ميزان الوطنية والعروبة والإسلام في خطاب الرئيس الأسد

May 1st 2021 | كتبها

 

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 75

 

قال الرئيس بشار الأسد في لقائه مع العلماء ورجال الدين في 24/8/2011: “كل المجتمع العربي بتركيبته التاريخية يعيش على قاعدتين كبيرتين هما العروبة والإسلام، وأية قواعد أخرى صغيرة هي قواعد داعمة لا يهم ماذا تسمى، سواء كانت سياسية اجتماعية أم حتى دينية أصغر.. والتوازن في هذا المجتمع يستند إلى التوازن بين العروبة والإسلام”.

 

عاد سيادته إلى زيارة هذه النقطة في كلمته على مدرج جامعة دمشق في 10/1/2012 قائلاً: “إن وطننا العربي بتنوعه الواسع يرتكز ببنيته الاجتماعية على دعامتين قويتين متكاملتين بأبعادهما الحضارية هما العروبة والإسلام.. وكلتاهما عظيمٌ وغنيٌ وضروري.. ولا يمكن بالتالي أن نحملها وزر الممارسات البشرية الخاطئة كما أن التنوع الإسلامي والمسيحي في بلادنا هو دعامة عروبتنا وأساس قوتنا”.

 

لم ينكر الرئيس الأسد أبداً إذاً وجود قواعد أخرى في المجتمع العربي إلى جانب العروبة والإسلام، إنما شخّص العروبة والإسلام بصفتهما الدعامتين الأكبر، ومثل هذا التشخيص لا ينكر وجود دعائم أخرى عقائدية أو دينية كما سنرى، كما أنه تشخيصٌ موضوعيٌ، لا تشخيصٌ رغائبيٌ، أي أنه يقول إن هذا هو الواقع الاجتماعي-السياسي العربي كما هو، ونسوق ما قاله الرئيس الأسد حول هاتين الدعامتين منذ عشر سنوات لمن زعم بعد خطاب سيادته في جامع العثمان في 7/12/2020 أن سيادته ينحو باتجاه “أسلمة المجتمع السوري” أو “الانقلاب على الهوية الوطنية السورية” إلخ…، فرؤية الرئيس الأسد على هذا الصعيد ليست مستحدثة، كما أنها رؤية منسجمة تماماً مع الهوية الوطنية السورية، لأنها تطرح العروبة والإسلام في سياق التعددية والتنوع، لا في سياقٍ أحاديٍ منغلق على ذاته، على العكس تماماً، لا تناقض بين حقيقة بروز دعامتي العروبة والإسلام في المجتمع العربي، لا السوري فحسب، كأبرز معلمين له كمجتمع، وبين مفهوم المواطنة القائمة على أساس تساوي الحقوق والواجبات، ولكنْ لكي ينسجم المفهومان، لا بد من تحديد نوع العروبة ونوع الإسلام اللذين نتحدث عنهما بالضبط، فهما العروبة الحضارية من جهة، والإسلام العربي المتنور العقلاني من جهةٍ أخرى، وإلا فإن العروبة والإسلام ذاتهما لا ينسجمان.

 

العروة الوثقى بين العروبة والإسلام:

 

وكان الرئيس الأسد قد عقد الصلة بين العروبة والإسلام في لقائه مع العلماء ورجال الدين في 28/8/2011 على الشكل التالي: “العروبة والإسلام هما صنوان لا يفترقان، ولو بدأنا من الرسول نفسه الذي كان يتباهى بعروبته، وأنا أقول لا يمكن أن نفصل عروبة الرسول عن إسلامه، والدليل أنه كان يتباهى بها، ولا يمكن أن نفصل اللغة في القرآن عن مضمون القرآن”.

 

المجتمع العربي يقوم على قاعدتين كبيرتين هما العروبة والإسلام إذاً، وهاتان القاعدتان تنعكسان في شخص الرسول (ص)، كما تنعكسان في هوية المجتمع العربي التي لا بد من أن يعكسها أي دستور: “أنا أؤكد على أن العلاقة بين العروبة والإسلام هي علاقة اجتماعية، طبيعية، تاريخية، ولا بد للدستور من أن يعكس طبيعة المجتمع، ولا يمكن أن نأتي بدستور لا يشكل مرآةً للمواطنين أو يناقض السياق التاريخي وتركيبة المجتمع الطبيعية الموجودة في سورية” (العلماء ورجال الدين في 24/8/2011).

 

أما بالنسبة للعلاقة مع الغرب، فقد قال الرئيس الأسد، مرسخاً الهوية العربية-الإسلامية: “إذا كان الغرب يكرهنا فهو لا يستطيع إلا أن يحترمنا، هذه هي النقطة الأهم، نحن لا نبحث عن المحبة، نبحث عن الاحترام، وكلما طوّرنا وكلما أثبتنا الوطنية، وكلما تمسكنا بقوميتنا وبإسلامنا وبديننا، سيكون هناك المزيد من الاحترام” (العلماء ورجال الدين في 24/8/2011).

 

وفي الحديث عن “الفكر الظلامي الذي أسس له الوهابيون.. وسيّسه الإخوانيون”، قال الرئيس الأسد إن هذا الفكر هو أول من دق الإسفين بين العروبة والإسلام في الوقت الذي جمع بينهما القرآن والرسول الكريمان، وإن أولئك هم من دق ثاني إسفين بين المسلم والمسلم، وثالث إسفين بين المسلم والمسيحي عبر طروحات طائفية بغيضة مقيتة فتانة في الوقت الذي حرّمت الأديان السماوية كلها الفتنة بين الناس”، وتابع السيد الرئيس: “هذا الفكر هو الذي نقل الصراع من عربي-إسرائيلي إلى عربي-عربي، وإن أولئك قاموا بالاعتداء على رموز العروبة ومقاومة الاستعمار وضربهم والوقوف في وجههم، وهاجموا الجيوش العربية، كما يحصل الآن في سورية ومصر، وتعاونوا مع جيش العدو الإسرائيلي، ونافقوا لإسرائيل وتذللوا لأمريكا فقط من أجل الحصول على الكرسي” (من كلمة سيادته خلال تناول طعام الإفطار مع فعاليات المجتمع السوري 4/8/2013)، وحديث سيادته يستند طبعاً إلى تاريخ جماعات الإسلام السياسي والرجعية العربية منذ الخمسينيات والستينيات في كل المنطقة.

 

وفي لقائه مع العلماء ورجال الدين في 23/4/2014، تساءل الرئيس الأسد: “ما هي العقائد التي تحكم الساحة العربية-الإسلامية التي نعيش فيها؟”، ثم أجاب: “هناك عقائد كثيرة.  هناك شيوعية ومسيحية وقومية سورية وليبرالية وتيارات مختلفة، لكن القاعدتين الأساسيتين في الساحة العربية هما العروبة والإسلام.  بالنسبة للغرب، إذا ضَرَب هاتين العقيدتين تكون الأمور مفتوحة له للدخول والسيطرة على هذه المجتمعات.  بدأوا في العشرينيات مع الإخوان المسلمين، بحزب يدعو للدين، هو حزب دعوي حسب ما طرح نفسه”، ثم تابع سيادته أن هؤلاء “جذبوا جزءاً من الشارع العربي، الذي كان يشعر لاشعورياً بالانتماء للعروبة والإسلام بنفس الوقت.  شعر هذا المسلم فجأة أنه ينتمي إلى هذه الشريحة السياسية الدينية وهو لا يعرف أنها سياسية، والآخرون شعروا أنهم ينتمون إلى التيار القومي”.

 

يطرح الرئيس الأسد هنا مفهوم “العروبة الحضارية” التي تقوم على الانتماء اللغوي والثقافي والجغرافي لا على الانتماء العرِقي (والتي تم تناولها من قبل في مادة “ما هي العروبة الحضارية؟” لكاتب هذه السطور)، لكن الرئيس الأسد أضاف أن العروبة جرى ضربها أساساً من خلال الحروب، مثل “حرب فلسطين وحرب عام 1956 على مصر وحرب 67 وحرب 1982″، أي تم ضربها من الخارج، “أما الإسلام فلم يكن من الممكن ضربه بهذه الطريقة، فانتقلوا إلى طريقة تشبه طريقة الفيروس… واستخدموا شيئين: الطائفية والتطرف، وكُلف في البداية بهذا الموضوع آل سعود”، وبعد الثورة الإيرانية طُلب من آل سعود أن يتصدوا لتأثيرها “تحت عنوان حماية السنة في العالم الإسلامي من المد الشيعي”، ولكن ما مدى مصداقية مثل هذا الموقف فعلياً؟  لا سيما أن السعودية كانت “الحليف الأوثق والعضوي لشاه إيران الشيعي”، وأن آل سعود هم من وقف بوجه عبد الناصر السني المؤمن الذي لم يكن يفصل بين العروبة والإسلام أيضاً.

 

المهم، “وصل الجيل الإسلامي مع سيطرة الإعلام الوهابي على المحطات الإعلامية، خاصةً مع ظهور الفضائيات، وأصبحنا أمام حالتين: إما إعلام يأخذني باتجاه القيم الغربية كاملةً”، وبدأ الشباب “يأخذون كل هذه المفاهيم من هذه الأقنية العربية ذات الخلفية الوهابية، فأصبح يفكر بشكلٍ غربي تماماً، وأصبح منسلخاً بشكلٍ كليٍ عن لغته، وعاداته وتقاليده، حتى داخل المنزل..  أما الجزء الآخر من الإعلام فهو الإعلام المتطرف.  فأصبح هذا الجيل أمام حالتين، إما أن يذهب باتجاه التطرف أو باتجاه التغرب، وهنا يبدأ انفصام الشخصية في العروبة ما بين العروبة والإسلام.. عندما يحصل انفصال بين العروبة والإسلام، فمعناه أن هناك عدم استقرار في المجتمع، عدم استقرار نفسي وعدم استقرار اجتماعي، وبالتالي عدم استقرار من الناحية الأمنية” (العلماء ورجال الدين 23/4/2014)، وهذه نقطة مهمة جداً يمكن تناولها أيضاً من زاوية ثنائية التطرف والتغريب في العقل العربي المعاصر، لكنها تأتي هنا في سياق الحديث عن السعي لضرب العلاقة بين العروبة والإسلام، كما أن حديث السيد الرئيس عن التغريب لا يمكن فصله عن نقده اللاذع لليبرالية الجديدة، لا سيما في بعدها الثقافي، في كلمته في جامع العثمان في 7/12/2020.

 

يتابع سيادته: “كيف يمكن الفصل ما بين العروبة والإسلام؟  كيف يمكن الفصل ما بين عروبة الرسول وإسلام الرسول؟… بأي منطق نفصل بين مضمون القرآن الإسلامي ولغته العربية؟  هذا مستحيل.  هل يمكن أن نفصل ما بين اللغة والثقافة؟”، إذاً، يصر الرئيس الأسد: “لا يمكن الفصل بين فكرة العروبة وفكرة الإسلام، هم تمكنوا من القيام بذلك عبر عقود وأصبح هناك شارعان منفصلان، شارع للإسلاميين، يمثله رجال الدين والمؤمنون ومن معهم.. هكذا كان الواقع، وشارع للقوميين، شارع علماني، وهو شارع ضد الدين.. وهذا رأيناه بشكلٍ واضحٍ في الستينيات والسبعينيات.  كنا نعاني من انفصامٍ في الشخصية أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم كأمة إسلامية.  لذلك، وفي الحديث عن عروبة القرآن، عندما نقول بأن القرآن حافظ على اللغة العربية هو كلام غير دقيق، القرآن حافظ على العروبة بحد ذاتها كمفهوم، ولا يجوز أن نختصر القرآن بحفاظه على اللغة العربية وكأنه مجرد كتاب لغة عربية.  هو أكبر من ذلك بكثير” (العلماء ورجال الدين 23/4/2014)، لا بل يمكن أن نضيف أن القرآن هو وثيقة قومية عربية بامتياز (انظر مادة “العربية والعروبة في القرآن الكريم” لكاتب هذه السطور).

 

وفي حديثه عن الغرب وأهدافه في العدوان على سورية، قال الرئيس الأسد إن الغرب هو “الأكثر فرحاً بسلبيات أي مجتمع عربي ليبقوه متخلفاً تابعاً منقاداً لهم.. وما خير دليل على ذلك إلا تحالفاتهم مع أكثر دول المنطقة تخلفاً وفساداً وقمعاً لشعوبها.. لم يستهدفوا الثغرات والسلبيات لدينا.. لقد استهدفوا في الحقيقة الحالة الوطنية السيادية.. استهدفوا الهوية الوطنية والانتماء العروبي.. استهدفوا الإسلام الصحيح والمسيحية الأصيلة.. استهدفوا التجانس الفريد في مجتمعنا.. استهدفوا كل ما ميز سورية عبر تاريخها” (كلمة أداء القسم لولاية دستورية جديدة 16/7/2014).

 

ما يهمنا من هذا المقطع هو مدى انسجام ثلاثة أبعاد للهوية في فكر الرئيس الأسد، وفي الواقع السوري قبل أن تلوثه تيارات التطرف والتكفير والاختراق الخارجية، وهذه الأبعاد الثلاثة هي: 1) الهوية الوطنية السورية، 2) الانتماء العروبي، 3) البعد الإسلامي.  فالهوية الوطنية السورية هي مظلة كل السوريين من كافة الطوائف والمناطق والأعراق والعائلات، وهي جزء لا يتجزأ من الهوية العربية، لا نقيضٌ لها أو بديلٌ عنها.  والانتماء العروبي مظلة أوسع على مستوى الوطن العربي، بحدوده الجغرافية واللغوية والثقافية والتاريخية، التي تميزه عن بقية الأمم، وهو القاسم المشترك الأعمق بين المسلمين والمسيحيين، وبين المتدينين وغير المتدينين، وبين المواطنين العرب والمتعربين بغض النظر عن أصلهم العرقي، والهوية القومية العربية ذات بعد سياسي-اجتماعي، لا شك في أن الإسلام بفكره وتاريخه العظيم شكل مدخلاً أساسياً في تشكيلها ثقافياً.  أما الهوية الإسلامية فهي الهوية الدينية، وهي هوية ثقافية لا تقصي غير المسلمين، ولا تقصي غير المتدينين، كما كانت عبر كل تاريخها، ما دامت بعيدة عن الأجندات السياسية الهادفة للوصول للسلطة، وما دام فهم الدين عقلانياً متنوراً لا يتناقض فهمه مع حقيقة الوجود القومي والكيانات الوطنية إلا في أذهان جماعة الإسلام السياسي والتكفيريين.

 

فلنتخيل سورية بأنها اسمك الأول، والعروبة بأنها اسم عائلتك الصغيرة المباشرة، أبوك وأمك وإخوانك وأخواتك وأبناؤك وبناتك، وبأن الهوية الثقافية الإسلامية هي المشترك مع بنات وأبناء عمك وعماتك وأخوالك وخالاتك، وللجيرة حقٌ لا ننكره، وللبشر أجمعين، فنحن أيضاً أمميون، ولا تناقض بين هذه الأسماء كلها، بل انسجامٌ وتكامل، وهي أبعادٌ متكاملة للهوية لا يضعها في مواجهة بعضها البعض إلا من كان مدفوعاً بجهلٍ أو بأجندة خاصة.

 

لكنّ اللحظة التاريخية الراهنة قد تجعل بؤرة التركيز على حلقة من هذه حلقات هويتنا المتعددة الأبعاد أكثر من غيرها إذا تعرضت لخطرٍ أو تحدٍ مصيريٍ ما، واللحظة التاريخية الراهنة، في العقدين الثاني والثالث من القرن الواحد والعشرين، جعلت الخطر محدقاً بسورية، فلا بد أن تبرز إذاً الهوية الوطنية السورية إلى الواجهة، وهذا لا يخسف الأبعاد الأخرى بتاتاً، إذ أن الخطر الوجودي الذي يتهدد سورية هو جزءٌ لا يتجزأ من التحدي المصيري الذي تواجهه الأمة العربية ككل، فلا يمكن إغفال ذلك، كما لا يمكن إغفال ضرورة تحرير الإسلام مما علق بتأويله وتفسيره وتطبيقه من تأثيرات رجعية وطائفية قابلة للتوظيف سياسياً من قبل الغرب ضد الهوية الوطنية والقومية للأمم والشعوب المستقلة، حتى غير المسلمة بأغلبيتها، مثل روسيا والصين، وبالتأكيد لا يمكن إغفال تأثير التوظيف السياسي للإسلام على الدول العربية المركزية من العراق للمغرب، مروراً بسورية قلب العروبة النابض.

 

وفي كلمته في الملتقى العربي لمواجهة الحلف الأمريكي-الصهيوني-الرجعي في 14/11/2017 أشار سيادته إلى أن شرائح من مجتمعاتنا العربية، عندما ضعُف انتماؤها القومي، “ذهبت باتجاهين رئيسيين في بدء الأحداث: إما الارتماء بأحضان الأجنبي، بغض النظر عن أي أجنبي كان، أو الارتماء بأحضان التطرف الإسلامي باعتباره هوية بديلة عن الهوية العربية، طبعاً هي مجرد هوية شاذة ومنحرفة لا علاقة لها بالإسلام ولا بأي دين سماوي”.

 

أضاف سيادته في الكلمة ذاتها: “أول مشكلة كبيرة نواجهها على مستوى العمل القومي هي ضرب علاقة الإسلام مع العروبة.. اتهموا أو وصموا العروبة بصفة العلمانية، ووصفوا العلمانية بصفة الإلحاد، فربطوا بين العروبة والعلمانية والإلحاد برابطٍ واحدٍ.. وقالوا للمواطن البسيط: عليك أن تختار بين الإيمان وبين الإلحاد، فمن الطبيعي أن يختار الإيمان، ويكون بالمقابل ضد أي انتماء آخر في مواجهة أو مقابل الإيمان والإسلام، وبالتالي العروبة جزءٌ من هذا الانتماء الذي ابتعد عنه وانسلخ عنه بفعل هذا الفكر أو هذا التسويق الخاطئ لعلاقة العروبة والإسلام”.  وتابع سيادته: “هناك ارتباط عضوي بين العروبة والإسلام.. هناك تقاطع، ليس بالضرورة تطابقاً، هناك هامشٌ لكل منهما، ولكن لا يوجد تعارض بكل تأكيد، ومن الخطأ أن يفكر الكثيرون بأنه إما أن أكون عربياً أو أن أكون مسلماً، لذلك ضرب هذه العلاقة من خلال تطرف الإسلام يؤدي لضرب العروبة، حرّفوا الإسلام.. دفعوه باتجاه التطرف.. انفصل عن العروبة، فضعف الإسلام، وضعفت العروبة”.

 

باختصار، بمقدار ما تشكل الثقافة، إلى جانب اللغة والجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، أحد مكونات الأمة، فإن الإسلام شكل مكوناً رئيسياً في ثقافتنا ولغتنا وتاريخنا كعرب، وبمقدار ما لا يمكن فصل عروبة القرآن والرسول عن الإسلام، فإن الإسلام عربي المنشأ واللغة والرسول، ولو أنه رسالة للعالمين، وبمقدار ما تمتد العروبة ويمتد الإسلام في بلدانٍ وأمصار، فإن المواطنة تجمعنا على قدم المساواة مع من يشاطروننا تلك البلدان والأمصار من غير العرب أو من غير المسلمين، أو هكذا يفترض.

 

حول العلاقة بين العلمانية والتدين:

 

قال الرئيس الأسد في افتتاح مركز الشام الإسلامي الدولي في 20/5/2019: “لا يوجد علاقة بين العلمانية والتدين، ولا يوجد علاقة بين العلمانية والإلحاد.  الإنسان يكون مؤمناً أو ملحداً لأن الإيمان والإلحاد مرتبطان بالعقيدة، أن أؤمن بهذه العقيدة أو أن لا أؤمن بهذه العقيدة أو بتلك العقيدة، أما العلمانية فهي ممارسة.  لا يوجد عقيدة علمانية، لا يوجد علاقة بين العلمانية وبين التدين لا سلباً ولا إيجاباً، وهذه العلاقة التي يضعها البعض، سواءٌ من المتدينين أم من غير المتدينين، هي حوارٌ خاطئٌ أن يقال هذا ملحد وهذا علماني، هذا متدين وهذا علماني، هذا خطأ.  كأن أقول بأن الموجودين معنا في هذه القاعة نصفهم يمتلك بيتاً، والنصف الآخر يحمل شهادةً في الشريعة.. ما العلاقة بين الأولى وبين الثانية؟  ستقولون ما هذا الكلام غير المنطقي؟  نفس الشيء، لا يوجد علاقة، العلمانية هي ممارسة”.

 

تابع سيادته: “نحن في الدولة عندما يأتينا شخصٌ، أي شخص من بينكم، للقيام بمعاملة، بيع، شراء، تسجيل، لا نسأله ما هو دينه ولا طائفته ولا علاقة لنا بهذا الموضوع، وهذا طبيعي بالنسبة لكم ولنا.  أنتم عندما ترون إنساناً محتاجاً في الطريق تقومون بمساعدته، فهل تساعدونه لأنه مسلمٌ فقط؟  إذا كان غير مسلم تقولون له اذهب إلى الجحيم؟  هذا مناقضٌ للإسلام.. هذه هي العلمانية، وهذا ما نريده، هي الممارسة”.

 

يضرب السيد الرئيس هنا مثال قانون الأحوال الشخصية الذي يستند بشكلٍ مباشر إلى الدين، والذي يعطي الحرية للطوائف لكي تقرر ما يناسبها في هذه القضايا، وهو ما يعني أنه قانونٌ علمانيٌ بالمحصلة، لأنه يترك خياراتٍ ولا يفرض نمطاً دينياً واحداً على الجميع، فالعلمانية بحسب هذا التعريف ليست عداءً للدين، إنما هي احترام حرية الاختيار، وهذه النقطة كثيراً ما تغيب عن المتدينين وعن العلمانيين، فهذه علمانية تستند إلى مفهوم المواطنة، أي أن هدفها الرئيسي هو تجاوز الحس الطائفي والعرقي والجهوي، وبالتالي فإنها تختلف تماماً عن المفهوم العلماني التغريبي الذي يضع نفسه في مواجهة الوطن والعروبة والإسلام، كما نرى في المغرب العربي على سبيل المثال.

 

أما مزاعم أن الدولة السورية ضد الدين، فقد رد عليها الرئيس الأسد بالوقائع والأرقام متسائلاً: “من أنزل الدعوة النسائية إلى المساجد؟  من أطلق القناة الدينية الأولى (نور الشام)؟  من أسس (معهد الشام للعلوم الشرعية)؟  ماذا عن المعاهد الشرعية والمعاهد الدينية والمتوسطة والمدارس؟  ماذا عن الدروس؟… أكثر حرية دينية موجودة هي في سورية، هذه حقائق، لا بد أن ندافع عن بلدنا بهذه النقاط، عدد المساجد، معلومة جديدة.. بأنه من الدولة الأموية حتى عام 1970، كان عدد المساجد في دمشق حوالي 4000 مسجد، ومنذ عام 1970 حتى اليوم بُني 7000 مسجد”، وأضاف سيادته أن المقارنة قد لا تكون عادلة إذ ربما وقعت زلازل، كما أن عدد السكان ازداد بمقادير مضاعفة، “لكن لو أردنا أن نقول بأن هناك عقبة أو دولة ضد الدين، عندها لا يمكن للدولة أن تسمح بسبعة آلاف مسجد في سورية خلال أربعة عقود من الزمن، فأنا أرى أحياناً بأن ما يحبط أن البعض من رجال الدين لا يدافع عن بلده” (من اللقاء مع العلماء ورجال الدين 24/8/2011).

 

وقد أشار سيادته في اللقاء ذاته، إلى موقع الإسلام في الدستور، إذ أن الإسلام هو دين رئيس الجمهورية، والفقه الإسلامي مصدرٌ رئيسي للتشريع (وقد بقيت هاتان النقطتان في دستور عام 2012 كما هما تماماً، إنما أضيفت بنود في المادة الثالثة التي تحتويهما تتعلق باحترام الأديان وكفالة حقها بممارسة شعائرها وصيانة الأحوال الشخصية للطوائف الدينية).

 

إذاً الدولة ليست ضد الدين، إنما ضد الإرهاب والتطرف والتكفير.  والرئيس الأسد داعية إصلاح ديني، كما هو داعية إصلاح سياسي وإداري، ولا مفر من إعادة تأسيس الوعي الديني على مرجعيات عروبية ومتنورة وعقلانية، تماماً كما حاول أجدادنا العرب أن يفعلوا في العصر العباسي، قبل أن يودي الحكم السلجوقي بمحاولاتهم، إنما البعض لا يدرك الفرق للأسف ما بين الإصلاح الديني من جهة، و”أسلمة المجتمع” من جهةٍ أخرى.

 

طرح مصطلح “الإسلام العربي” في مواجهة مصطلح “الإسلام السياسي”:

 

لعب “الإسلام السياسي” دوراً كبيراً في تأويل الدين طائفياً، وتحويله الانتماء للإسلام إلى مسارب طائفية، “فأصبحت الطائفية هي المعيار، وحلت محل الدين، وحلت محل الوطنية.  وهذا جزء من المفاهيم، أي أننا إذا لم نقم باسترداد الإسلام إلى موقعه الطبيعي لغوياً وثقافياً وعقائدياً، ومن خلال المصطلحات، سنكون خلال فترة ليس أمام الإسلام العربي الذي أنزل على الرسول قبل أربعة عشر قرناً، بل سنكون أمام إسلام إما عثماني أو قطري أو إسلام أمريكي، وكله واحد.  فإذاً هنا يأتي دورنا في استرداد هذا الإسلام من خلال رؤية هذه التحديات” (لقاء العلماء ورجال الدين 23/4/2014).  هنا يقولها السيد الرئيس بوضوح: نحن معنيون باسترداد الإسلام إلى حالته العروبية التنويرية من خلال المصطلحات، والفرق أن مصطلحاتنا تستند لعروبة الإسلام اللغوية والثقافية والجغرافية، أي إلى أصله، وفي الآن عينه تستند لرؤية تنويرية تطورية تواكب العصر وتواجه الردة الطائفية والتطرف الدموي.

 

لنلاحظ كيف يتناول السيد الرئيس العلاقة بين العروبة والإسلام اصطلاحاً من خلال الآية الكريمة: (إنّا أنزلناه قرآناً عربياً)، وهي ملاحظة لافتة وثاقبة من لدنه..  يقول الرئيس الأسد: “المسألة واضحة، لسنا بحاجة للآية كي نعرف أنه عربي، نحن نتحدث لغة عربية، العالم كله يعرف بأن لغته عربية، ولكن للتأكيد على هذا الشيء هناك ربط واضح بين العروبة والإسلام” (الملتقى العربي لمواجهة الحلف الأمريكي-الصهيوني الرجعي 14/11/2017).

 

بالفعل، لنفكر ملياً: لماذا تذكر آياتٌ عدة، لا هذه الآية فحسب، أن القرآن عربي، مع أن ذلك واضحٌ لكل من يعرف اللغة العربية؟  هذه الحلقة المفصلية، الربط الاصطلاحي بين القرآن وعروبته، وتكراراً، هي التي التقطها السيد الرئيس وأبرزَها في كلمته في ملاحظة ثاقبة، ليثبِّت مصطلح “الإسلام العربي”، وليربط بين العروبة والإسلام قرآنياً، ولا رابط أقوى من تلك العروة الوثقى، وهذه ليست ملاحظة شكلية، لأنها تثبت عروبة الإسلام، وتُسقِط أي محاولة لتوظيف الإسلام ضد القومية العربية، وضد البعث تحديداً.

 

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=4696473727036492&id=100000217333066

الموضوعات المرتبطة

طلقة تنوير 77: وعي الضرورة عربياً

    المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 أيلول 2021     - أزمة السويس الحاضرة دائماً في كوارث بريطانيا.. لماذا؟/ كريمة الروبي   - في الوظيفة الجغرافية-السياسية [...]

طلقة تنوير 76: معركة ”سـيـ ف القدس”

  المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 تموز 2021   - رسائل ''سيف القدس''... بين نشوة الانتصار والحذر/ كريمة الروبي   - جولة ''سيف القدس": الإنجازات والمخاطر/ إبراهيم علوش   - معركة ''سيف [...]

طلقة تنوير 75: في جدلية الوطنية والعروبة والإسلام

  المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 أيار 2021     - لماذا نصوّت كقوميين عرب للرئيس بشار الأسد؟/ نسرين عصام الصغير   - ميزان الوطنية والعروبة والإسلام في خطاب الرئيس الأسد/ [...]

طلقة تنوير 74: رؤى قومية في الشأن الراهن/ رحيل د. بهجت سليمان

  المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 آذار 2021   - الراحل الباقي د. بهجت سليمان بعيونٍ قومية   - لماذا يشكل التطبيع خطراً وجودياً على الشعب والدولة بالمغرب؟/ إبراهيم حرشاوي   - [...]
2021 الصوت العربي الحر.