الديكتاتورية الرقمية… من الذي يديرها؟

January 11th 2021 | كتبها

ثمة اختلال جوهري في عالمنا الافتراضي.  إذ بينما تتوسع شبكات وسائل التواصل الاجتماعي لتشمل مليارات البشر، فإن عدداً أقل فأقل من الشركات الخاصة يبرز كأباطرة غير متوجين لهذا العالم المتمدد على حساب الفضاء الحقيقي.

فيسبوك مثلاً تضم أكثر من 2.7 مليار مستخدم منذ نهاية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، وهي ذاتها تملك تطبيق واتساب (أكثر من ملياري مستخدم)، وتطبيق ماسنجر (أكثر من مليار و300 مليون مستخدم)، وتطبيق انستاغرام (أكثر من مليار و200 مستخدم)، وغيرها كثير.

فيسبوك ذاتها يسيطر عليها شخصٌ واحدٌ عملياً، هو مارك زوكربرغ (حصته 30% من فيسبوك تقريباً)، ولكنه ليس المالك الوحيد للشركة، إنما مالك أكبر حصة فيها، فهنالك مثلاً ثاني أكبر مالك، جيم براير (11.4% من الشركة)، وثالث أكبر مالك، داستن موسكوفيتز (7.6% من الشركة)، ورابع أكبر مالك، الملياردير “الإسرائيلي” يوري ميلنر (5.4% من الشركة)، إلخ… وصدف أن أكبر هؤلاء المالكين من توجه عقائدي وسياسي معين!

شركة “غوغل”، أكبر محرك بحث في العالم، وهي تملك موقع “يوتيوب” أيضاً، وغيره كثير، هي ذاتها مملوكة من شركة “الفا بت”، وهي شركة أمريكية أيضاً مالكاها ومؤسساها الأساسيان هما سيرجي برِن، المنحدر من عائلة يهودية روسية هاجرت إلى الولايات المتحدة وهو ما يزال في السادسة من عمره، وصديقه في الجامعة لاري بايج (يهودي الأم فقط).

والإشارة لخلفية مالكي “غوغل” أو “فيسبوك” هي للتعريف بهم، بناء على المعطيات المنشورة عنهم، وهي على سبيل العلم والخبر فحسب، من دون أن يعني ذلك حكماً مسبقاً بالضرورة، إذ نترك ذلك للقارئ الكريم.

شركة “ألفا بت” بلغت قيمتها السوقية ترليون دولار أمريكي مع بداية عام 2020، ومع بداية عام 2021، أسهمت أزمة كورونا برفع قيمتها إلى ترليون و800 مليار دولار تقريباً، فيما تبلغ القيمة السوقية لـ”فيسبوك” اليوم حوالي 762 مليار دولار، أي بزيادة بلغت مئة وستين مليار دولار خلال أزمة الكورونا!

ولا يصعب كثيراً أن نربط بين العزل الاجتماعي، وازدياد الطلب على خدمات الشركتين، وازدياد قيمتهما الرأسمالية، بعيداً عن أي تفسير “تآمري”، وما إذا كانت لهما مصلحة باستمرار التباعد الاجتماعي أم لا، وهو ما نتركه للقارئ الكريم ليقرره أيضاً.

هناك أمثلة أخرى طبعاً، ولكن هذين المثالين الكبيرين يلخصان الصورة بالمجمل.  ومثل هذه الأمثلة تثير عدداً كبيراً من الأسئلة، بعضها بات جزءاً من الحوار العام في الغرب، وبعضها ما يزال بعيداً مهمشاً، ومنها مثلاً لا حصراً:

  • مشكلة احتكار السوق، وهناك عدد من قضايا مكافحة الاحتكار التي قاضت أو على وشك أن تقاضي شركتي “غوغل” و”فيسبوك”، وهذا الأمر يتعلق بالبعد الاقتصادي الصرف لحصة الشركات الكبرى من العوائد الإجمالية في سوق الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من ناحية تهميش المنافسين، وهي قضية يجري نقاشها بشكلٍ متزايد في الغرب.

  • مشكلة السيطرة الفعلية على الإعلام العالمي، والمحلي فعلياً، من قبل “فيسبوك” تحديداً، إذ أن تطبيق “فيسبوك” أصبح عملياً أكبر مصدر للأخبار وأوسع فضاء لتشكيل الرأي العام، إلى جانب “تويتر” وغيرها (عدد مستخدمي تطبيق “تويتر” هو حوالي 300 مليون حول العالم، وقيمة الشركة حالياً هي 41 مليار دولار، بزيادة حوالي 16 مليار دولار خلال أزمة كورونا)، وهي قضية قليلاً ما يجري نقاشها في وسائل الإعلام الرئيسية.

  • مشكلة حجم مثل هذه الشركات، التي تبلغ العوائد السنوية للواحدة منها أكثر من الناتج المحلي الإجمالي لأغلب الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. وقد بلغت عائدات شركة “غوغل” وحدها مثلاً 161 مليار دولار عام 2019، وبلغت عائدات شركة “فيسبوك” حوالي 71 مليار دولار لعام 2019، وما نزال ننتظر الأرقام المؤكدة لعام 2020، ولكن من المتوقع أنها ارتفعت كثيراً.  فكروا مثلاً أن عائدات “غوغل” السنوية عام 2019 كانت أكبر من الناتج المحلي الإجمالي لهنغاريا أو أوكرانيا، وأن عائدات “فيسبوك” السنوية عام 2019 كانت أكبر من الناتج المحلي الإجمالي لبلغاريا أو غانا مثلاً، وذلك بحسب إحصائيات البنك الدولي، وفي العام ذاته كان الناتج المحلي الإجمالي للبنان 53 مليار دولار ونيف، ولليبيا 52 مليار دولار، وللأردن حوالي 44 مليار دولار، ولتونس حوالي 38 مليار دولار، إلخ…  وهذا يعني أن ثمة عدم تكافؤ جوهري في الوزن الاقتصادي لأغلب دول العالم مقابل أيٍ من هذه الشركات، وهي مشكلة نشأت مع صعود الشركات الكبرى متعدية الحدود خارج قطاع الاتصالات والإنترنت، ولكنها تعيد تعريف كلمة “إمبريالية” كهيمنة دولية متعددة الأبعاد، هيمنة حقيقية، تعيشها البشرية جمعاء، كأنها تعيش تحت احتلال من غير عساكر، في الفضاء الحقيقي، والآن الافتراضي.

  • مشكلة حقوق الفرد، وحقوق الجماعات والأمم، في عالمٍ افتراضي تتحكم فيه حفنة صغيرة من الأفراد مالكي الشركات بما يجوز أو لا يجوز، وما هو مسموح أو ممنوعٌ، أن يعبر عنه المليارات من الناس حول العالم. ولنأخذ مثالاً صارخاً هو الحظر الشامل والجماعي الذي فرضته وسائل التواصل الاجتماعي على الرئيس دونالد ترامب.  من البديهي، ولا حاجة للقول، إن ترامب كموقف وخط سياسي وكل ما يمثله، لا يهمنا هنا من قريب أو بعيد، لكنْ فكرة أن حفنة لا تكاد تعد على الأصابع من مدراء شركات وسائل التواصل الاجتماعي تستطيع لوحدها أن تقرر، من دون محكمة أو حوار عام أو مرجعية خارجها، ما الذي يستطيع أو لا يستطيع أن ينشره رئيس الولايات المتحدة الأمريكية على صفحته، هي فكرة جنونية، نابعة من سلطة تكاد تكون غير محدودة، لم يتمتع بها أي ديكتاتور في التاريخ من قبلُ، مع العلم أن ترامب، من منظور ليبرالي، لا يمثل حالة طرفية أو شاذة، بل يمثل حوالي 75 مليون ناخب أمريكي!  وبالرغم من ذلك، تم إخراسه عنوةً.

  • تخيلوا إذاً كيف يمكن أن يتم التعامل مع أي واحدٍ منا، ومقدار التعسف الذي يلحق بالمحتوى المقاوم والفلسطيني، بناء على ما يسمى “مقاييس مجتمع” من المؤكد أنها لم تُحدد من خلال أي نقاش مجتمعي أو حوار عام، أو من قبل الأغلبية التي تُطبق عليها تلك المقاييس، ولا من قبل محكمة أو مجلس تشريعي محلي أو غير محلي، فهل خضعت لتصويتٍ عامٍ قبل إقرارها يا ترى؟ ومن الذي حدد ما هي “مقاييس المجتمع” بالضبط؟  مجموعة “بيلديربرغ”، أم الحركة الماسونية، أم من تحديداً؟  ومن هي الجهة التي قررت أن على 2.7 مليار إنسان أن يتلعثموا كلما أرادوا أن يقولوا أي شيء يتعلق بصه*يون… صه… صه… ؟!  وهل وجد في التاريخ بأسره ديكتاتور يستطيع أن يتحكم بما يقوله الناس بالحرف مثل “فيسبوك”، تحت طائلة الحظر، أو النفي من الجماعة، جماعته، الذين اختار أن يتواصل معهم؟

  • إنها الديكتاتورية الرقمية بأسطع معانيها. وهي نتاج التناقض الجوهري ما بين معنيين لليبرالية: النيوليبرالية الاقتصادية، التي تعطي الشركة الحق بحظر الخدمة عن أي “زبون” لا يتقيد بمقاييس “المحل” أو الشركة، مثلاً ثمة مطاعم معينة تمنع دخول الرواد الذكور الذين لا يرتدون ربطة عنق، وهذا من حقها قانونياً، والليبرالية السياسية، التي يفترض أنها تمنح أي إنسان الحق بالتعبير، ومثال “فيسبوك” يظهر مثل هذا التناقض التاريخي ما بين النيوليبرالية الاقتصادية من جهة، والليبرالية السياسية من جهة أخرى، بأبشع صوره، لأنه يكشف حقيقة سيطرة أقلية ثرية مسيطرة بحكم تحكمها بالتكنولوجيا، وبحسب مزاجها وهواها، عندما تتعارض مصالحها الحيوية مع واجهتها الليبرالية السياسية، وتلك هي قصة النظام الرأسمالي كله منذ البداية أصلاً، ولهذا نشأت الحركة الاشتراكية في القرن التاسع عشر في أوروبا.  وفي حالتنا، يُفرض على العرب أن لا يذكروا اسم أي قائد مقاوم أو شهيد أو فصيل معروف على “فيسبوك”، مع أننا لو أخذنا، من منظور “ديموقراطي ليبرالي”، عدد من يتبنون هذا الخط، مقارنةً بعدد من يؤيدون الصهيو*ني-ة من العرب، فإن “مقاييس المجتمع” لا ترجح أبداً لمصلحة المطبعين، إن لم نقل أن النسبة هي كالفرق بين وزن الفيل ووزن النملة، فإين هي “مقاييس المجتمع”؟!

  • إن لم يعجبك، باستطاعتك أن تغادر هذا التطبيق، هو جوابهم الطبيعي والمتوقع. ولكن السؤال الحقيقي هو: ألا يفترض بشركات تتحكم بالحوار العام، وبتشكيل الرأي العام، وتستطيع أن تفرض مقاييسها الخاصة كمقاييسَ عامةٍ، أن تخضع بدورها لمقاييس المجتمع، مقاييس الأغلبية؟  فـ”فيسبوك” مثلاً لا تملك فقط إمكانية حظرك متى أرادت، ولأتفه الأسباب، وبأثر رجعي، على شيء نشرته قبل سنوات قبل سن آخر قانون تفرضه، بل تملك القدرة على التحكم بمقدار ظهور منشورك عند أصدقائك، أو أصدقاء أصدقائك، وبالتالي تستطيع أن تجعل منشورك يبدو كـ”تريند”، أو رأي شعبي شائع، أو أن تخفض التفاعل معه إلى ما يقارب الصفر، و”غوغل” تستطيع التحكم بما يظهر في محركات البحث عن أي شيء، وما يظهر أولاً، وما لا يظهر إلا آخراً، أو لا يظهر أبداً، وبالتالي ما يعتقد المتصفحون أنه “الإجابة القطعية” على سؤالهم.  والنقطة الجوهرية هي أن القيمة السوقية لأي من هذه الشركات، وفائدتها بالنسبة للجمهور، تنبع من عدد من يشترك منا فيها، أي من الجماعة، ولو هجرتها الجماعة، فإنها تفقد قيمتها التواصلية وبالتالي السوقية، وعليه فلا بد من أن تخضع هي لمقاييس الجماعة، لا أن تخضع الجماعة لمقاييسها.

بتعبير آخر، لو ذهبنا لمحرك بحث آخر، أو لشبكة تواصل اجتماعي أخرى، فإن “غوغل” و”فيسبوك” يفقدان قيمتهما السوقية، فهما يستطيعان أن يستبعدا فرداً هنا أو هناك، ولكنهما لا يستطيعان أن يستبعدا الجماعة أو أغلبها، وبالتالي علينا أن ندرك قوة الجماعة التي نستطيع أن نمارسها على تلك الشركات، وهذا يعني أن علينا أن نبحث عن بدائل، وكلما ذهب عددٌ أكبر منا نحو بدائل أخرى، كلما فقدت تلك الوسائل قدرتها على فرض مقاييسها التعسفية علينا، والتحرك نحو بدائل أخرى هو أمر يجب أن نفعله كجماعة، لأن انسحاب أفراد منا فحسب يعزل أولئك الأفراد، أما إذا تحولنا كجماعة إلى بدائل أخرى، فذلك يتحول إلى أداة مقاطعة وضغط عليهم، وهذا ما يجب أن نقوم به لكي نحافظ على حقنا بالتعبير الفردي والقومي.

نحتاج تحديداً إلى وسيلة تواصل ناطقة بالعربية، إلى الانتقال إلى شبكة تواصل صينية أو روسية أو غيرها، إلى محرك بحث آخر غير مسيطر عليه غربياً، إلى بديل للواتساب، إلى بديل لغوغل، وبديل لفيسبوك، وعندما نبدأ كجماعة بالتحرك بهذا الاتجاه، سوف نبدأ بالتحرر من تعسفهم الافتراضي، كمقدمة لتحررنا من تعسفهم الحقيقي.  عندما نصل إلى مثل تلك القناعة، وعندما نبدأ بممارستها، سوف يبدأون بفقدان السيطرة علينا.  وحتى يحدث ذلك، لا تقلق إذا لم يُعجب بمنشورك إلا شخص واحد، فأنت على الطريق السديد.

إبراهيم علوش

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=479124863489605&id=100041762855804

الموضوعات المرتبطة

معاناة المسافرين الغزيين على معبر رفح: لا لإغلاقات الحدود بين العرب

  ترشح قصص معاناة مطولة لا تصدق عن المسافرين المارين عبر معبر رفح بين قطاع غزة ومصر، المعبر الوحيد لقطاع غزة على العالم.  وإذا كانت وسائل الإعلام التركية والإخوانية تتاجر بمثل تلك القصص [...]

فيتنام: حليف الولايات المتحدة “الشيوعي” في مواجهة الصين

  تمر بعد أسبوع، أي في 2 أيلول/ سبتمبر المقبل، الذكرى الـ52 لرحيل القائد الفيتنامي هو شي منه رحمة الله عليه.  وقد توفي القائد والمعلم هوشي منه عام 1969، في عز الصراع الدموي بين فيتنام والولايات [...]

متلازمة التحسس من مصطلح “الأمة” أو “القومية العربية”

يتحسس البعض من مصطلح "قومية عربية" أو "أمة عربية" على الرغم من عدم ممانعتهم لاستخدام تعبير "عرب" أو "عروبة"، فالعروبة والعرب عندهم شيء ما، هلامي، ليس أمة ولا تشده روابط قومية. اليوم مثلاً تم [...]

على هامش خطوة قيس سعيد في تحجيم نفوذ الإخونجة في تونس

المتحسسون من خطوة قيس سعيد في تحجيم نفوذ الإخونجة في تونس من منطلقات ليبرالية أو دستورية أو "ديموقراطية"، لماذا لم نرَ مثل هذا التحسس المرهف إزاء مركزة الصلاحيات التنفيذية بأيدي أردوغان [...]

خطاب القسم 2021: الرئيس الأسد يلقي بقفاز التحدي مجدداً

  إبراهيم علوش ما قبل الخطاب:   تجاوز المراقبون ما ورد في نص القسم الدستوري ذاته فألقوه خلف ظهورهم كجزءٍ من حدثٍ برتوكوليٍ عابر، لكنْ فلينتبه القوميون في كل أرجاء الوطن العربي والمهجر [...]
2021 الصوت العربي الحر.