السيل الشمالي، أوبك +، والنفط والغاز كرافعة سياسية

October 18th 2022 | كتبها

 

إبراهيم علوش – الميادين نت

 

وقع تطوران عظيما الشأن على مسرح حوامل الطاقة عالمياً مؤخراً، أولهما سلسلة تفجيرات أصابت 3 أنابيب تنقل الغاز الروسي عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا، في 26 أيلول / سبتمبر الفائت، وهي:

 1 –  أنبوبا “السيل الشمالي-1″، “واحد-أ”، و”واحد-ب”.

 2 – أحد أنبوبي “السيل الشمالي-2″، وهو الأنبوب “أ”.

يتألف “السيل الشمالي- 2” من أنبوبين أيضاً، “ألف” و”باء”.  وقد سَلِم “باء” من التفجيرات، أما “السيل الشمالي-2-أ” فتعرض لانفجارين، أحدهما في المنطقة الاقتصادية البحرية الخاصة بالدنمارك، والآخر في المنطقة الاقتصادية البحرية الخاصة بالسويد.

يُذكر أن “السيل الشمالي – 2” أوقفت ألمانيا، بلد المصب، تشغيله تماماً، في 22 شباط / فبراير، قبل يومين من العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا، وبعد يومٍ واحدٍ من اعتراف روسيا رسمياً بجمهوريتي لوغانسك ودونيتسك.

وبناءً عليه، فإن “السيل الشمالي-1” ظل لمدةٍ طويلةٍ المنْفَذ الرئيس، وليس الوحيد، لتمرير الغاز الروسي إلى أوروبا، إذ هناك أيضاً خطوط “يامال” و”الصداقة” و”السيل الأزرق” و”السيل التركي”، الذي اتهمت روسيا أوكرانيا بمحاولة تفجيره، الأسبوع الفائت.

تشير مواقع غربية، في معرض تعليقها على تفجيرات السيلين الشماليين، إلى أن روسيا أوقفت ضخ غازها عبر أنبوبي “السيل الشمالي – 1” في نهاية شهر آب / أغسطس، أي قبل تفجيرهما بشهر، في محاولة للإيحاء أن تفجير الأنابيب هو استمرار لنهج روسي.  لكنْ، حتى لو أخذنا هذه النقطة كبيّنة، شتان ما بين إغلاق صنبور مؤقتاً، نتيجة أسبابٍ تقنية أو غير تقنية، يمكن إعادة فتحه بيسر في المدى القصير، وما بين حرق السفن نهائياً مع الاتحاد الأوروبي من خلال تدمير بنية تحتية ثمينة كلفت عشرات مليارات الدولارات، تملك روسيا معظمها، مع العلم أن التأخر بإصلاح الخطوط المدمرة يكشف بطانتها الداخلية المكونة من مواد عضوية (بوليمرات) على مياه البحر المالحة، الأمر الذي يجعلها تتآكل مع الزمن.

بالتالي، فإن المؤدى الأهم لتفجيرات السيلين الشماليين، ومحاولة تفجير “السيل التركي”، هو فك ارتباط أوروبا غازياً بروسيا في المدى الطويل، حتى لو افترضنا جدلاً حل مشكلة أوكرانيا بطريقةٍ أو بأخرى بعد حين.  وابحث دوماً عن المستفيد من الجريمة، كما تنص القاعدة الجنائية: Cui bono؟

قرار “أوبك+” تقليص إنتاج النفط يثير غضب الإدارة الأمريكية

أما التطور الآخر المهم فهو قرار “أوبك +”، في 5 تشرين الأول / أوكتوبر الفائت، تقليص إنتاج النفط بمقدار مليوني برميل يومياً، ابتداءً من شهر تشرين الثاني / نوفمبر، أي قبل أسبوع من الانتخابات النصفية الأمريكية الشهر المقبل.

جاء هذا القرار خطوةً اعتراضيةً في مسار تقهقر متوسط أسعار برميل النفط من 120 إلى 80 دولاراً، خلال الأشهر الثلاثة التي سبقته، مع انزلاق الاقتصاد العالمي إلى أكناف الركود، وما يتبع ذلك بالضرورة من انخفاض في الطلب الآجل على حوامل الطاقة لأغراض الإنتاج والشحن والتنقل، على الرغم من دخول النصف الشمالي من الكرة الأرضية فصل الخريف، وما يرافق ذلك من ارتفاعٍ في الطلب على حوامل الطاقة لأغراض التدفئة.

على سبيل المقارنة، انخفض سعر النفط في قعر أزمة كوفيد 19 إلى نحو 20 دولاراً للبرميل جراء تقلص الطلب عليه مع انكماش الإنتاج والشحن والتنقل.

كانت عنيفةً ردةُ فعل إدارة بايدن والدولة العميقة الأمريكية على قرار “أوبك +” خفض إنتاجها، ولا سيما إزاء السعودية وروسيا، وتركز الخطاب الأمريكي إعلامياً وفي الكونغرس على اتهام السعودية بالاصطفاف مع روسيا سياسياً في مواجهتها مع الغرب.

أما الهجوم على “أوبك” عموماً فتركز تاريخياً في الولايات المتحدة على اتهامها بممارسة التسعير الاحتكاري ككارتيل نفطي، وهذا طريفٌ جداً بالنظر إلى أن مشروع فرض سقف سعري على مشتريات النفط الروسي تتطلب من الغرب تشكيل كارتيل شراء موحد، أو ما يعرف باسم Monopsony.

يُذكر بأن مشروع قانون في الكونغرس الأمريكي ضد “أوبك”، بعنوان “NOPEC”، ما برح يراوح ذهاباً وإياباً منذ عام 2007 كمشروع ظل سيفاً مسلطاً على رقاب الدول المنتجة للنفط.  وفي الأسبوع الفائت، بادر نواب وشيوخ ديموقراطيون وجمهوريون إلى إعادة تفعيل مشروع قانون “NOPEC” مجدداً.

وليكن واضحاً أنه لا يوجد خلاف بين الديموقراطيين والجمهوريين (الأقرب للوبي النفطي الأمريكي) حول الموقف من “أوبك” أو الأزمة الأوكرانية، وأن الخلاف بينهما يتعلق بمسألة داخلية هي ضغط الجمهوريين لتخفيف القيود البيئوية على زيادة إنتاج النفط أمريكياً، ورفضهم لأي تقييد لصادرات النفط الأمريكي ومشتقاته، لا سيما على خلفية قرار “أوبك” والمشهد الأوكراني.

حتى بيرني ساندرز، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فيرمونت الأمريكية، الذي نافس عامي 2016 و2020 في ترشيح الحزب الديموقراطي للانتخابات الرئاسية، والذي يعد ممثل “أقصى اليسار” في المشهد البرلماني الأمريكي، اتخذ موقفاً متشدداً ناشراً على حسابه على موقع “تويتر” تغريدة في 6 تشرين الأول / أوكتوبر قال فيها: “إن قرارَ أوبك تقليص الإنتاج محاولةٌ وقحةٌ لزيادة أسعار البنزين على المضخة لا يمكن تقبلها. علينا إنهاء التثبيت غير القانوني للأسعار من طرف أوبك، والتخلص من المساعدة العسكرية الأمريكية للسعودية، والتحرك بقوة نحو الطاقة المتجددة”.

في المآل الموضوعي لقرار “أوبك +”

لا شك في أن قرار “أوبك+” تقليص إنتاجها، على النقيض من تفجير السيلين الشماليين للغاز الروسي، صب موضوعياً في جيب روسيا في صراعها مع الغرب، بغض النظر عن الدوافع المتنوعة لمن اتخذوه.

ولا يعني ما جرى أن السعودية تحولت إلى قوة مناهضة للإمبريالية، كما سيأتي.  أما سبب تركيز الهجمة الإعلامية أمريكياً على السعودية دون غيرها في “أوبك”، فلأنها تنافس روسيا على موقع ثاني أكبر منتج للنفط عالمياً عند 10.8 مليون برميل يومياً عام 2021، بعد الولايات المتحدة الأمريكية التي تحتل المركز الأول في إنتاج النفط عند 18.8 برميل يومياً، بحسب الإحصاءات الرسمية الأمريكية.  وهو ما يعطي التحالف النفطي الروسي-السعودي، عند 22% من الإنتاج العالمي، الوزن النسبي الأكبر في العالم.

فإذا أضفنا الوزن السعودي خليجياً، لا سيما مع الإمارات والكويت (اللذين يشكلان معاً 7% من الإنتاج العالمي)، وأضفنا إيران والعراق (اللذين يشكلان معاً 8% من الإنتاج العالمي)، وأضفنا الصين والبرازيل في البريكس (9% من الإنتاج العالمي)، فإن التي تبقى خارج المعادلة، من الدول العشر الأوائل، هي كندا التي أنتجت 6% من النفط عالمياً عام 2021.

هذا يعني، في لوحة ميزان القوى العالمي، أن 26% من إنتاج الكوكب من النفط منبعُه أمريكا الشمالية، مقابل 46% للسعودية وتحالفاتها، وروسيا وتحالفاتها، وإيران وتحالفاتها.  ويبقى 28% من الإنتاج النفطي لسائر دول العالم مجتمعة، وبينها دولٌ مثل الجزائر التي تنتج 1.5 برميل يومياً، وفنزويلا التي تراودها الولايات المتحدة عن نفطها الذي بلغ 2.68 مليون برميل يومياً عام 2014 مثلاً ثم انخفض إلى بضع مئات آلاف البراميل يومياً عام 2021.

حلقة نرويجية في تفجير السيليين الشماليين؟

بلغ إنتاج النرويج، بالمقابل، أكثر من مليوني برميل يومياً عام 2021، وهي عضو مؤسس في حلف الناتو طبعاً، ولكنها ولغَت إيلاغاً في جيوب أشقائها الأوروبيين، فلم تأخذها بهم رحمةٌ ولا شفقةٌ بعد ارتفاع أسعار النفط والغاز بعد العقوبات على حوامل الطاقة الروسية، ولعلها من أكبر المستفيدين تجارياً من انقطاع النفط والغاز الروسيين عن الاتحاد الأوروبي.

لكنّ النرويج، التي تقع شمالي شبه الجزيرة الإسكندينافية، لا تشاطئ بحر البلطيق الذي تمر عبره أنابيب السيلين الشماليين، كما تقع أوكرانيا على البحر الأسود الذي يمر عبره “السيل التركي”، وإن كانت النرويج لا تفتقر إلى منفذٍ بحريٍ إليه.  وربما يكون الأسلم البحث عن المستفيد جغرافياً-سياسياً من فصل روسيا عن أوروبا، ممن يملك قدرات تقنية عالية تمكنه من وضع 4 شحنات تفجيرية متزامنة، تقدر قوة الواحدة منها بـ100 كيلوغرام من مادة TNT، تحت سطح مياه بحر البلطيق.

الغريب أن خط غاز “البلطيق”، الذي يمر من النرويج عبر الدنمارك ثم عبر بحر البلطيق إلى بولندا، جرى تدشينه رسمياً في 27 أيلول / سبتمبر الفائت، بعد يومٍ واحدٍ فقط من تفجيرات السيلين الشماليين الروسيين!  وكانت بولندا قد أبلغت روسيا رسمياً توقفها عن استلام الغاز الروسي عبر خط “يامال” في 23 أيار / مايو.   وتوقف الضخ عبر “يامال” تماماً في 21 أيلول / سبتمبر الفائت على خلفية إصرار بولندا على ألا تدفع ثمن النفط الروسي بالروبل، وعدائها الشديد والمعلن لروسيا، وانسلاخها عن هويتها السلافية ونزوعها الغربي، وشعورها الوهمي بالتفوق، عرقياً وثقافياً.

يذكر أن مرتزقة بولنديين يحاربون إلى جانب نظام زيلينسكي في أوكرانيا.  وتمتلك بولندا، بالمناسبة، شواطئ طويلةً على بحر البلطيق.  فهل يرشحها كل هذا لكي تصبح منصةً لعملٍ عدائيٍ متقن ومعقد ضد روسيا يمكن أن يشنه من يمتلك قدرات عسكرية تقنية أكثر كثيراً منها؟

عداء الحزبين الجمهوري والديموقراطي للسيلين الشماليين

 

نشر موقع معهد “كارنيغي” في 30 أيلول / سبتمبر، بعد أيام من تفجيرات بحر البلطيق، تقريراً بعنوان “الصدمة والرعب: من فجّر أنابيب السيل الشمالي؟”، يذكر كل شيء عن تلك التفجيرات، ما عدا المصلحة الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في فصل أوروبا غازياً عن روسيا.

والحقيقة أن خط “السيل الشمالي – 1” الذي دُشن عام 2011، وخط “السيل الشمالي – 2” الذي انتهى العمل به بداية عام 2022، وكان يفترض أن يضاعف كميات الغاز الروسي إلى أوروبا إلى 110 مليار متر مكعب سنوياً، ولم يُدشَن أبداً، تعرضا إلى حرب شعواء من طرف الإدارة الأمريكية على طول الطريق منذ البدء بإنشائهما.

فجورج بوش الابن، الجمهوري، حارب “السيل الشمالي – 1″، وباراك أوباما، “الديموقراطي”، حارب “السيل الشمالي – 2”.  ويتميز السيلان بأنهما يمران عبر بحر البلطيق من روسيا إلى ألمانيا مباشرة، من دون المرور بالمحابس البرية التي تمر فيها خطوط الغاز الروسية الأخرى عبر بلدان أوروبا الشرقية المعادية لروسيا.

لم يختلف هذا التوجه المعادي للسيلين الشماليين بين إدارتي ترامب وبايدن بالمناسبة.  وفي عام 2018، فرض ترامب عقوبات على صادرات السيارات الألمانية مطالباً ألمانيا بإيقاف إنشاء “السيل الشمالي – 2” فوراً.  وفي عام 2019، فرض ترامب عقوبات على أي شركة تسهم بإنجاز “السيل الشمالي – 2″، بتأييد جمهوري وديموقراطي، معتبراً أن الخط سيجعل من أوروبا رهينةً لروسيا.

وفي 7 شباط / فبراير الفائت، نشرت شبكة قنوات ABC الأمريكية مقطعاً للرئيس بايدن يقول فيه: “إذا غزت روسيا أوكرانيا، لن يبقى “السيل الشمالي – 2″، إذ إننا سوف ننهيه”.  لتسأله المراسلة: “لكن كيف ستفعل ذلك بالضبط، بما أن المشروع هو تحت سيطرة ألمانيا؟”، ليجيب بايدن: “إننا… أعدك أننا سوف نكون قادرين على فعلها”.

الآن، تلك اسمها بيّنة قانونية، هي تهديدٌ تحديداً، من جهة قادرة وصاحبة مصلحة في تنفيذه.  ورب قائل إن بايدن هدد بشطب “السيل الشمالي – 2” فقط، ولم يذكر “السيل الشمالي – 1″، وإن تهديده ربما يعني الضغط على ألمانيا سياسياً لإيقافه، وربما يكون المعنى في قلب الشاعر، أو أنها زلة لسان كزلاته الكثيرة، والمثل يقول: خذوا الحقيقة من أفواه الخرفانين.

ارتدادات كبيرة لحدثين كبيرين

 

كان لتدمير خطوط أنابيب السيلين الشماليين في بحر البلطيق، وقرار “أوبك +” تقليص إنتاجها، ارتدادات كبيرة على الصراع بين الاقتصادات الصاعدة ومنظومة الهيمنة الإمبريالية.  وفي 8 تشرين الأول / أوكتوبر الفائت، بينما كانت شركة “إكزون” النفطية الأمريكية Exxon، إحدى أكبر الشركات متعدية الحدود في العالم، تعلن أنها على وشك بيع حصتها البالغة 30% من حقل “سخالين – 1” النفطي والغازي في روسيا إلى جهة غير معروفة، وقع الرئيس بوتين مرسوماً يؤمم أصول “إكزون” في ذلك الحقل ويعرضها للبيع.   وهو تعويضٌ صغير بالنسبة لروسيا التي وضع الغرب يده على 300 مليار دولار من أصولها.

وعلى طريق تعزيز العلاقة الهندية-الروسية، تعد الهند التي تملك 20% من حقل “سخالين – 1” من المرشحين، مع الصين، لشراء حصة “إكزون” فيه.  وتملك شركة يابانية 30% أيضاً منه.  وانخفض إنتاج ذلك الحقل الذي تديره “إكزون” من 220 ألف برميل قبل الأزمة الأوكرانية إلى 10 آلاف برميل يومياً، بذريعة “القوة القاهرة” Force majeure!  وهو درسٌ بليغٌ لكل من يغلب حساب المصلحة التجارية على حساب الأمن القومي.

وفي 8 تشرين الأول / أوكتوبر أيضاً، جرى استهدف جسر “كيرش” الذي يربط شبه جزيرة القرم بالبر الروسي، وهو ما لا يمكن فصله عن استهداف البنية التحتية الروسية عبر البحار.

 

مسألة الموقف السعودي في “أوبك +”

 

بعد انسحاب الإدارة الأمريكية العشوائي من أفغانستان في 31 آب / أغسطس 2021، وانسحابها غير المكتمل من العراق في نهاية عام 2021، بات جلياً أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تقوى على ممارسة  الاحتلالات.  وكان من الواضح قبلها أن الولايات المتحدة تميل إلى التدخل غير المباشر عبر أدواتها، وإلى الضربات السريعة الجوية أو الاستخباراتية، وإلى اعتماد أدوات حروب الجيل الرابع، ومنها الحروب الإعلامية والثقافية والاقتصادية، بدلاً من الحروب التقليدية المباشرة والاحتلالات المطولة.

هذه النزعة التي تبلورت، أكثر ما تبلورت، بعد حربي أفغانستان والعراق، أرسلت رسالةً إلى العدو والصديق بأن خطر الحرب التقليدية والتدخل العسكري الأمريكي المباشر والمطول بات أقل مثولاً، ودفع هذا حلفاء الولايات المتحدة إلى القلق من أنهم لم يعودوا يتمتعون بالحماية الأمريكية كما سبق، وجاء مثال أوكرانيا ليثبت هذه النقطة.

دفع هذا الانكشاف بعض القوى الإقليمية التابعة للأمريكيين، مثل بعض الأنظمة الخليجية، إلى التفكير بملاذات أخرى، صديقة أو معادية للولايات المتحدة، من الكيان الصهيوني إلى الصين، كما أنه دفع بعض القوى الإقليمية الطامحة للتحول إلى أقطاب دولية، مثل الكيان العثماني، إلى التجاوز على الناتو، وهو يجلس في حضنه، ولم يكن شراء منظومة الدفاع الجوي S-400 من روسيا ممكناً من قبلُ لو كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعيش قمة عنفوانها.

يمر عالمنا المعاصر بمرحلة تحول بين الأحادية والتعددية القطبية إذاً، فلا هي هذا ولا ذاك.  وفي مرحلة غياب المرجعيات القطبية الكبرى، على عكس ما كانت عليه الحال في زمن الحرب الباردة أو بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تبدأ القوى المحلية والإقليمية المختلفة اللعب على الحبال، وتنشط لديها نزعات التحلل من القيود المركزية.

وهو أمر نلاحظه، على كل حال، عبر تاريخنا العربي، عندما كانت تضعف الدول المركزية القوية، كما نلاحظه في كل قطر عربي تضعف فيه الدولة المركزية، لتنشأ قوى ومرجعيات محلية في أماكن قصية لم يكن يسمع بها أحد من قبل.  فهذا قانون في علم السياسة: كلما ضعفت المراكز، تنمرت الأطراف، سواء دار الحديث عن قطر واحد أو أمة أو كوكب الأرض، من لبنان إلى سورية إلى العراق إلى الصومال إلى ليبيا إلى الأمة العربية ككل، إلى ميدان الصراع العالمي.

باختصار، سارت السعودية مع الولايات المتحدة في إغراق السوق بالنفط عام 2014 عقاباً لروسيا، فدفعت الثمن غالياً كما تدفعه أوروبا اليوم.  وبعد أوكرانيا وجدت السعودية أنها لن تتمتع بحماية أمريكية بالرغم من كل الأثمان التي دفعتها.  وبعد ذلك كان عليها أن تسمع التقريع من الديموقراطيين على قصة حقوق الإنسان وحربها في اليمن.  لذلك، قررت أن تستخدم النفط رافعةً سياسية.   باختصار، لقد ضاقت ذرعاً بدفع الثمن من دون مقابل.

ومن يفكر بمنطق الحرب الباردة أو الأحادية القطبية البائدتين، لن يتمكن من استيعاب الحالة السائلة لتناقضات عالمنا المعاصر وتحالفاته في القرن الـ21.  وأخطر المراحل هي المراحل الانتقالية كتلك التي نمر فيها.  فهناك تقاطعات واختلافات حتى ضمن المعسكر المناهض للهيمنة الغربية.  هل لاحظتم مثلاً كيف امتنعت فنزويلا وإيران عن التصويت على القرارات الموجهة ضد روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة حرصاً على عدم تصعيد التناقضات مع الغرب أملاً في رفع حظر تصدير النفط عنهما؟  إنهما النفط والغاز كرافعة سياسية.

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid02CwyHvEoSZocN4XxmLGVsgvxGCyDfxhoC1kf5adXTEPXDSupAjXnkRiMA6xQGY6hul&id=100041762855804

https://www.almayadeen.net/research-papers/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D8%A3%D9%88%D8%A8%D9%83-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B2-%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%B9%D8%A9-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9

الموضوعات المرتبطة

عملية العلقم والمطبعون

  إبراهيم علوش – الميادين نت نزلت عملية الشهيد خيري علقم البطولية مقابل كنيس يهودي في مستعمرة "النبي يعقوب" شرقي القدس، بعد سلسلة عمليات القتل العشوائي والاغتيالات المنهجية التي نفذها [...]

قانون الكبتاغون: الحصار السوري يشتد

  إبراهيم علوش – الميادين نت   وقع الرئيس الأمريكي، جو بايدن، الشهر الفائت، ما يعرف باسم "قانون الكبتاغون"، وهو قانون يطالب فيه الكونغرسُ الإدارةَ الأمريكية أن تضع استراتيجيات وآليات [...]

لوحة أحجام اقتصادات الدول: حصاد 2022

  إبراهيم علوش – الميادين نت   يقاس حجم الاقتصاد في بلد ما بالقيمة السوقية للسلع والخدمات المنتجة فيه خلال عامٍ واحد، أو ما يعرف باسم الناتج المحلي الإجمالي GDP.  وهي ليست الطريقة الوحيدة [...]

ثلاثية أسعار الذهب والنفط والدولار

  إبراهيم علوش – الميادين نت   شهدت أسعار الذهب، منذ بداية شهر تشرين الثاني / نوفمبر الفائت، اتجاهاً عاماً نحو التذبذب صعوداً إلى مستويات يتوقع المحللون أن تكون قياسية خلال عام 2023.  وبلغ [...]

قراءة في تفاعل الشارع العربي مع المنتخب المغربي لكأس العالم 2022

إبراهيم علوش – طلقة تنوير 85   لست من متابعي كرة القدم، ولم أشاهد مباراة واحدة في حياتي، ولطالما عددت مثل تلك المباريات معادل المبارزات التي كان يقيمها قياصرة الروم في الملاعب العامة لإلهاء [...]
2023 الصوت العربي الحر.