(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
مسيرة الرابية اليوم 9/1/2009
أعتقد أنهم كانوا بين سبعة وعشرة آلاف متظاهر اليوم. واعتقد أنه كان انتصاراً مؤزراً وتجمعاً لم تصل الرابية مثله منذ سبع سنوات.
الأخوة المعسكرون في خيمة الاعتصام المجاور لمسجد الكالوتي حيث انطلقت تظاهرتنا اليوم كانوا ضد توجه القيام بمسيرة باتجاه السفارة الصهيونية القريبة في الرابية. وقالوا عملياً "الله معكم" لكن ابعدوا مسيرتكم عنا. لكم مسيرتكم ولنا اعتصامنا! وفي البداية حاولوا تشكيل سلسلة بشرية لمنع ذهاب الناس باتجاه المسيرة... للحفاظ على خيمة الاعتصام... في البداية.
الأحزاب المرخصة كان كلٌ منها يغني على ليلاه في مهرجانات ومسيرات بعيدة جغرافياً، وبالتالي سياسيا، عن زبدة الموضوع، أي عن الرابية، إلا من رحم ربي من عناصرهم الشرفاء طبعاً. لكن الجسم الأساسي للمظاهرة كان بلا شك للمستقلين، وقد انعكس ذلك في ارتفاع سقف شعاراتها وحسها الكفاحي غير المدجن حزبياً.
يسقط العمل المرخص في الأردن، مقبرة كل حس نضالي حقيقي...
ومع تزايد الجموع أكثر من توقعاتنا بكثير، بالرغم من الأطواق الأمنية المكثفة والاستعدادات الإرهابية - لأنها وضعت أساساً لترهيب المواطنين، ولثنيهم عن المجيء للمنطقة - تغير ميزان القوى على الأرض. في الأسبوع الماضي كنا بضعة مئات في البداية وتزايد العدد إلى ألف ونصف أو ألفين، أما اليوم، فقد بدأنا بضعة آلاف، وتلك ليست لقمة سائغة. وليست قلة يمكن طردها بسهولة، ولا الظرف السياسي يسهل التعامل العنيف مع المتظاهرين. ولو تواجد عشرون ألفاً من المستقلين من نفس العيار الكفاحي وزمرة الدم لوصلنا السفارة الصهيونية بالتأكيد.
أكرر الأطواق الأمنية كانت تتألف من آلاف عناصر الأمن العام والدرك (الملثمين) وقوات مكافحة الشعب (بالعين)، ولكن الظريف كان ذلك الطوق الرفيع من الحزبيين والنقابيين "المعارضين" الذين وضعوا أنفسهم بين المتظاهرين وبين الأمن العام... حريصون على الأمن، كما يقولون، ولكنهم موضوعياً كانوا طوقاً أخر يحمي السفارة الصهيونية، بغض النظر عن حسن النوايا، في حالة وجودها.
نذكر: كل من يقف بيننا وبين الصهاينة يكون .... (إملأ الفراغ). وبجميع الأحوال، ليس دور المناضلين الشرفاء أن يساعدوا قوى الأمن في مهمة ضبط الشارع في سعيه للوصول للسفارة الصهيونية.
استمرت التظاهرة ساعات. وقفنا في الطريق إلى السفارة ساعات، وكان ذلك إنجازاً حقيقياً، ليس فقط لإيصال رسالة حول غزة، بل لتغيير ميزان القوى مع النظام الذي يحمي السفارة الصهيونية، أي لتغيير ميزان القوى بين الشارع العربي وبين النظام الرسمي العربي، أي لفك الحصار عن غزة إستراتيجياً.
الشباب يريدون أن يصلوا السفارة، ولهذا أتوا، وليس ليكونوا في حالة وحدة مع قوى الأمن مثلاً.
نعم الشباب كانوا يحاولون السير باتجاه السفارة، فلهذا ذهبوا هناك أصلاً، فلماذا يحاول البعض ثنيهم عن ذاك الهدف؟!
شباب لائحة القومي العربي كانوا موجودين طبعاً، ومن أول الموجودين، لكن ليس وحدهم، وقد ساهموا بإطلاق التظاهرة، وفي ديمومتها وتصاعدها، وفي المواجهات اللاحقة، لكننا بالتأكيد لا ندعي المسؤولية عنها، لأن الشارع هو المسؤول عنها، رغم مشاركة عدد كبير من المجموعات الصغيرة فيها، وكل من يقول غير ذلك كذاب.
للأمانة، جاء عدد كبيرٌ من شباب الاعتصام من "خيمتنا الأولى" وشاركوا بالتظاهرة، لكن البعض الأخر أصر على لعب دور حاجز قبيل قوى الأمن.
وبالرغم من ذلك الحاجز، فإن الضرب والاستفزاز بدأ من قوى الأمن. الهجوم على المتظاهرين كان عنيفاً. لكن ليس أكثر من العادة، بل ربما أقل من العادة، ويتعجب المرء أحياناً مما يمكن أن يصبح بالنسبة له عادة... عشرات الجرحى وعشرات المعتقلين، لا فرق، هذا تعودنا عليه. بعض المعتقلين من شباب اللائحة الصغار بالمناسبة. لقد أبلوا بلاءً حسناً، لكن هذا أيضاً تعودنا عليه، ولكلِ امرئٍ من دهره ما تعودا... كما اعتدنا أن نسمع في شعر أبي الطيب المتنبي.
المشكلة كانت بالغاز... شخصياً كنت متعوداً على الوقوف بين ربع وثلث ساعة تحت سحب غاز المسيل للدموع في السابق، لكن الأسبوع الماضي واليوم لا يمكن للمرء الوقوف بضع ثوانٍ. فهذا الغاز ليس فقط مسيلٌ للدموع، بل من عوارضه شل التنفس، وحرق جلد الوجه. طبعاً عندما يتوقف الأوكسجين عن الدماغ يحدث الإغماء، ولذلك كانت هناك عشرات حالات الإغماء اليوم، حيث كان من المألوف أن ترى شاباً يركض أو شابة، ليسقط فجأة كالطود مغمياً عليه في الوحل أو بين أيدي زملائه. وخلال ذلك كانت قوات الأمن تطارد وتضرب وتفتح الرؤوس وتكسر الأيدي وتعتقل، واستمرت الاشتباكات بالحجارة، ثم انتقلت المطاردات إلى الأزقة المجاورة، وأصر جمعٌ على الوقوف في الشارع واستمروا بالهتاف، خلف خطوط رجال الأمن، وكان عددٌ كبيرٌ من هؤلاء من النساء والفتيات. تحدوا ووقفوا. تحدوا ووقفوا. تحدوا ووقفوا.
داخل المسجد اعتكف عشرات منا. الغاز لاحقنا، لكن ليس الأمن. فتاة دخلت مسرعة لتفقد وعيها على بعد مترين مني فجأة وتسقط على ضلوعها كشوالٍ من القمح. أسرع الشباب لنجدتها. حول الأعمدة داخل المسجد كنت ترى، حين ترى، شباباً مغمىً عليهم ذات اليمين وذات اليسار، بدون نظام محدد، ولا اتجاه إلا بوصلة القلب. ناشد الإمام عبر السماعات رجال الأمن أن يتوقفوا عن رمي الغاز، وأن يتيح لنا طريقاً للخروج، ثم طلب منا الخروج. خرجنا. وعندما وصلنا الشارع بدأ الضرب والاعتقال ورمي الغاز من جديد. التجئوا لخيمة الاعتصام فتأمنوا، قال البعض، دخلنا، الغاز يخنق. فضرب رجال الأمن قنابل غازٍ داخل الخيمة نفسها. الله أكبر على الظلم!
قرار الدفاع عن السفارة الصهيونية بهذا الشكل لا يمكن أن يكون قراراً وطنياً، فلا بد أنه كان قراراً غير محلي تنفذه أيادٍ محلية مقابل أجر معلوم... لكن هذا بات بديهياً الآن، كما أوضحنا في رسالة الأسبوع الماضي في لائحة القومي العربي.
هرب بعضنا إلى المسجد من جديد، وعندما خرجنا بعد انجلاء الغاز وقرار قوات الأمن السماح بإخراج الجرحى والمغمى عليهم، وجدنا المعارك بينهم وبين رماة الحجارة ما زالت مستمرة على أطراف المنطقة.
الإنجاز أن الشارع أوصل رسالة واضحة أن الاحتجاجات المنظمة حزبياً والمرخصة حكومياً وصمامات الأمان المسيطر عليها لا تمثل سقفه وليست مسارب آمنة للنظام الأردني. الشارع يريد إغلاق السفارة، وهذا أضعف الإيمان بالمناسبة. فواجبنا بالأساس هو واجب النصرة، بالمال والسلاح والمتطوعين والمؤن وما شابه، وبفك الضغط عن غزة، أما إغلاق السفارة فهو فقط لرد العار...
عمان
9/1/2009
أخوكم إبراهيم علوش
ملاحظة: علمنا بعد كتابة هذه الرسالة مساء يوم 9/1/2009 أن خيمة الاعتصام قرب مسجد الكالوتي قد تمت إزالتها بالجرافات من قبل الأجهزة الأمنية. وهي خسارة فعلاً، فلم تفد كل "حكمة" و"تعاون" القائمين عليها! وقد كانت الخيمة، قرب مسجد الكالوتي، إنجازاً حققه تحرك جماهيري في الأيام الأولى لمجازر غزة!
رسالة مسعود رحال حول مسيرة الرابية:
الأخوة الأخوات أعضاء اللائحة الأعزاء
تحية المقاومة والتحرير
بدأت مسيرة اليوم بعد صلاة الجمعة حتى وصلنا وجها لوجه مع قوات أمن سفارة العدو الصهيوني وهناك صدمتنا الكارثة فعوضا عن ترهل الأحزاب وتنسيقها مع النظام وحشدها لجماهيرها في مناطق أخرى كطبربور والبلد بعيدا عن السفارة التقينا ببعض أعضاء من اللائحة المعروفة انتماءاتهم وعدد لا بأس به من النقابيين وبعض من قوى الأحزاب التقينا بهم ولكن بوجه أخر إذ كانوا في صف الأمن وقد شكلوا فيما بينهم سلسلة من البشر تصد المتظاهرين عن التقدم وحالوا دونهم ودون قوى الأمن... هؤلاء الخونة المنهزمون! أقول سقط القناع اليوم وتكشفت الحقائق عن الجميع أنظمة أحزاب وشخصيات.
واستمرت التظاهرة وقد عقدنا العزم على التقدم وبدأنا فعلا التقدم وتكررت المحاولات حتى قرر الأمن استخدام القوة وفعلا تم استخدام القوة وللعلم أن قوة الأمن التي استخدمها النظام في صدنا هي قوة 14 من الدرك وهم من مكافحة الإرهاب لا مكافحة الشغب وعليه بدأت المواجهات لنفاجأ أن منطقة الرابية بأكملها محاصرة وعدد من المناطق المجاورة لها بعدة ألاف من قوى الأمن وهنا بدأت مواجهات الحجارة والكر والفر واستخدم الأمن القوة والعصي والغاز الذي استخدم بكميات مهولة جدا وطاردت قوى الأمن المتظاهرين لأحياء ومناطق مجاورة وللشوارع العامة وحتى بين البيوت كما قامت مجموعة أخرى من قوة الأمن بمحاصرة المعتصمين ومن لجأ إلى خيمة الاعتصام وقصفوهم بالغاز المسيل للدموع والحارق بعد أن حشروهم داخل الخيمة كما لم تتورع قوى الأمن من استخدام القوة ضد النساء والأطفال والشيوخ كما واستخدموا الماء وقد رأيت بعض الآليات لم أراها من قبل ولم أعرف ما وظيفتها.
واستمرت قوى الأمن باعتقال المتظاهرين حتى وصل بها الأمر لاستخدام سيارات خاصة تدور بين الشوارع وتعتقل المشاة وقد وقع عدد لا بأس به من المصابين والمغمى عليهم وعدد من المعتقلين من بينهم أعضاء من لائحة القومي العربي.
وأقول مرة أخرى إلى أنصاف الرجال ويعرفون أنفسهم الجبناء الذين وقفوا وحالوا بيننا وبين قوى الأمن أن الشعب لن يرحمكم كما أن الشعب سوف يدوسكم ويدوس كل متواطئ يا حيف على الرجال..
عاشت المقاومة
عاشت الأمة
يسقط الغزاة
يسقط العملاء
يسقط الخونة
ويسقط أنصاف الرجال
أخوكم مسعود رحال
رسالة د. عماد ملحس حول مسيرة الرابية:
شكلت مسيرة الرابية ليوم الجمعة التاسع من كانون ثاني باتجاه سفارة العدو الصهيوني في عمّان تحرّكاً مهماً وغير تقليدي في إطار التحركات الشعبية الداعمة لصمود أهلنا ومقاتلينا في غزة البطولة. ولقد غطى الأخ إبراهيم وقائع هذه المظاهرة بصورة تفصيلية، وسأكتفي هنا بإيراد بعض الملاحظات التي يمكن الاستفادة منها مستقبلاً، علماً بأنني قد علمت للتو بأن قوات الأمن قد أزالت خيمة الاعتصام المجاورة لمسجد الكالوتي وكذلك شواهد القبور الموضوعة هناك.
أولاً: أن حجم
المظاهرة لم يكن كافياً لإحداث خرق في الجدار الأمني الكثيف
والمتعدد الذي
أقامته قوات الأمن في مواجهة المتظاهرين، لكن المظاهرة
كشفت بوضوح
تقصير القوى والأحزاب والنقابات عن لعب دور أكبر مما تقوم به
الآن، ولو كان
تعداد المظاهرة أكثر من عشرة آلاف لكانت هناك إمكانية
حقيقية للوصول
إلى السفارة مع بعض التضحيات التي لا بد منها بالطبع.
ثانياً: لقد
حققت المظاهرة هدفاً مهماً جداً في هذه الظروف، وهو الهدف
الإعلامي
والسياسي، حيث تناقلت الفضائيات ووكالات الأنباء الحدث، مما
أظهر الهوة بين
الموقفين الرسمي والشعبي تجاه العدو الصهيوني وتجاه حربه
على غزة، رغم
العفوية الشديدة التي اتسم بها التحرك، وعدم وجود جهه
منظمة تديره
وتوجهه، ورغم بساطة الشعارات واللافتات التي رفعت والتي كان
يمكن أن تلعب
دوراً إعلامياً وسياسياً مهماً لو كانت مدروسة ومؤثرة خاصة
وان كل التفاصيل
كانت تنقل على الهواء مباشرة.
ثالثاً: رغم
الكرّ والفرّ في حركة المتظاهرين التي كانت تحاول أن تضغط
على حواجز قوات
الأمن التي كانت تقف وجهاً لوجه مع المتظاهرين، ألا إن
حجم الضغط كان
محدوداً بسبب عدم التخطيط لآلية الاندفاع إلى الأمام، وقد
استفادت قوات
الأمن من خروج عدد كبير من المتظاهرين لأداء صلاة العصر في
مسجد الكالوتي
القريب لتنقض على المظاهرة وتدفعها إلى الخلف حتى إشارة
المرور المحاذية
لشركة الاتصالات،
مستخدمة الهراوات وقنابل الغاز المسيل
للدموع وربما
غاز الأعصاب، وأؤيد الأخ إبراهيم فيما يتعلق بنوعية القنابل
المستخدمة حيث
أنها أكثر فاعلية مما تعودنا عليه، وبقي تأثيرها على
العيون والجسم
لفترة طويلة من الزمن. ولو بقيت المظاهرة بعددها الأصلي
قبل تخلخلها لما
تجرأت قوات الأمن على مهاجمتها.
هذه ملاحظات
يمكن الاستفادة منها في المظاهرات القادمة، ولا تنتقص من
أهمية ما حدث
بالأمس والذي يجب أن يستمر ويتصاعد لا لطرد السفير الصهيوني
فحسب وإنما
لإلغاء اتفاقية وادي عربة المذلة وإنهاء كل أشكال التطبيع مع
العدو. ولسوف
تنتصر غزة وننتصر بنصرها، علماً بأنها هي المنتصرة حتى
الآن بكل
المقاييس العسكرية والسياسية والإعلامية الموضوعية
.
Imad Malhas