في مقدمات التطبيع “الإبراهيمي”: المسار الخليجي

July 7th 2022 | كتبها

 

إبراهيم علوش – الميادين نت 31/5/2022

 

 

مثلت اتفاقية أوسلو، عام 1993، “ثغرة دفرسوار” كبرى أحدثها نهج كامب ديفيد، أي نهج “السلام المنفرد”، في جدار المقاطعة العربية والدولية للكيان الصهـ.ـيوني، ليطوق عبرها القضية الفلسطينية من الخلف، في معاقل تأييدها التاريخية في الوطن العربي والعالم الإسلامي وحول العالم.

وانتشر، بذريعة أوسلو، أي ذريعة “نقبل بما يقبل به الفلسطينيون” و”لا يمكن أن نكون أكثر ملكيةً من الملك”، سرطان التطبيع مع العدو الصهـ.ـيوني عربياً على شكل علاقات تجارية ومكاتب تمثيل في عددٍ من الأقطار العربية، فضلاً عن معاهدة وادي عربة عام 1994 وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة وسفارة للعدو في موريتانيا عام 1999.

من البديهي أن إعادة قولبة الصراع اصطلاحياً، وبالتالي مفاهيمياً، باعتباره “نزاعاً فلسطينياً-إسرائيلياً”، لا صراعاً عربياً-صهـ.ـيونياً، وباعتباره صراع حدود، كما زعموا، لا وجود، جعلت من تمرير ذريعة أوسلو تطبيعياً أكثر استساغةً، كما جعلت من الخطر الصهـ.ـيوني على المنطقة ككل، في الدول العربية والإسلامية وأبعد، أقل مثولاً وبشاعةً.  أما خطر التطبيع ذاته، فجعله مثل ذلك المنظور المبتسر، الإقليمي أو القُطري، للصراع، “مسألة خلافية”، أو “تحتمل النقاش”!

المدخل القَطَري إلى الخليج

كانت قطر، في التسعينيات، رأس “ثغرة دفرسوار” التطبيع الرسمي العربي في الخليج العربي، بعيداً عن  دولتي الطوق، مصر والأردن، اللتين أقامتا علاقات دبلوماسية كاملة مع العدو الصهـ.ـيوني.

وعلى الرغم من أن “فتحة العداد” بدأت خليجياً بزيارة لرئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين إلى عُمان عام 1994، وهي زيارة تخللتها مباحثات حول “التعاون في مجال المياه”، وتبعتها زيارة لوزير الخارجية العماني آنذاك، يوسف بن علوي، إلى القدس المحتلة عام 1995، بعد اغتيال رابين، إلا أن المسار الرئيسي للعلاقات التطبيعية خليجياً دُشن في الدوحة بتأسيس ممثلية تجارية للكيان الصهـ.ـيوني عام 1995، ولم يجرِ تأسيس ممثلية تجارية مماثلة في عُمان إلا في بداية عام 1996.

وثمة خلط في بعض مواقع الإنترنت، حول من – قطر أم عُمان – افتتح ممثلية تجارية صهـ.ـيونية أولاً، لأن ممثلية الدوحة افتتحها رسمياً شمعون بيريز، رئيس وزراء الكيان الصهـ.ـيوني آنذاك، عام 1996، لكنها كانت قد تأسست عام 1995، كما يشير عدد كبير من المواقع الصهـ.ـيونية والغربية بوضوح.

ولعل العلامة الأبرز على الدور “الرائد” الذي أدته قطر في التسعينيات تطبيعياً تتمثل في استضافتها للمؤتمر الاقتصادي “الشرق أوسطي” الرابع، في تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1997، بعد مؤتمرات الدار البيضاء (1994)، وعمان (1995)، والقاهرة (1996)، وهو المؤتمر الذي قاطعته سورية ومصر والسعودية وقتها وأغلب الدول العربية.  أما تلك التي حضرت، مثل السلطة الفلسطينية والأردن وموريتانيا وعُمان وتونس، فقد شاركت بتمثيل منخفض المستوى.  وكانت أكبر الوفود المشاركة، وأعلاها مستوى، هي القطرية والأمريكية والصهـ.ـيونية.

وكان ذلك المؤتمر، بالمناسبة، خاتمة المؤتمرات الاقتصادية “الشرق أوسطية”، ونقطة تحول مهمة أظهرت انسداد الأفق التطبيعي في المشهد الرسمي العربي، مع انكشاف مشروع “الشرق أوسطية” على الملأ كمشروعٍ لـ: أ – محو هوية المنطقة، ب – تفكيكها.

ومن الطبيعي أن سورية كان لها قصب السبق في وضع حدٍ لمثل ذلك المشروع، وفي تأمين حاضنةٍ وغطاءٍ سياسي للمقـ.ـاومة في لبنان وفلسطين، ما أسهم في كبح جماح الاختراق التطبيعي إلى حدٍ كبير، وفي تعديل ميزان القوى استراتيجياً ضد الكيان الصهـ.ـيوني، وصولاً إلى تحرير جنوب لبنان عام 2000، الذي مررنا بذكراه المباركة الـ22 قبل أيام، وانطلاق انتفاضة عام 2000 أيضاً في فلسطين (أقترح أن من غير المناسب تسميتها “الانتفاضة الثانية”، لأن انتفاضة عام 1987 لم تكن الأولى في فلسطين، إذ عاش الشعب العربي الفلسطيني سلسلة طويلة من الانتفاضات، ولكم أن تعودوا مثلاً إلى انتفاضة البراق عام 1929، والأفضل أن نسمي تلك الانتفاضات بالعام الذي وقعت فيه، أو بمسمى محدد مثل “انتفاضة الحجارة” أو “انتفاضة الأقصى”…).

والحقيقة هي أن تلك الانتفاضات، والمقـ.ـاومة عموماً، أدت دوراً مباشراً في إغلاق المكاتب التجارية الصهـ.ـيونية (على الأقل اسمياً) في قطر وعُمان وتونس والمغرب.  وما لم يغلق وقتها، أغلق مع العدوان على غزة عام 2009، كما حدث في نواكشوط.  فكما أن التطبيع سرطان، فإن مقـ.ـاومة التطبيع هي كريات الدم البيضاء.  أما الصدام المسلح مع الاحتلال، فهو العلاج الكيماوي.  ومع ذلك، فإن سرطان التطبيع خبيث، قد يبقى كامناً، ولا بد من أن نبقى له بالمرصاد.

التطبيع القطري: باقٍ ويتمدد

بالعودة إلى دور قطر في التسعينيات، ثمة تقارير إعلامية عديدة من تلك المرحلة عن صفقات بيع الكيان الصهـ.ـيوني غازاً قطرياً، ليس من الواضح أين وصلت، وكم بلغ حجمها، وصولاً لعروض قطرية لبيع الغاز للكيان الصهـ.ـيوني في مستهل “الربيع العربي”، بحسب “يديعوت أحرونوت”، في أيار/ مايو عام 2011.

وعلى الرغم من الإعلان عن إغلاق الممثلية التجارية الصهـ.ـيونية في قطر عام 2000، عشية المؤتمر الإسلامي في الدوحة، إلا أن من الواضح أن العلاقات التطبيعية استمرت وتصاعدت، وصولاً إلى إعلان قطر، مجدداً، عن قطع العلاقات (المقطوعة؟) عام 2009، عشية العدوان على غزة.  ومع ذلك، فإن العلاقات التطبيعية استمرت، حتى يومنا هذا، كما سنرى.

في بداية عام 2007، أجرى شمعون بيريز زيارة شهيرة إلى الدوحة.  وفي بداية عام 2008، في دافوس، سويسرا، أجرى وزير الحرب الصهـ.ـيوني آنذاك، إيهـ.ـود باراك، لقاءً مع رئيس الوزراء القطري، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، ما تزال تفاصيله غير معروفة حتى اليوم، وهو لقاء تبعته زيارةٌ لمسؤولٍ قطري كبير، بحسب “يديعوت أحرونوت”، في 2/3/2008، إلى الكيان الصهـ.ـيوني.  وفي نيسان / أبريل من عام 2008، زارت تسيبي ليفني، وزير خارجية الكيان الصهـ.ـيوني آنذاك، الدوحة، حيث شاركت رسمياً في مؤتمر دولي، وأجرت عدة لقاءاتٍ على أعلى المستويات.

وفي خضم ما يسمى “الربيع العربي”، في حزيران/ يونيو من عام 2015، استضافت الدوحة محادثات بين مسؤولين “إسرائيليين” ومسؤولين من “حمـ.ـاس” لمناقشة هدنة مدتها 5 سنوات بين الطرفين، بحسب تقرير لصحيفة “تلغراف” البريطانية في 15/6/2015.  وما تزال غزة، وتقديم الدعم لها، المدخل المعلن لعلاقات الدوحة التطبيعية مع الكيان الصهـ.ـيوني، من خارج سياق الاتفاقات “الإبراهيمية” التي لم تنضم إليها رسمياً.  إنما يخطئ من يظن أن علاقات قطر التطبيعية تنحصر بغزة.

والعجيب أن محمد العمادي، سفير قطر غير الرسمي إلى الكيان الصهـ.ـيوني فعلياً، يزور المسجد الأقصى بفيزا “إسرائيلية”، تماماً كما يفعل وزير الخارجية التركي، مولود أوغلو، فلا يُعد ذلك تطبيعاً.  أما إن فعلها من هو خارج المحور القطري-التركي-الإخواني، فهو مطبعٌ كبير بالضرورة.  وكل من يدخل فلسطين بموافقة صهـ.ـيونية مطبعٌ بطبيعة الحال، وكل تطبيع مدان.

المعلن في العلاقات التجارية بين قطر والكيان الصهـ.ـيوني، المستمرة والمتواصلة، خلال العقد الأخير مثلاً، لا يتجاوز مليون دولار سنوياً، وهو يشبه قرشاً أو فلساً واحداً بالنسبة لقطر التي بلغ ناتجها المحلي الإجمالي 190 مليار دولار عام 2021، والكيان الصهـ.ـيوني الذي بلغ ناتجه المحلي الإجمالي 400 مليار دولار في العام ذاته.

ولكنْ، ثمة بنود غريبة، تظهر على أنها البنود الرئيسية، في تلك الإحصاءات المعلنة، مثل: “بلاستيكيات” بقيمة 94 ألف دولار عام 2020، “أثاث” بقيمة 18 ألف دولار عام 2018، “آلات، مفاعلات نووية، وبويلرات” بقيمة 52 ألف دولار عام 2013، “ورق” بقيمة 4 آلاف دولار عام 2011، إلخ… وهذه صادرات “إسرائيلية” إلى قطر بالمناسبة، لكي لا يظنن أحدٌ أنها مساعدات قطرية إلى غزة مثلاً، عن طريق الكيان الصهـ.ـيوني.

بالمقابل، تظهر الإحصاءات ذاتها صادرات قطرية إلى الكيان الصهـ.ـيوني من نوع: “بلاستيكيات” بقيمة 353 ألف دولار عام 2013، “ألعاب” بقيمة ألفي دولار عام 2012، “معدات كهربائية وإلكترونية” بقيمة ألفي دولار عام 2012، إلخ… (المصدر: موقع Trading Economics، الذي يستند إلى إحصاءات الأمم المتحدة الرسمية، تحت عنوان “الصادرات والواردات بين “إسرائيل” وقطر”، بالإنكليزية).

ثمة تدفقٌ للصادرات والواردات بين قطر والكيان الصهـ.ـيوني، إذاً، لكننا لا نعرف حجمه وطبيعته فعلياً.  وهو ما يدعو للشك في أن خلف الأكمة ما وراءها، ولكنْ لنفترض أقصى حسن النية، وبأن قطر تشتري منتجات “إسرائيلية” وتحولها كـ”مساعدات عينية” إلى غزة عبر معبر “إيريز”، وهو أمر بحاجة إلى وقفة بحد ذاته، من ناحية منطقية الإحصاءات، ومن ناحية سياسية، فإن ما لا يمكن تغطية أبعاده بأرقام مزورة هو التطبيع غير الاقتصادي.  على سبيل المثال، يذكر موقع “إسرائيلي” بأن الدوحة سهلت مرور نحو 60 يهـ.ـودياً يمنياً إلى الكيان الصهـ.ـيوني في نهاية عام 2013.

على صعيدٍ آخر، كان التطبيع رياضياً، شرطاً مسبقاً، منذ عام 2009، لاستضافة قطر لكأس العالم في كرة القدم في خريف العام الجاري (فيما تستبعد روسيا منه).  والآن يجري الحديث عن آلاف مؤلفة من “الإسرائيليين” ممن يرغبون بمشاهدة المباريات، لا عن إمكانية مشاركة فريق “إسرائيلي” فحسب.

وفي عام 2014، شارك “إسرائيليون”، في مباريات كأس العالم للسباحة في قطر.  وفي عام 2016، شارك “إسرائيليون” في مباريات الكرة الطائرة في قطر.  وفي عام 2018، شارك “إسرائيلي” في مباريات كرة المضرب في قطر.  وفي عام 2018، شارك “إسرائيليون” في مباريات ألعاب القوى في قطر.  وفي آذار/ مارس عام 2019، تم عزف النشيد الاحتلالي “الإسرائيلي” في الدوحة بمناسبة فوز لاعب صهـ.ـيوني في إحدى مباريات ألعاب القوى.  وكان فريقاً “إسرائيلياً” قد شارك في تلك المباريات.

وفي كانون الثاني/ يناير عام 2021، شارك “إسرائيليون” في مباريات الجودو العالمية في الدوحة.  وفي حزيران/ يونيو عام 2021، نال لاعب “إسرائيلي” ميدالية ذهبية في مباريات ألعاب القوى في الدوحة.  لكنّ كل هذا مجرد ملاحظة تطبيعية على الهامش، وستكون لنا عودة.  إنما أردنا الإشارة إلى أن التطبيع القطري لا علاقة له بذريعة فك الحصار عن غزة.

الحصان الإماراتي يتقدم في سباق التطبيع

 

يتيح الاختراق التطبيعي للكيان الصهـ.ـيوني أن يلعب على تناقضات الوضع العربي وأن يوسع هامش مناورته سياسياً من خلال: أ – جعل التطبيع السابق موطئ قدم للتطبيع اللاحق، ب – توظيف الصراعات العربية-العربية لزيادة حجم الاختراق التطبيعي وتحقيق مكاسب أكبر من جميع الأطراف.

فكما استغل العدو الصهـ.ـيوني أوسلو ليهمش موقّعيه، وكما استغل وادي عربة ليتجاوز الوصاية الهاشمية على القدس المنصوص عليها في المعاهدة، من خلال الاتفاقات “الإبراهيمية”، وما يسمى “صفقة القرن”، كذلك يستغل معاهدته مع مصر ليخترق السعودية تطبيعياً تحت عنوان “تعديل الترتيبات الدولية بشأن جزيرتي تيران وصنافير”.  وهو ما استدعى مباحثات سعودية-“إسرائيلية” مباشرة مؤخراً، برعاية أمريكية، بحسب “هآرتس” في 29/5/2022، الأمر الذي يعني أن نقل السيادة على تيران وصنافير من مصر إلى السعودية أصبح اليوم عنواناً تطبيعياً بحد ذاته، لا مسألة عربية داخلية.

كذلك، استغل الكيان الصهـ.ـيوني قطر تطبيعياً، وما يزال، ولكنْ عندما اشتعل الصراع بين قطر من جهة، ومجموعة من أخواتها العربيات الخليجيات من جهةٍ أخرى، وجد الفرصة سانحةً ليحقق اختراقاً تطبيعياً أكبر عبر الإمارات، بالدرجة الأولى، ثم عبر البحرين، فمال مع تحالف السعودية-الإمارات، ثم راح يفاوض قطر عبر القنوات الخلفية.

يذكر في هذا السياق أن موقع Huffpost نشر تقريراً، في 12/9/2016، تحت عنوان “إسرائيل تعزز علاقاتها مع ممالك الخليج”، يتحدث عن اتصالات سرية مكثفة بين كل من الكيان الصهـ.ـيوني من جهة، والسعودية والإمارات وقطر، من جهةٍ أخرى، كلٌ على حدة.

جاء التطبيع الإماراتي متأخراً عن التطبيع القطري، وظل يجري على استحياء لسنوات، ولكنه أضحى اليوم التطبيع الأكثر تسارعاً والأوسع نطاقاً والأكثر تفاعلاً مع الكيان الصهـ.ـيوني في الوطن العربي.  وبعيداً عن الخطاب المنافق، تبقى تركيا هي الأكثر تطبيعاً في المحيط الإسلامي، لكنّ التطبيع الإماراتي فتح بواباتٍ واسعةٍ على الاقتصاد العربي تحديداً، لا مجرد “ثغرة دفرسوار” أخرى أو اختراقات.

يذكر أن الاقتصاد الإماراتي هو ثاني أكبر اقتصاد عربي بعد الاقتصاد السعودي، يليهما الاقتصاد المصري، وقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي الإماراتي عام 2021 نحو 400 مليار دولار، تماماً كالاقتصاد “الإسرائيلي”.

بدأت العلاقات العلنية الإماراتية-“الإسرائيلية” عام 2015 بافتتاح بعثة دبلوماسية “إسرائيلية” رسمية في أبو ظبي.  وكان العنوان الرسمي لتلك البعثة هو تمثيل “إسرائيل” في “الوكالة الدولية للطاقة المتجددة” التي اتخذت من الإمارات العربية المتحدة مقراً لها.

وكانت الموافقة على استقبال البعثة “الإسرائيلية” علانيةً في الإمارات هو الشرط الموضوع على طاولة الإمارات لافتتاح مقر “الوكالة الدولية للطاقة المتجددة” في الإمارات بدلاً من ألمانيا.  وهكذا كان طبعاً.  ولكنّ البعثة “الإسرائيلية” في أبو ظبي لم تشتغل بشؤون الطاقة فحسب، بل شكلت اختراقاً تطبيعياً، أو موطئ قدمٍ، تحول إلى سفارة “إسرائيلية” كاملة في أبو ظبي في 24/1/2021، افتتحها رسمياً وزير الخارجية “الإسرائيلي” الحالي، يائير لابيد، في 29/6/2021.

تسريبات إعلامية عن العلاقات السرية بين “إسرائيل” والإمارات

لم تهبط البعثة الدبلوماسية “الإسرائيلية” كنيزكٍ من الفضاء عام 2015، إذ سبقتها سلسلة لقاءات واتصالات بالضرورة.  وهذا ليس مجرد استنتاجٍ يمليه المنطق العادي، بل أكدته التسريبات التي لا يكف الصهـ.ـاينة عن تمريرها عن علاقاتهم السرية، كما هو دأبهم عادةً؛ فصحيفة “هآرتز”، في 25/7/2017، سربت قصة لقاءٍ جرى بين رئيس الوزراء السابق، نتنياهو، ووزير الخارجية الإماراتي، في نيويورك عام 2012، لكن حتى هذا اللقاء لم يأتِ بلا مقدمات.

سربت مجلة “نيويوركر” الأمريكية، في 16/6/2018، أن اللقاءات الأولى بين الإمارات و”إسرائيل” جرت في العاصمة الأمريكية، واشنطن دي سي، بعد توقيع اتفاقية أوسلو مباشرة عام 1993، برعاية إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون خلال ولايته الأولى.  وأضاف تقرير المجلة ذاتها أن مركز أبحاث في أبو ظبي، اسمه “مركز الإمارات للأبحاث والدراسات الاستراتيجية”، أصبح، منذ عام 1994 ، قناة الاتصال غير الرسمية مع “إسرائيل”.

منذ ذلك الوقت، بدأت الزيارات شبه المنتظمة لشخصيات يهـ.ـودية أمريكية، متصلة بالحركة الصهـ.ـيونية، إلى الإمارات للقاء مسؤوليها.  ومن ديناميكيات تلك اللقاءات نشأت العلاقات الأمنية بين الطرفين اللذين بدآ  تشاطر المعلومات بينهما.  وبعد تنصيب أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية عام 2009، بدأ التعاون السياسي المباشر بين الإمارات و”إسرائيل” تحت عنوان: حشد القوى من أجل “درء الخطر الإيراني”.

كانت قنوات التنسيق السياسي المباشر تلتقي على الأرض الأمريكية.  اجتمع السفيران الإماراتي و”الإسرائيلي” في الولايات المتحدة بصورةٍ سرية مع مسؤول ملف “الشرق الأوسط” آنذاك، دنيس روس، إياه، في فندق في ضاحية “جورج تاون” من العاصمة الأمريكية واشنطن، وطلبا منه أن يوصل دعوتهما المشتركة إلى الرئيس أوباما، باسم الإمارات و”إسرائيل” معاً، بأن يتخذ موقفاً أكثر تشدداً مع إيران.  لم يصغِ أوباما لهما، كما هو معروف، ومضى في مساعيه للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، وهو ما قربهما من بعضهما بصورةٍ أكبر.

لا يستطيع الكيان الصهـ.ـيوني أن يحترم علاقة، سرية أو علنية، لأن ذلك من طبيعته، فهو لا يستطيع إلا أن يلعب حتى في ملاعب أقرب حلفائه الغربيين من دون علمهم، فما بالكم بـ”صديقٍ” عربي؟!  لذلك، عندما اغتال الموساد الشهـ.ـيد محمود المبـ.ـحوح في الإمارات عام 2010، على الرغم مما يفترض أنه علاقات أمنية قوية بين الجانبين، توترت العلاقات بينهما بشدة.  كتعويضٍ عن ذلك التجاوز، طالب الجانب الإماراتي بأن يبيعه الجانب “الإسرائيلي” طائرات مسيرة مسلحة كانت إدارة أوباما قد رفضت بيعها له، فردت “إسرائيل” بأنها لا تستطيع أن تُغضِب الإدارة الأمريكية.

جرى تجاوز الخلاف، بمرونة، حرصاً على المصلحة المشتركة في مواجهة “الخطر الإيراني المحدق”، ونزعة أوباما للتفاهم مع إيران، وفيما بعد، اعتراضاً على رفض أوباما التورط عسكرياً بصورةٍ مباشرةٍ في سورية.  المهم، شن اللوبي الصهـ.ـيوني حملةً سياسيةً وإعلاميةً ضاريةً على أوباما في الولايات المتحدة، على الرغم من كل ما قدمه للكيان الصهـ.ـيوني من دعم سياسي وعسكري واستخباري، واستخدامه الفيتو في مجلس الأمن لمنع إدانة “إسرائيل” على نشاطها الاستيطاني.

وعندما خاطب نتنياهو الكونغرس ومجلس الشيوخ، في جلسة مشتركة لهما، عام 2015، داعياً إياهما للتصويت ضد الاتفاق النووي مع إيران، لم ينجح نتنياهو، ومر الاتفاق على أية حال، لكنه اختطف عقول بعض الأنظمة الخليجية وقلوبها!

اتخذت العلاقات الصهـ.ـيونية هنا مع كلٍ من السعودية والإمارات، منحنى متصاعداً من جهة، وبعيداً عن عيون إدارة أوباما من جهةٍ أخرى، وهو ما استفزها بشدة.  وبحسب المعلومات المفرج عنها إعلامياً في العام 2018، اكتشفت الأجهزة الأمنية الأمريكية سلسلة اتصالات هاتفية بين “مسؤول إماراتي كبير” ونتنياهو.  كما اكتشفت أن لقاءً تم عقده في قبرص بين عددٍ من القيادات الإماراتية و”الإسرائيلية”، حضره نتنياهو، وتركز على مواجهة الاتفاق النووي مع إيران.

التقط نتنياهو الفرصة، وبدأ يدفع باتجاه تحويل العلاقات السرية مع الإمارات والسعودية إلى علاقاتٍ علنية مجدداً ضمن اتفاقيات منفردة على نهج كامب ديفيد، وبعيداً عن الموضوع الفلسطيني أو غيره (الجولان، شبعا، غاز المتوسط، إلخ…)، وهو ما أنتج الاتفاقات “الإبراهيمية” في المحصلة برعاية إدارة ترامب.

وكان أوباما قد حمل مطلب نتنياهو بإقامة علاقات رسمية مع السعودية خلال زيارته إليها في آذار / مارس عام 2014، ولكنه قوبل بالرفض.  ولكنْ أردنا الإشارة أولاً إلى إن فتح البعثة الدبلوماسية “الإسرائيلية” إلى “الوكالة الدولية للطاقة المتجددة” في أبو ظبي، عام 2015، ولد في تلك اللحظة السياسية.  من هنا، إن القول أعلاه إنها بعثةٌ لم تشتغل بـ”الطاقة المتجددة” فحسب لم يكن قولاً إنشائياً.  ولعل هدفها كان تعويد الجمهور على وجود مكتب تمثيل “إسرائيلي” في أبو ظبي، بالتزامن مع تلبية المطلب “الإسرائيلي” بتحويل العلاقات السرية إلى علاقة علنية.

وكان تقرير لموقع United Press International في 27/1/2012، قد نشر أن مبيعات الشركات الأمنية “الإسرائيلية” للإمارات عام 2011 بلغت 300 مليون دولار، وأن العلاقات بين سلطة البنية التحتية في الإمارات والشركات الأمنية “الإسرائيلية” بدأت منذ عام 2007.

وكان عوزي لانداو، وزير البنية التحتية “الإسرائيلية” الأسبق، قد زار أبو ظبي وشارك في مؤتمر الطاقة المتجددة في 16/1/2010.  وفي 19/1/2016، كشفت القناة “الإسرائيلية” الثانية أن يوفال شتاينتس، وزير البنية التحتية والطاقة آنذاك، عاد لتوه من أبو ظبي حيث شارك في مؤتمر للطاقة المتجددة هناك.  وفي 16/9/2018، كشفت وسائل إعلام “إسرائيلية” عن استضافة أبو ظبي للقاءات سرية بين تركيا والكيان الصهـ.ـيوني.

وفي 12/5/2018، قبل العلاقات الرسمية وافتتاح السفارات، نشرت “تايمز أوف إسرائيل” تقريراً عن لقاءٍ “عرضي” جمع نتنياهو بالسفير الإماراتي، يوسف العتيبة، في مطعمٍ ترتاده النخبة السياسية في واشنطن جرى فيه بحث الموضوع الإيراني قبل تاريخ النشر بشهرين تقريباً.

وفي 11/10/2018، شوهد السفيران الإماراتي و”الإسرائيلي” في واشنطن، وهما يتشاركان طاولة واحدة، ويتجاذبان أطراف الحديث، في عشاءٍ سنويٍ أقامته إحدى منظمات اللوبي الصهـ.ـيوني في العاصمة الأمريكية واشنطن.  ومن البديهي أن هذا أيضاً جاء في سياق إخراج السر إلى العلن.  وفي 25/4/2019، أعلن الكيان الصهـ.ـيوني أنه تلقى دعوة رسمية للمشاركة في معرض “أكسبو 2020” في دبي.

وفي 13/8/2020، نشر الإعلان الأمريكي-“الإسرائيلي”-الإماراتي المشترك عن الاتفاق على تطبيع العلاقات بين الإمارات والكيان الصهـ.ـيوني.  وكان ذلك هو الاختراق السياسي التطبيعي الأهم في الجدار الرسمي العربي منذ توقيع اتفاقية وادي عربة عام 1994.

ونشرت “تايمز أوف إسرائيل” في اليوم التالي لذلك الإعلان أن يوسي كوهين، المدير السابق للموساد، زار الإمارات مراراً، على مدى عام، للتفاوض حول الاتفاق الذي عُرف باسم “الاتفاقات الإبراهيمية”.  وبانضمام البحرين إلى تلك الاتفاقات، تم التوقيع عليها رسمياً، في حديقة البيت الأبيض، في واشنطن، في 15/9/2020.  وسرعان ما انضم السودان إلى “الاتفاقات الإبراهيمية” في 23/10/2020، ووقع عليها رسمياً في الخرطوم في 21/1/2021.

ومع ذلك، فإن قطار العلاقات مع الكيان الصهـ.ـيوني ما برح يسير بسرعة أبطأ كثيراً من سرعته في الدول الخليجية أو في المغرب، الذي أعلن عن انضمامه إلى “الاتفاقات الإبراهيمية” في 10/12/2020، وهو ما تبعه اتفاق مباشر مع الكيان الصهـ.ـيوني لتطبيع العلاقات في المجالات المختلفة في 22/12/2020.  وبهذا، انفتحت أبواب التطبيع على مصراعيها من خلال اختراقين كبيرين: أولهما في أقصى المشرق العربي، في الأمارات، وثانيهما في أقصى المغرب العربي، في المغرب.

عندما تصبح “الاتفاقات الإبراهيمية” موطئ قدم لزيادة الاختراق التطبيعي خارجها

 

في 13/12/2021، زار رئيس الوزراء “الإسرائيلي” نفتالي بينيت الإمارات العربية المتحدة وعقد لقاءاتٍ رسمية على أعلى المستويات فيها.  ولعل تلك الزيارة أبعدت الضوء عن اتفاق تجاري مهم توصلت إليه قطر و”إسرائيل” في الفترة ذاتها: الاتفاق حول تجارة الألماس.

خلاصة القصة أن قطر أرادت، قبل بضع سنوات، أن تصبح طرفاً في تجارة الألماس العالمية، وأن تؤسس منطقة حرة وبورصة خاصة بها لتجارة الألماس.  لكنّ “جمعية بورصات الألماس العالمية”، التي تملك فيها “إسرائيل” نفوذاً كبيراً، باعتبارها طرفاً رئيسياً في تجارة الماس الدولية، منعت قطر من الدخول على الخط.  وانضمت الإمارت إلى “إسرائيل” في ممارسة حق النقض على دخول قطر إلى ملعب الألماس العالمي، مع العلم أن الطرفين ينسقان استراتيجياً على هذا الصعيد.

تبع ذلك اتصالات سرية مباشرة قطرية-“إسرائيلية” وافقت فيها قطر على شروط الكيان الصهـ.ـيوني كافةً: أي تاجر ألماس “إسرائيلي” يستطيع أن يحصل على فيزا قطرية خلال خمسة أيام بالحد الأقصى، وأن يتاجر ويشتغل كما يشاء في بورصة الألماس القطرية، والمنطقة الحرة للمجوهرات، من دون أي قيود، وأن يؤسس “مكاتب تمثيلية” في قطر لهذا الغرض إذا رغب.  وقد تم توقيع الاتفاق رسمياً بين مسؤولين كبار في وزارتي الخارجية في قطر و”إسرائيل”، بحسب موقع “غلوبس” Globes، في 25/11/2021.

وهكذا، رفع الكيان الصهـ.ـيوني تحفظه عن دخول قطر على الخط، وكذلك فعلت الإمارات!  ونرجو ألا يقول أحدٌ أن قطر وقعت ذلك الاتفاق من أجل غزة، وها هي الخطوات تجري على قدمٍ وساق لتأسيس موطئ قدم لقطر في سوق المجوهرات والمعادن الثمنية العالمية أسوة بدبي.  المهم هو كيف نتنافس مع بعضنا بعضاً في ملاعب أعدائنا.

#لا_للتطبيع_مع_العدو_الصهـ.ـيوني

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=882684863133601&id=100041762855804

 

https://www.almayadeen.net/research-papers/في-مقدمات-التطبيع-الإبراهيمي:-المسار-الخليجي

الموضوعات المرتبطة

إشكالية الموقف من تركيا عقائدياً وسياسياً

  إبراهيم علوش  - صباح الخير/ البناء    شكلت شبه هضبة الأناضول تاريخياً كتلةً جغرافيةً-سياسيةً شديدةَ الوطأة على الميدان الشامي، وعبره، على الوطن العربي كله.  فمنذ الحثيين، حتى الرومان [...]

خطوط الصراع في الانتخابات النصفية الأمريكية

  إبراهيم علوش  - الميادين نت تجري في الولايات المتحدة الأمريكية في 8 تشرين الثاني / نوفمبر المقبل انتخاباتٍ نصفية حاسمة يُقرَر فيها مصير كامل مقاعد مجلس النواب الـ435، و35 مقعداً من أصل 100 في [...]

هل يفرض الغرب سقفاً سعرياً على النفط الروسي؟

  إبراهيم علوش – الميادين نت الخبر الاقتصادي الدولي الأهم في الأيام الفائتة كان قرار الاتحاد الأوروبي، المدعوم أمريكياً، في الثاني من أيلول / سبتمبر الفائت، فرض سقف أعلى على سعر النفط [...]

نهج المــقــاومة والعمل القومي: هل يقوم أحدهما مقام الآخر؟

  إبراهيم علوش – المستقبل العربي* شخصت الأبصار إلى غزة ثم إلى نابلس في شهر آب / أغسطس الفائت، ولطالما احتضنت عيون الشرفاء كلَ حالةِ مـ.ـقـ.ـاومةٍ متميزة، ولو كانت تحدياً للهيمنة الغربية، أو [...]

تايوان والصراع على جبهة أشباه الموصلات

  إبراهيم علوش – الميادين نت ربما تبدو الجبهة الأوكرانية أكثر صخباً، وتداعياتها الاقتصادية على أوروبا والعالم أبلغ أثراً، وتناولها إعلامياً أشد إثارةً، لكنّ الجبهة الأكثر ضراوةً، هي، [...]
2022 الصوت العربي الحر.