معادلتان قد تساعدان على فهم سبب ارتفاع الأسعار والدولار في الدول المحاصرة.. سورية أنموذجاً

October 16th 2020 | كتبها

 

بالنسبة لمن يعيشون في بلدانٍ مزقتها الحرب، ثم حوصرت بعقوباتٍ خانقة، فإن ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة المحلية يصبح موضوعاً عاطفياً جداً يمس صميم حياتهم وحياة عائلاتهم، مع أن مثل تلك الظروف الرهيبة بالذات تتطلب أكثر من غيرها فهماً موضوعياً هادئاً لما يجري في الاقتصاد.

وثمة معادلتان في علم الاقتصاد قد تفسران لماذا ترتفع الأسعار وتنخفض قيمة العملة المحلية في البلدان التي تمر بحروبٍ مدمرة، أو حصارٍ قاتل، أو كلا الاثنين، وهما:

  • نظرية كمية النقد في التداول Quantity Theory of Money: MV = PQ، و

  • نظرية معادل القوة الشرائية النسبي Purchasing Power Parity (PPP) في المالية الدولية.

جذور نظرية كمية النقد في التداول تمت صياغتها قبل قرنين من الزمان على الأقل، وهي تقول إن كمية النقد المطروحة (Money = M) مضروبةً بسرعة دوران الوحدة الواحدة من العملة المحلية في سنة واحدة مثلاً (V = velocity)، تساوي المؤشر السعري أو معدل الأسعار (P = Price)، مضروباً بكمية السلع والخدمات التي ينتجها الاقتصاد (Q = quantity of goods and services).

فإذا افترضنا أن رمز السعر (P) والكمية (Q) يمثلان مصفوفتين للأسعار والكميات لكل السلع والخدمات التي ينتجها اقتصادٌ ما في عامٍ واحد، فإن حاصل ضربهما يعطينا الناتج المحلي الإجمالي (GDP = Gross Domestic Product)، أو القيمة السوقية للسلع والخدمات التي ينتجها اقتصادٌ ما في عامٍ واحد.

فلنفترض مثلاً أن جزيرةً ما تنتج ثلاث سلع: القمح والسمك والقماس.  ولنفترض أنها تنتج 1000 طن من القمح في عامٍ واحد، وأن سعر طن القمح الواحد هو $200 دولار أمريكي، وأنها تنتج 500 طن من السمك ، وأن سعر طن السمك الواحد هو $2000 دولار أمريكي، وأنها تنتج 10000 متر مربع من القماش، وأن سعر متر القماش المربع الواحد هو 7$ دولار أمريكي، إذاً تبلغ القيمة السوقية لإنتاج الجزيرة في عام واحد، أي ناتجها المحلي الإجمالي GDP، مليون و270 ألف دولار أمريكي = ( (1000 ضرب 200) + (500 ضرب 2000) + (10000 ضرب 7)).

العرض النقدي بالمقابل (M = Money) هو كل أنواع النقود، من النقود الورقية إلى كافة أنواع الحسابات المصرفية، ومن يتحكم بكمية النقد المعروض في الاقتصاد هو البنوك المركزية (قبل عصر العملات الرقمية).  سرعة التداول النقدي (V = Velocity) هو عدد المرات التي تستخدم فيها وحدة نقد واحدة، مثلاً دولار واحد، في عمليات البيع والشراء خلال فترة معينة، مثلاً عام واحد.  مثلاً، في مثالنا أعلاه عن اقتصاد البلد الواقع في جزيرة، إذا افترضنا أن النقد المعروض هو 250000 وحدة أو دولار أمريكي مثلاً، فإن سرعة دوران النقد هي V = GDP/M، أي 1270000/250000 = 5.08، أي أن الدولار الواحد يدور أكثر من خمس مرات لشراء السلع والخدمات في السنة.

نظرية كمية النقد في التداول تقول أساساً إن معدل الأسعار يعتمد على نسبة النقد المعروض لكمية السلع والخدمات المطروحة، مع افتراض الثبات النسبي لسرعة دوران النقود.  فهي تقول إن: MV/Q = P، ولذلك فإن انخفاض كمية السلع والخدمات المطروحة (حتى لو افترضنا جدلاً أن كمية النقد المطروحة لم تزدد) سوف يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع معدل الأسعار، بالتناسب مع انخفاض Q.

فلو أخذنا مثلاً بلداً كسورية التي تدمرت بنيتها التحتية، وقضى فيها قطاع السياحة تحت وطأة الإرهاب، وسرقت مصانعها واحترقت، وما برح ينهب نفطه وغازه من قبل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، وما تزال حقول قمحه وزيتونه وحمضياته تتعرض للحرق منهجياً، إلخ… فإن ما ينتج عن ذلك بالضرورة هو انخفاض مهول في كمية Q، أو الكمية التي ينتجها من السلع والخدمات، وهو ما يؤدي بشكل آلي إلى رفع معدل الأسعار، مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة، بمقدار ما تنطبق نظرية النقد في التداول على أي اقتصاد في العالم.

لنأخذ مثالاً محدداً: كانت سورية تنتج قبل الحرب 385 ألف برميل من النفط يومياً.  وهي تنتج اليوم من الحقول التي تسيطر عليها الدولة السورية حوالي 24 ألف برميل من النفط يومياً، فيما تقدر حاجة البلاد بـ136 ألف برميل يومياً.  فإذا أخذنا بعين الاعتبار الحظر على تصدير النفط إلى سورية، ماذا تعتقدون سيحدث لسعر النفط ومشتقاته مع مثل هذا الفرق المهول بين العرض والطلب؟؟

لنأخذ مثالاً ملموساً آخر: كانت سورية تنتج قبل الحرب أكثر من 4 مليون طن من القمح سنوياً، واليوم تنتج ما بين مليون ومليون ونصف المليون، فيما تقدر حاجة البلاد بـمليونين ونصف المليون سنوياً.  فإذا أخذنا بعين الاعتبار الحظر على التصدير إلى سورية، أو منحها القروض للاستيراد، ماذا تعتقدون سيحدث لسعر القمح (والخبز) مع مثل هذا الفرق المهول بين العرض والطلب؟

هي مسألة فيزياء، قبل أن تكون مسألة اقتصادية، حتى لو أتينا بأنبياء وقديسين لكي يقننوا ما تبقى من نفط وقمح  للتوزيع بعد الحرب والحصار، ولسنا نصف أحداً بأنهم من الأنبياء والقديسين، لكن لو افترضنا جدلاً أن مستوى الفساد وسوء الإدارة هو صفر، فإن أساس المشكلة سيبقى قائماً.

الحل؟  رفع قيمة Q، أي كمية السلع والخدمات التي يتم انتاجها محلياً، لأن تخفيض كمية النقد المطروح، في ظروف حرب وحصار بالذات، ليس مطروحاً.

لكن، للأسف، لا تتوقف المشكلة هنا.  فالحال هو أن ثمة نظرية أخرى في المالية الدولية تقول لنا إن سعر الصرف بين عملتين، مثلاً، الليرة السورية والدولار الأمريكي، تتأثر إلى حدٍ ما بنسبة التضخم (ارتفاع معدل الأسعار) في سورية مقابل نسبة التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية.  بعبارات بسيطة، فلنفترض أن ER  تمثل سعر الصرف (Exchange Rate)، وأن ER1 هو سعر الصرف في الفترة المقبلة، غداً، الأسبوع، الشهر، أو العام المقبل، وأن ER0 هو سعر الصرف الحالي.  إذاً، بحسب نظرية معادل القوة الشرائية النسبي فإن سعر الصرف غداً يساوي سعر الصرف اليوم مضروباً بنسبة التضخم في سورية مقسومةً على نسبة التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية.

ER1 = ER0 (P in Syria)/(P in the USA).

حرف P  أو المؤشر السعري الذي نستعمله هنا بالطبع هو ذاته المؤشر السعري الذي استخدمناه أعلاه في نظرية كمية النقد في التداول، ومثل هذا المؤشر يقيس تغير معدل الأسعار في سلة من السلع والخدمات بين فترة وأخرى.  لذلك، إذا احتجنا مثلاً 50 ليرة سورية لشراء دولار أمريكي واحد في الفترة الحالية، وارتفع معدل الأسعار في سورية 11 مرة (Ps =1100) وارتفع معدل الأسعار في الفترة ذاتها عشرة بالمئة في الولايات المتحدة (Pus = 110)، فإن سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي سوف يكون، بحسب نظرية معادل القوة الشرائية النسبي:

ER1 = (50)  (1100/110) => ER1 = 500 Syrian Pounds per US dollar (and we’re still in 2018).

أي 500 ليرة سورية، وما نزال في العام 2018… ومثل هذه النتيجة سوف تثبت رياضياً حتى لو كانت المضاربة في السوق السوداء للعملات الأجنبية في سورية تساوي صفراً مكعباً، فما بالك إن كان هناك من يتلاعب بالعملة السورية عن سابق إصرار وتصميم!

الحل؟  زيادة Q، أو كمية السلع والخدمات المنتجة محلياً.  وهذا لا يعني بتاتاً أن الفساد وسوء الإدارة والتربح في السوق السوداء ليس أمراً مهماً، ولا تجب محاربته، بل يعني أننا لو افترضنا إزالة مثل تلك الظواهر كلياً، فإن المشكلة الأساسية لن تحل حتى يتم رفع Q، والدليل هو أن مثل تلك الظواهر كانت أسوأ قبل الحرب…

د. إبراهيم علوش

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=405013574234068&id=100041762855804

الموضوعات المرتبطة

استهداف العلماء والباحثين: أبعد من الأثر السياسي الراهن

الاستهداف الصهيوني للعالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، وعدد من العلماء الإيرانيين من قبله، يجب أن يؤخذ في سياقه التاريخي، لا السياسي الراهن فحسب. فكثيراً ما تجد القادة الصهاينة [...]

هل حدث انهيار سياسي في لبنان في موضوع ترسيم الحدود البحرية مع الكيان الصهيوني؟

ثمة من يعادي المقاومة عموماً، والمقاومة في لبنان خصوصاً، مهما فعلت (ولو ضوت العشرة!)، ممن راح يزايد أن المقاومة في لبنان انهارت ووافقت على الاعتراف بالكيان الصهيوني بموافقتها على مفاوضات [...]

عن أي “دويلة فلسطينية” تتحدثون؟!

  في عام 2002، طرح الحاخام بنيامين إيلون خطته لـ"السلام" التي تقوم على تجنيس الفلسطينيين في الضفة الغربية بالجنسية الأردنية، مع السماح لهم بالبقاء كـ"مقيمين"، طالما لا يهددون "الأمن" [...]

حول الإرث السياسي لإدوارد سعيد

د. إبراهيم علوش كان غريباً مزيج الشخصيات الذي اندفع في وسائل الإعلام لرثاء إدوارد سعيد ، من المستعمر الصهيوني الكاتب إسرائيل شامير إلى بعض رؤساء الدول والحكومات. وقد ترددت قبل كتابة السطور [...]
2020 الصوت العربي الحر.