هل كان مؤسسو الحركة القومية العربية الأوائل من العرب المسيحيين؟

July 18th 2020 | كتبها

ناجي علوش*

تتعرض الأمة العربية لعمليات احتلال وتفتيت واستنزاف سياسي وعسكري. وهذا واضح لكل من يرى ويعقِل. ولكنها أيضاً تتعرض لعملية “غسل دماغ” منظّمة. وتعرف الأطراف المعادية أن العملية الأولى لا تنجح إلا إذا نجحت الثانية، لأن الأمة التي تملك إرادتها لا تذل ولا تهون. ومن هنا فقد حاول أعداء الخارج والداخل أن يقنعونا أن البعث القومي تمّ نتيجة عوامل خارجية جاءتنا من الدول المعادية. ولذلك، فإنّ غزوة نابليون، ومدارس الإرساليات، والتأثر بالثورة الفرنسية والفكر الغربي، كانت العوامل الأساسية في هذا البعث القومي، من وجهة نظرهم. ولأنّ الأمر كذلك، فإن بعض المسيحيين هم حمَلة الراية القومية.

وكانت أصحاب هذه الدعاوى ثلاثة أطراف:

– الأول: الأوساط الحاكمة في السلطنة العثمانية التي كانت تخشى الانبعاث العربي، وكانت تفعل كل ما من شأنه طمس الهوية العربية. وقد لجأ إلى هذا الأسلوب سلاطين بني عثمان، من سليم وسليمان، بعد الاحتلال مباشرة، سنة 1516، إلى عبد الحميد الثاني وحزب الاتحاد والترقي. وقد ارتبط بالسلطنة بعض رجال الدين الذين عملوا لخدمتها، أو الذين كانوا يرون فيها نمط الخلافة الإسلامية، وقد قام هؤلاء باتهام الحركة القومية “بالتفرنج” والارتباط بمطامع الدول الغربية ومعاداة الإسلام.

– الثاني: الحكومات الاستعمارية وأجهزتها، وقد حاولت هذه الدول وأجهزتها أن تنسب الحركة القومية إلى المسيحيين لتعزل الحركة القومية، ولتزيد العداء للمسيحيين، فيضطر هؤلاء للالتحاق بالغرب، لأن الدول الغربية معادية، كانت ولا تزال، وهي لا تريد للحركة القومية نجاحاً، كما لا تريد ذلك للماركسيين أو البرجوازية الوطنية أو حتى القيادات ذات المطامح.

– الثالث: بعض النزعات السياسية والدينية العربية، التي كانت تخشى التحديث والوحدة القومية، وكانت بحاجة لإبقاء الوضع على حاله، ولذلك شنّت حملات شعواء، منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى اليوم، بالإضافة إلى القوى الحاكمة في هذا القطر أو ذاك، والتي كانت تخشى أي تغير في موازين القوى لمصلحة الوحدة القومية.

وهذا ما حاولنا أن نؤكده منذ سنوات في دراسات نُشرت في محاولة لرد تهمة عن الحركة العربية القومية أُلصِقت بها لأسباب عدة منها:

1 – محاولة ربط الحركة القومية بالغرب، وبالتالي بمشروع التغريب،
2 – محاولة الفصل بين الحركة القومية وهوية الشعب وتراثه،
3 – محاولة خلق هوّة بين الحركة القومية والإسلام،
4 – محاولة تعبئة الشعب العربي ضد الحركة القومية.

ولقد تسربت هذه الاتهامات إلى الفكر السياسي العربي، وإلى كتب المدارس والجامعات، حتى إبان النهوض القومي، وصارت لازمةً لأي حديثٍ عن القومية. ودافعَ عن مثل هذه الأطروحات مؤرخون قوميون وسياسيون قوميون، وأساتذة أجلّاء. فتبنوا في معظمهم التحليل الذي روّجه جورج أنطونيوس، ولم يخضِعوه للتدقيق، مع أنه يربط نشوء الحركة القومية بالإرساليات، وبدور المسيحيين العرب الثقافي. وما زال الكثيرون ينسجون على هذا المنوال، ومنه ما يقدمه ألبرت حوراني وهشام شرابي وبسام طيبي وغيرهم. ولذلك، فقد آن الأوان أن تُكشف هذه اللعبة، وأن ينجلي الحق.

إن الحركة القومية لم تنشأ في مدارس الإرساليات، ولا ضمن مخططات الدول الأجنبية. لقد نشأت في وسط عربي إسلامي صميم. ولقد أسهمت في تأسيسها حركات سلفية كالوهابية والسنوسية والمهدية، وقام ببلورة برامجها رجال دين كبار محترمون، ينتسبون إلى عائلات وقبائل عربية، وبعضهم كالكواكبي والزهراوي ينتسبون إلى الرسول، بالإضافة إلى رموز مثل رفاعة الطهطاوي وعبدالله النديم وحسن الشمسي. إن الشخصيات الأساسية في التأسيس للحركة القومية كانت شخصيات إسلامية، ولم يكن للشخصيات المسيحية أثرٌ يذكر، سواء على صعيد الدور السياسي أو الثقافي، وإن كان لبعضها دورٌ، فعلى صعيد الصحافة واللغة والتعليم، وضمن إطار الإصلاح العام العثماني. وإذا برز دور بعض هؤلاء، مثل اليازجيين وآل البستاني وجرجي زيدان، فقد كان هذا الدور ثقافياً مسالماً، إلا في حالة كحالة فرح أنطون، مع أن هذا الدور لم يتعدّ الأدب والفكر والثقافة إلى السياسة المباشرة، وكان جزءاً من نهضة ثقافية عامة، وتالياً لدور إدارة محمد علي في مصر.

ولو أخذنا باحثاً رصيناً مثل سي أرنست دون، في كتابه “من العثمانية إلى العروبية، مقالات حول أصول القومية العربية” From Ottomanism to Arabism: Essays on The Origins of Arab Nationalism، المنشور في العام 1973، لوجدناه يفنّد هذه الفكرة، فهو يرى أن “التفسير المسيحي يواجه صعوبات لا يمكن التغلب عليها… لأن أصحابه لا يقدمون أي دليل أو حجة مقنعة تؤيد التعاطف المفترض بين العرب المسيحيين والمسيحيين الأوروبيين، أو تؤيد الطبيعة البرجوازية للعرب المسيحيين، أو للقوميين العرب”. ويرى سي إرنست دون أن هذه الأطروحة طرحت قبل سنة 1914، وردّ عليها محمد كرد علي، ثم عاد وردّ عليها أنيس النصولي عندما نشر كتابه سنة 1926. ويضيف سي إرنست دون: “إن الأدلة المتوفرة حالياً توضّح أن العرب المسلمين والأتراك هم الذين أخذوا الريادة في ذلك (نشر الحس القومي)… وأن رفاعة رافع الطهطاوي من العرب كان هو الأكثر نفوذاً”، ويحاول سي إرنست دون أن يقدم بعض الأدلة الإضافية هنا، ومن ذلك:

1 – أن القوميين العرب من المسيحيين كانت نسبتهم إلى مجموع القوميين العرب في سورية قبل سنة 1914 ستة بالمئة فحسب،

2 – أن نسبة الذين تعلموا في مدارس الحكومة العثمانية من القوميين العرب قبل 1914 كانت 63 بالمئة، ونسبة الذين تعلموا في المدارس التقليدية 20 بالمئة، ونسبة الذين تعلموا في المدارس الغربية لا تتجاوز 17 بالمئة من القوميين العرب،

3 – أن كثيراً من العرب المسيحيين، منهم معظم من كان يُطلق عليهم عامة لقب “خالقي القومية العربية العلمانية”، شاركوا في رد فعلهم على الغرب الذي بلغ ذروته في حداثة محمد عبدة الإسلامية، إذ كانت كتاباتهم ومواقفهم بعيدة عن مشاعر القربى للغرب، كما أنهم شاركوا العرب المسلمين في الفكرة الذاتية المجروحة عن النفس،

4 – أن بعض كبار مثقفي العرب المسيحيين كالبستاني، والشدياق وأديب إسحق، حذروا من تشويهات الغرب ورذائله، وانتقدوا الإفراط في التفرنج، وأن بعضهم لم يكونوا قوميين عرباً، بل وطنيين عثمانيين.

ويعود السيد سي إرنست دون إلى “أولئك الذين ينكرون ولادة العروبة من الحداثة الإسلامية” ليتهمهم، وهو محق، بأنهم “لم يقدموا أي تعريف محدد لنسبها. إنهم يكتبون عن القومية العربية من دون القوميين العرب، وعن حركة من دون المشاركين فيها. وهم في ذلك لا يختلفون، لسوء الحظ، عن معظم الذين كتبوا عن القومية العربية”.

ولا يقف الأستاذ سي إرنست دون عند هذا الحد، بل يمضي قدماً ليناقش قضية التتريك، وليرد على القائلين بأن التتريك بدأ في عهد الاتحاد والترقي بأن “الأتراك الفتيان كانوا قوميين أتراكاً”، ويرى الاستاذ دون “أن شهرة جمعية الاتحاد والترقي، كجماعة متركين، هي شهرة لا تستحقها”، إذ كانت اللغة التركية هي اللغة الرسمية ولغة الإدارة، منذ قيام الدولة العثمانية، وقد نص على ذلك قانون صدر سنة 1888 “يحدد درجة إتقان اللغة التركية اللازمة للمناصب المختلفة”، كما نص على ذلك دستور 1876، أي أن من بدأ مشروع التتريك هو السلطان عبد الحميد!

ولقد ظلّ القادة العرب المعادون للاحتلال والتفرنج، المؤمنون بما أسمي رسالة الأمة ودورها التاريخي، قادة الحركة القومية العربية، حتى عندما كانوا من المسيحيين، بعد حوالي قرن على بدء نشوء الحركة القومية. وإذا كان هنالك من ينسب إلى العمالة، ويُحسب على الحركة القومية في الآن عينه، فإنه لم يكن من صلب الحركة، ولا من أحزابها الأساسية كالعربية الفتاة والقحطانية والعهد، بل كان ممن ينتسبون إلى جمعيات كجمعية بيروت الإصلاحية، ولم يكن هؤلاء من قادة الحركة القومية، ولا استطاعوا أن يغيروا برامجها، وأن يقودوها على الطريق الذي أرادوه.

* مقتطف من مقالة لناجي علوش في مجلة “طلقة تنوير” عدد 21 ، والمادة الأصلية كتبها الراحل ناجي علوش عام 1994، ونعيد نشرها اليوم بمناسبة مقالة للدكتور عبدالحي زلوم ينسب فيها الحركة القومية العربية للإرساليات الأجنبية والعرب المرتبطين بها إلخ.. بالإضافة للكثير من المغالطات الأخرى عن تاريخ الحركة العربية القومية.

(الصورة المرافقة لرائد العروبة والتعريب في القرن التاسع عشر رفاعة رافع الطهطاوي من القطر المصري)

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=331442868257806&set=a.108373647231397&type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

حركات الإسلام السياسي كمنتج للحداثة الغربية

  إبراهيم علوش  - طلقة تنوير 31 يقول روبرت درايفوس في الصفحة الأولى من الفصل الأول من كتابه "لعبة الشيطان: كيف ساعدت أمريكا على إطلاق العنان للإسلام الأصولي" (2005) إن جمال الدين الأفغاني التقى [...]

الخيار القومي بين الأنظمة الرجعية ونهج المقاومة

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 71 كثيراً ما تقدم الأنظمة الخليجية سياساتها ودورها بأنه دفاعٌ عروبيٌ عن المنطقة في مواجهة "التمدد الإيراني"، وكثيراً ما يلمح المرء، بالمقابل، في ثنايا خطاب بعض [...]

طلقة تنوير 71: عن الأنظمة والمشروع العربي ونهج المقاومة

  المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 أيلول 2020   - الرجعية العربية تقود الأمة إلى الهاوية/ كريمة الروبي   - الخيار القومي بين الأنظمة الرجعية ونهج المقاومة/ إبراهيم علوش   - المشروع [...]

ما بعد الحصار الاقتصادي: الشق المنحدر من قوس الهيمنة الغربية

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 70 تنبع قدرة الدول الغربية عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، في فرض: أ – العقوبات، ب - الحظر ج - والحصار الاقتصادي، وكلٌ من هذه المصطلحات يمثل درجةً أشد من التضييق [...]

في الذكرى الثامنة لرحيله: قراءة في كتاب “حوار حول الأمة والقومية والوحدة” لناجي علوش

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 68 "حوار حول الأمة والقومية والوحدة" هو أحد عناوين كتب المفكر والقيادي القومي العربي الراحل ناجي علوش (1935-2012)، وقد صدر ذلك الكتاب عن دار الطليعة في بيروت عام 1980، وكان [...]
2020 الصوت العربي الحر.