(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
ماذا يمكن أن تحقق لائحة القومي العربي؟
ازداد عدد أعضاء اللائحة خلال العام والنصف المنصرمين بضع مئات، انضموا إليها بملء اختيارهم فرداً فرداً، وازدادت اللائحة قوةً وانتشاراً بأعضائها القدامى والجدد، وترسخ فيها مفهوم الثوابت القومية حتى باتت تقاليدَ تسهم بتحديد هوية هذه المجموعة البريدية وطبيعة التفاعل القائم ضمنها.
وإذ نرحب كمدراء للائحة القومي بكل الأعضاء القدامى والجدد، ونتشرف بوجودنا معهم، فإننا نود، بعد الفراغ من ترسيخ مفهوم الثوابت إلى غير رجعة، أن نؤكد على بعض النقاط التي سبق أن نوقشت عندما كانت اللائحة لم تزل صغيرة. وهي نقاط تتناول بالتحديد ما نستطيع وما لا نستطيع أن نتوقعه من لائحة القومي العربي، أو من أية لائحة بريدية .
ففي لائحة قومية جذرية من هذا النوع، يوجد قوميون عرب وبعض أصدقائهم غير العرب من خلفيات شتى، فإنك تجد فيها البعثي والناصري والقومي الإسلامي والقومي اليساري، وتجد الحزبي والمستقل، كما تجد تيارات فكرية شتى تتفاعل فيما بينها على قاعدة التعددية ضمن حدود الثوابت. والتعددية ضمن حدود الثوابت، على سبيل التذكير فقط، تعني أننا لا نمرر مواداً للمطبعين أو أية مواد تنتهك عروبة أي جزء من أجزاء الوطن العربي، ومنه مثلاً أية دعوة علنية أو مبطنة للاعتراف بالكيان الصهيوني أو بالاستيطان اليهودي في فلسطين تحت شعارات مثل "الدويلة الفلسطينية" أو "الدولة ثنائية القومية" التي تنتهك عروبة فلسطين بالتعريف. وغنيٌ عن القول أننا لا نريد العودة إلى مناقشة البديهيات والأسس، فلا نناقش مثلاً إن كان العرب أمة واحدة أم لا وما إذا كنا نقبل بتجزئة الأمة إلى أقطار أو إذا كنا نقبل الوجود العسكري الأمريكي على أرض الوطن العربي أم لا.
وقد سبق أن ناقشنا البديهيات والثوابت مطولاً في الماضي ولذلك فإن المسألة المطروحة هنا هي ما نستطيع وما لا نستطيع أن نتوقعه من لائحة بريدية مثل لائحة القومي العربي.
فإذا أردنا معالجة سؤال ما تستطيع وما لا تستطيع لائحة القومي العربي أن تفعله، فإن الإجابة هي باختصار أن هذه اللائحة تستطيع أن تنتج: 1) موقفاً سياسياً، 2) وعياً سياسياً، و3) نشاطاً سياسياً.
في الموقف السياسي، فإن اللائحة أنتجت خلال العامين الماضيين تقريباً عدداً من البيانات التي حددت موقفاً محدداً من قضايا وأحداث ومسائل مطروحة على بساط البحث في الوطن العربي باتجاه سياسي محدد يعبر عن توافق أغلبية أعضائها والتيارات القومية ضمن اللائحة، وقد جرى في تلك البيانات تحديد موقف مناصر للمقاومة المسلحة وضد مشاريع التفكيك ومع وحدة الأمة. وبالتأكيد، يكتسب التوجه العام لأعضاء اللائحة خلال النقاشات المطروحة حول أية مسألة أهمية تقارب أهمية التعبير عن موقف من خلال بيان رسمي يمثل الأعضاء، وعندما تقوم جماعة متفاعلة بتحديد موقف سياسي واضح ومعلن، فإن ذلك يكتسب أهمية ووزناً سياسياً يفوق أهمية الموقف الفردي بكثير مهما كان الموقف الفردي رائعاً وسليماً، وهو ما يسهم إلى حدٍ ما بتشكيل معالم الخريطة السياسية على مستوى الشارع في وطننا العربي وخارجه، حيث أن تلك البيانات كانت في معظم الأحيان تترجم إلى الإنكليزية.
في الوعي السياسي، لا شك أن النقاشات السياسية التي تدور باستمرار في اللائحة، ودفق المقالات والتقارير والبيانات والأفلام والصور حول القضايا المتنوعة، يسهم بتعميق المعرفة السياسية وتعميمها، خاصة أن التوجهات السياسية السائدة في اللائحة تختلف جذرياً عن ما يجده المرء في وسائل الإعلام، وأن لها نكهة سياسية خاصة، قومية جذرية، تميزها عن غيرها. وكثيراً ما تأتي الرسائل اليومية للائحة بالجديد والمفيد، وكثيراً ما تستفز النقاشاتُ الأفكارَ والتوجهات وتدفع إلى بلورتها. وكل هذا يسهم بتطوير الوعي السياسي.
في النشاط السياسي، فإن أعضاء اللائحة يمكن أن يستفيدوا منها بالإعلان عن نشاطاتهم ونشر أخبار التظاهرات والإعتصامات وحملات التضامن مع المعتقلين وغيرها من النشاطات التي يقومون أو يشاركون فيها، ويمكن أن يستفيدوا من اللائحة للتواصل مع أخوة ورفاق وزملاء لهم من أجل الاتفاق على نشاطات، ويمكن أن نضيف إلى هذا الباب نشر وتعميم نشاطات المقاومين العسكرية في العراق وفلسطين وغيرها، حيث أن كسر الحصار الإعلامي على المقاومة العربية هو نشاط بحد ذاته، فضلاً عن كونه موقفاً سياسياً وتكريساً للنهج المقاوم. كما يمكن أن نضيف هنا حالة التواصل الناشئة بين قوميين جذريين وأصدقائهم من الوطن العربي وأماكن مختلفة حول العالم، وما يمكن أن ينتج عن تلك الحالة.
وليس المقصود أن ما سبق لا يمكن تجاوزه إلى أمثلة أخرى، ولكن إنتاج الموقف السياسي والوعي السياسي والنشاط السياسي يمثل الخط العريض لما يمكن أن نتوقعه من اللائحة وما تستطيع أن تفعله إن بقيت فاعلة. وعلى هذه الأصعدة بالتحديد، فإن اللائحة كان وما زال لديها ما تقدمه.
ولكن، بسبب حالة الفراغ التي تعيشها أمتنا، وربما بسبب غياب الوعي بأهمية المعرفة السياسية أو عدم وجود تقدير كافي لأهمية الموقف السياسي أو النشاط السياسي، فإن البعض يقفز إلى توقع المعجزات... أو إلى ممارسة المزايدات. فهناك من يريد من اللائحة مثلاً أن تقوم غداً صباحاً بتجريد جيش جرار يحرر فلسطين أو العراق، وإلا فهي مقصرة، وهناك من يزايد على اللائحة عن طريق مطالبتها بتحقيق المهمات السياسية أو العسكرية المباشرة للأمة هنا والآن.
وبغض النظر عما إذا كان الدافع هو نقص الوعي أو المزايدة الناتجة عن أمراض نفسية مثل عقد النقص والتفوق، أو الناتجة عن حسابات ذاتية وأجندات خاصة، فإن علينا أن نؤكد بكل هدوء أن اللائحة لا تستطيع أن تحل محل الأدوات السياسية والعسكرية والتنظيمية التي يفترض بالأمة أن تنتجها، ولكنها تستطيع أن تسهم، ضمن حدود إمكانياتها المتواضعة، ولكن المتزايدة، بإنتاج الظروف التي يمكن أن تبلور تلك الأدوات.
ببساطة، الأمة تحتاج إلى قوى سياسية وعسكرية وثقافية منظمة كي تنهض بالمهمات الملقاة على عاتقها. تلك هي الأدوات الضرورية لتحقيق أهداف الأمة الكبرى. ويمكن تلخيص ذلك كله تحت عنوان عريض هو ضرورة قيام حركة شعبية عربية منظمة. والحديث هنا لا يدور بالضرورة عن حزب أو تنظيم أو ما شابه، بل عن صيغة ما قادرة أن تنهض بالمهمات القومية الكبرى، وهذا لا يكون بدون وجود أساس، أي بدون وجود وعي سياسي جذري وموقف سياسي واضح ونشاط سياسي متصاعد.
فالعمل السياسي صيرورة، وليس معجزة لحظة تفصل الزمن فجأة إلى "ما قبل" و"ما بعد"، وهذه الصيرورة هي نتاج عمل ووعي وموقف.
وهي نتاج وجود قاعدة من القيم والمفاهيم المشتركة، ونتاج توفر الاستعداد للتضحية، ووجود خطة عمل، الخ...
إذن، دعونا لا نحمل اللائحة، أو أية لائحة، مسؤوليات حركة شعبية عربية منظمة لم تخلق بعد، ولا بد لنا أن نعمل على خلقها. وإلا فإن المطلوب في الواقع يكون عدم القيام بأي شيء تحت ستار المطالبة بالقيام بكل شيء فوراً هنا والآن.
أخيراً، ما لا يقضى الواجب إلا به فهو واجب، ولذا ونحن نعمل أقصى ما يمكن القيام به باتجاه تحقيق الهدف المشترك، نسأل من يزايد: ماذا فعلت أنت للأمة بالضبط؟ وإن كنت لا ترى أهمية تذكر للحوار والتفاعل السياسي، لمَ تقرأ هذه الرسالة الآن؟
عن المدراء
أخوكم إبراهيم علوش