حول الموقف المقاوِم المبدئي من حماس بمناسبة تظاهرات بدنا نعيش

March 28th 2019 | كتبها

ثار جدال في الصف الوطني واليساري حول قمع حماس لتظاهرات “بدنا نعيش” تحول فيها خط تأييد حق التظاهر غير المقيد إلى دفاع ضمني أو علني عن سلطة التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني، ورفع فيها المدافعون عن حماس “أولوية حق المقاومة على ما عداه” على رؤوس الأشهاد، والناس بين هذا وذاك حائرون. فهل الدفاع عما قامت به حماس من إجراءات قمعية هو دفاع عن اولوية حق المقاومة حقاً؟ وهل تظاهرة “بدنا نعيش” هي نسخة غزية من “الربيع العربي” الذي ايدته حماس وتذرعت به لطعن سورية في الظهر والابتعاد عن محور المقاومة في خضمه؟

للمدافعين عن حماس بذريعة “أولوية المقاومة والممانعة” نقول:

أولاً، إن موقفنا المبدئي كلائحة قومي عربي من كل قصة “حقوق الإنسان والحيوان والباذنجان” وطريقة توظيفها إمبريالياً، من “الربيع العربي” إلى إيران إلى الدول الاشتراكية سابقاً، هو موقفٌ واضحٌ ولذلك لا نتبناها ولن نتبناها إلا حيث يكون مؤداها في السياق العام ضد الإمبريالية والصهيونية وأدواتها…

ثانياً، نتفق على أن ما جرى في غزة هو انقسام اجتماعي عامودي، وجزء من صراع سلطتين، أكثر مما هو صراع شعب ضد سلطة، وأن حماس تعاملت فيه كسلطة تدافع عن وجودها، وأن السلطة الفلسطينية وظفته كسلطة تدافع عن وجودها ايضاً، وأن المطالب الاجتماعية والاقتصادية المطروحة من قبل الحراك لا يمكن رؤيتها خارج سياق الصراع بين سلطتين.

ثالثاً، نتفق على مبدأ أن السلطة في رام الله هي سلطة تنسيق أمني مع العدو الصهيوني، وأن السلطة في غزة مرفوضة من قبل الإمبريالية والصهيونية، لأنها تعزز، بدلاً من أن تفكك وجودها المسلح كما فعلت السلطة في الضفة.

رابعاً، نتفق على أن مبدأ الوقوف مع المقاومة، ضد الإمبريالية والصهيونية، حيثما وبمقدار ما توجد في أي مكان في العالم، هو الموقف المبدئي الصحيح الذي لا يمكن أن يكون المرء مناهضاً للإمبريالية والصهيونية من دونه، وعليه لا بد من الوقوف مع أي مقاومة، عندما تحدث، بغض النظر عن الهوية الفصائلية للمقاوم الميداني.

لكن كل ما سبق لا يقود تلقائياً للوقوف مع حماس وسلطتها للأسباب التالية:

أولاً، من حقنا أن نحاسب أي طرف سياسي بناءً على مقاييسه هو. فمن وقف مع دمار “الربيع العربي” بذريعة “حق التظاهر”، وما شابه، لا يحق له أن يطالبنا بدعمٍ مطلق بذريعة سمو “حق المقاومة” على “حق التظاهر”، فيما رفض هو تبني الموقف ذاته حيث تعارض ذلك مع أجندة الإخوان المسلمين في المنطقة.

ثانياً، لا يوجد فرق جوهري في البرنامج السياسي بين سلطة حماس وسلطة فتح، لا سيما بعدما تبنت حماس على مرحلتين مقولة “الدويلة الفلسطينية” و”الحل المرحلي”. وبالتالي هناك فرقٌ بين الوقوف مع أي مقاوم، من أي فصيل، أو من خارج الفصائل، عندما يقاوم، وبين الوقوف مع برنامجه وتموضعه السياسي خارج سياق فعل المقاومة ذاته، ولذلك فإن الموقف المبدئي يتطلب منا هنا التمييز ما بين فعل المقاومة الذي يتوجب دعمه، بغض النظر عن انتماء المقاوم الفصائلي، أو عدم انتمائه، وما بين مشروعه السياسي في فلسطين، الذي قد يتطلب الموقف المبدئي رفضه أو إدانته، كما يتوجب رفض “الحل المرحلي” بغض النظر عن هوية من يتبناه.

ثالثاً، كتتمة لما سبق، لقد أصبحت حماس والدم الفلسطيني في غزة مبيضاً لصفحة “الإخوان المسلمين” في الإقليم، ورافعةً لمشروع الهيمنة العثماني على الأمة العربية، وإذا كانت قيادة منظمة التحرير في السابق قد وظفت المقاومة المسلحة ودماء الشهداء لحجز مقعد على مائدة الحلول التسووية، فإن قيادة حماس سبق أن أبدت استعدادها ورغبتها، لا سيما في خضم “الربيع العربي”، بالدخول في “العملية السلمية” و”التعايش” وممارسة “المقاومة المدنية السلمية” وبتولي مسؤوليات السلطة الفلسطينية إذا قرر محمود عباس أن يسلم المفتاح… لكن المشكلة أن الإمبريالية والصهيونية لا تقبلان التفاهم مع طرف فلسطيني مسلح، ولا تقبلان التعامل إلا مع أطراف فلسطينية ضعيفة ومفككة ومستعدة للانصياع المطلق مثل السلطة الفلسطينية. وهذا يخلق أرضية للمقاومة يجب أن ندعمها، أما برنامج الإخوان في الإقليم، ومشروع اردوغان، فلا يجوز أن يصبح الدم الفلسطيني مدخلاً لدعمهما.

رابعاً، في زمن اختلاط الأوراق لا بد من وضوح الرؤيا، إذ لم يعد الحق بيناً والباطل بيناً، وصار من الواجب تبيّنهما. فإذا كانت البوصلة هي مناهضة الإمبريالية والصهيونية ومشاريعهما وأدواتهما، فإن الموقف من أي طرف يجب أن يكون مقدار قربه أو بعده من الإمبريالية والصهيونية، فإذا ناهضهما، وقفنا معه، وإذا اقترب منهما، ناهضناه، وعليه ندعم فعل المقاومة والموقف المقاوم، حيثما وبمقدار ما يوجد، لأن ذلك يخدم مصلحة الأمة العربية وشعوب الأرض، لكن لا ندعم توظيف المقاومة في مشاريع ومحاور تناقض ذلك الاتجاه. مثلاً، وبعيداً عن حماس، لا يمكن أن نؤيد تطبيع حليفتنا روسيا مع العدو الصهيوني، ولا ننسى وقفتها المشرفة معنا في عدة مفاصل، ولا يمكن أن نؤيد موقف إيران من العدوان على ليبيا عام 2011، أو من العراق عام 2003 وما تلاه، ولا ننسى وقفتها المشرفة جداً مع الأمة العربية في فلسطين ولبنان وسورية وفي الكثير من المفاصل اليوم مما لا يمكن ولا يجوز إنكاره. بالمقابل، إيران وروسيا في السياق العام في عالمنا المعاصر في مواجهة ضارية مع الإمبريالية لا يجوز إلا أن نقف مع انفسنا ضد الإمبريالية فيها، فأين يقف الإخوان المسلمون اليوم في ذلك السياق العام ذاته؟!

ذلك هو السؤال! فعندما نستطيع فصل حماس عن الإخوان المسلمين، وعندما لا يعود دعم حماس مدخلاً لدعم المشروع الإخواني، يصبح لكل حادث حديث…

مع المقاومة بالضرورة في كل الأحوال، لكن بدون شيكات على بياض.

إبراهيم علوش

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=2664912943525924&set=a.306925965991312&type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

الحراك الشعبي ليس دوماً على حق

خلال معظم القرن العشرين، شكل الحراك الشعبي والعمل السري وحرب العصابات وحرب الشعب سلاح القوى المناهضة للإمبريالية والأنظمة والحكام التابعين لها، أو إحدى أدوات حركات التحرر القومي ضد [...]

دين سورية الخارجي

عند نهاية عام 2010، لم يكن الدين الخارجي للجمهورية العربية السورية يبلغ أكثر من 15% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يظهر الرسم البياني المرافق، وهو رقم شديد التدني بالمقاييس العالمية. والمصدر هو [...]

المتباكون على الخلافة العثمانية

يطلع علينا بين الفينة والأخرى من يتباكى على قرون التجمد الحضاري خارج التاريخ في ظل الاحتلال العثماني، بذريعة أن ما تلاه كان تجزئة واحتلالاً وتبعية للغرب، والمؤسف أن بعض هذا الأصوات محسوبة [...]

الحرب الاقتصادية على سورية تتصاعد… محكمة فيدرالية في واشنطن تحكم بتعويض أمس مقداره 302 مليون دولار على الدولة السورية بعد إدانتها بمقتل المراسلة الحربية الأمريكية ماري كولفن

ويبدو أن العقوبات المالية بذرائع "قانونية" ستكون نهجاً مع سورية من الآن فصاعداً، كما كانت مع العراق وليبيا من قبل، في سياق تشديد الحرب الاقتصادية على سورية بعد فشل الصيغ الأخرى من العدوان [...]
2019 الصوت العربي الحر.