السوري عدداً من القرى بالإضافة إلى محطة الهيل للغاز متقدماً باتجاه الحقل النفطي هناك، إلى ريف السويداء الشرقي حيث تمت استعادة عددٍ من القرى والبلدات والتلال، يجب أن يكون واضحاً أن كل ذرة رمل من أرض سورية، وكل نقطة من مائها، وكل رقعة من سمائها، أي كل ما يتعلق بسورية، تظل مرجعيته النهائية الدولة العربية السورية.

وخلال الأيام القليلة الماضية استعاد الجيش العربي السوري، فضلاً عن ذلك، حوالي 1500 كيلومتر مربع إضافية تبدأ من الرصافة بريف الرقة وتنتهي بمنطقة أثريا شرق حماة، مما أسهم بقطع التواصل على “داعش” بين الرقة وريف السلمية في حماة، وتضم المنطقة المحررة العشرات من آبار النفط، وعدداً من المعالم مثل قلعة الرصافة الأثرية، والأهم، أن سورية تؤكد سيادتها على محافظة الرقة، حتى وهي تغذ الخطى حثيثاً باتجاه مدينة دير الزور، وتستهدف مواقع الإرهابيين فيها، وتصطاد آليات لـ”داعش” على طريق الرقة-دير الزور، فيما الجيش العربي السوري يتمدد في عموم البادية والعبرة بما بعد “داعش” فالمخطط الأمريكي لن يمر.

في ريف دمشق الشرقي، استعاد الجيش العربي السوري سلسلة تلال استراتيجية جنوب محور مطار السين-ظاظا بين تلال دكوة ورغيلة وريشة، فيما يستمر التذابح بين فصائل التكفيريين في الغوطة الشرقية، ليظهر أن الأمن والاستقرار يكون حيث تبسط الدولة ظلها.  وتجيء عودة المئات من أهالي حي الوعر في حمص من جرابلس في حلب إلى الحي لتؤكد هذه النقطة بجلاء، ولتسقِط مزاعم الإعلام الأصفر بأن الدولة تسعى لتهجير سكان بعض المناطق إلخ… ويبدو أن مئاتٍ آخرين من أهالي الوعر في مخيم زوغرة قرب جرابلس  سجلوا اسماءهم للعودة إلى الحي، لكن بعض فصائل العصابات التكفيرية المسلحة منعتهم، فمن الذي يسعى إذاً لتغيير الواقع الديموغرافي في سورية؟!

ميدانياً أيضاً يمثل تحرير الموصل بالكامل من ربقة “داعش” نصراً مباركاً كبيراً بحد ذاته، وبشيراً بقرب إنجاز تحرير كل المدن والأراضي السورية من الإرهاب التكفيري.  وهو نصرٌ لاحت معالمه منذ التقاء الجيشين السوري والعراقي على الحدود، وهو ليس نصراً على “داعش” فحسب، بل لما يعده الأمريكيون لما بعد “داعش”، من شرق سورية إلى جنوبها، كخط أفقي يقطع الخط العامودي الذي حاولت أن ترسمه الولايات المتحدة عبر شرق سورية.

وقد جاء الإرهاب التكفيري في سيناء باستهداف الجيش المصري وعناصره وسقوط العشرات منهم شهداء  ليذكرنا بأن المعركة ضد الإرهاب في المنطقة هي معركة واحدة ضد عدو واحد، وأنها تستهدف الجيوش العربية الرئيسية الثلاثة في دول الطوق، وأنها بالتالي معركة لا يمكن أن تُخاض بجدية إلا بالتنسيق مع القوة الأساسية التي تحارب الإرهاب التكفيري اليوم وهي الجيش العربي السوري.  وثمة المزيد من الوعي بهذا الاتجاه اليوم كما نلاحظ من مشروع القانون الذي تم عرضه في البرلمان التونسي لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مع سورية التي كانت قد قُطعت في ظل حكومة الغنوشي والمرزوقي، وننوه هنا للاعتصام المواظِب الذي تقيمه “لائحة القومي العربي” أمام الخارجية التونسية منذ 183 أسبوعاً للمطالبة باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين تونس وسورية.

التطور الإيجابي الآخر الذي يظهر انكشاف جبهة داعمي الإرهاب في سورية هو المسيرة الضخمة من أنقرة إلى إسطنبول التي شارك فيها مئات آلاف المواطنين الأتراك ضد سياسة أردوغان الداعمة للإرهاب في سورية، وكان المحرك المباشر لها الحكم بالسجن 25 عاماً على النائب التركي المعارض أنيس بربر أوغلو بتهمة تسريب معلومات حول شحنات الأسلحة التركية للإرهابيين في سورية، مما يسلط الضوء على المأزق الذي وصل إليه داعمو الإرهاب التكفيري في سورية، خصوصاً في الحالة الأردوغانية.

العدوان على سورية إذاً راح يتهاوى سياسياً وميدانياً، وأدواته تتحطم وتنكشف وتنقلب على بعضها البعض، ولكن وزير خارجية الولايات المتحدة ريك تيلرسون لا يزال يعتقد أنه يستطيع أن “يرسم لسورية مستقبلها ومسارها” عندما راح يتشدق بشكلٍ متغطرسٍ أجوف في هامبورغ قبل أيام بما تراه وما لا تراه الإدارة الأمريكية جائزاً لمستقبل سورية!  وهو ما يدلل على فقدان الإدارة الأمريكية للصلة مع الواقع، واقع التطورات الميدانية من جهة، وواقع التطورات السياسية في الإقليم من جهة أخرى.

ونذكر في هذا السياق أن اتفاقات مناطق تخفيف التوتر هي من مخرجات مؤتمر الآستانا قبل شهرين برعاية روسيا وإيران وتركيا، وأنها جاءت في سياق تركيز النار على “داعش”، وأن وقف إطلاق النار لا ينطبق على المجموعات التي لا تتقيد به، وأنه لا ينطبق على “النصرة” وتحالفاتها، وفي النهاية، لن تمر اتفاقات تمس سيادة سورية وقرارها إذا حاولت بعض الأطراف المحلية أو الإقليمية أو الدولية اختراقها سعياً لأن تنال بـ”الفهلوة” ما عجزت عن نيله في الميدان وفي السياسة، لا في جنوب سورية ولا في شمالها أو شرقها أو وسطها أو غربها، خصوصاً أن الزخم والمبادرة باتا بوضوح بيد الجيش العربي السوري وحلفائه، وتبني الولايات المتحدة الآن لفكرة “مناطق تخفيف التوتر” في جنوب سورية جاء بعد فشل مشروعها الميداني والسياسي استراتيجياً، فهي تلعب بالوقت الضائع، والشيطان في التفاصيل طبعاً، ولكن من قال أن الأمريكيين سيصممون تلك التفاصيل وحدهم؟!

تشرين 12/7/2017

http://tishreen.news.sy/?p=99712

للمشاركة عل فيسبوك:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1796624533688107&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

كيف وصلنا إلى لحظة إسقاط سورية للـ”أف 16″ الصهيونية؟

د. إبراهيم علوش كيفما نظرنا لإسقاط طائرة الـ"أف-16" والصواريخ الصهيونية المعتدية على سورية يوم السبت الفائت، كنقطة تحول مفصلية في الصراع الدائر على أرض سورية من جهة، ومع العدو الصهيوني من [...]

بولندا تتعرض لهجمة دولية بسبب قولها: لو سمحتم، لا علاقة لنا بـ”المحرقة” اليهودية

د. إبراهيم علوش المعركة المستعرة حالياً بين بولندا من جهة، والكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، حول مشروع قانون سنّه مجلس النواب البولندي يمنع تحميل بولندا [...]

اللامركزية عنوان المرحلة الثانية من الحرب على سورية

د. إبراهيم علوش   وثيقة "مجموعة واشنطن" غير الرسمية، التي ظهرت إبان الجولة التاسعة للتفاوض حول الحل السياسي في سورية برعاية الأمم المتحدة في فيينا، كشفت رسمياً الاستراتيجية الجديدة لأعداء [...]

عفرين والمشروعان التركي والكردي في سورية

د. إبراهيم علوش شكلت عفرين هدفاً لنظام رجب طيب أردوغان منذ بدء العدوان التركي المباشر على سورية على مرحلتين، مرحلة ما يسمى بـ" عملية درع الفرات" من 24 آب 2016 حتى 29 آذار 2017، التي أسفرت عن احتلال [...]

محاولة أمريكية لتوريط تركيا أكثر في الميدان السوري

د. إبراهيم علوش توقيت إعلان ناطق رسمي باسم قوات "التحالف" عن نية الولايات المتحدة تأسيس "قوة أمنية حدودية" قد يصل قوامها إلى ثلاثين ألفاً، بالتعاون مع ما يسمى "قوات سورية الديموقراطية"، على أن [...]
2018 الصوت العربي الحر.