(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
على الرغم من السعادة العارمة التي شعر بها الفلسطينيون والعرب والمسلمون، ومناصرو القضية الفلسطينية في كل مكان، عندما تم تفجير دبابة "إسرائيلية" من طراز ميركافا 3 على مرأى النظر في قطاع غزّة في 14 فبراير , 2002 , فإنه ما زال علينا أن نستوعب مليا المغزى الخاصّ لهذا العمليّة، بعيدا عن مجرّد كونها خسارة صهيونيّة أخرى في العدد والعتاد الباهظ الثمن والهيبة الصهيونية.
لاحقًا في ذلك الشّهر، تم تدمير دبابة ميركافا أخرى وبلدوزر مدرّع بالقرب من مخيم بلاطة في نابلس في 26 فبراير , 2002. وأثناء قيام الجيش "الإسرائيليّ" بالانسحاب من رام اللّه في مارس , 2002 شوهدت بقايا محترقة لدبابة ميركافا أخرى، طبقا لعدة تقارير. لم يعد بإمكان المؤسّسة العسكريّة "الإسرائيليّة" بعدها أن تتظاهر بأنّ تدمير دبابة الميركافا الأولى كان حدثا استثنائيا.
مع ذلك، فإنّ الأهمية الحقيقة لهذه العمليات لا تنبع من السبل البسيطة والعبقرية في آن معا التي استخدمها الفلسطينيون لتدمير وحوش الميركافا. خذ على سبيل المثال القصة الأولى لتدمير دبابة ميركافا 3 في غزّة : تفجير عبوة ناسفة زنتها ما بين 50 إلى 100 كغم عن طريق آلة التحكم عن بعد، أحدثت فجوة قطرها 0.5 متر في قاعدة الدبابة التي تزن خمسة وستين طنا، مما أرسل بالمحرك إلى قلب الدبابة، التي انفصل برجها عن هيكلها، وأرسل بمعظم طاقمها إلى جحيم عربي فلسطيني من نوعٍ خاص.
هذا بحد ذاته شهادة عظيمة على قوة الشعب في مواجهة التقنية المتقدمة في أيد قوى غاشمة. لكنّ دبابة ميركافا 3 ليست كأي دبابة أخرى، وهي ليست فقط ذلك النوع من الدبابات التي يستخدم منها جيش الدفاع "الإسرائيلي" 3600 دبابة من أصل 5000 دبابة (الدبابات ال 1400 الأخرى هي من نوع أبرامز 1 الأمريكية الصنع). إنّ ميركافا 3 يفترض بأنها جوهرة الصناعة العسكرية "الإسرائيلية"، فخر العبقرية اليهودية المطبقة على التقنية المتقدمة، إن جاز التعبير. تم تسويقها إلى العالم على أنها الدبابة الأكثر تحصينا في العالم، بنسبة إصابات للطاقم تصل إلى صفر بالمائة، مقارنة مع الدبابات الأخرى، التي لديها متوسط إصابات تصل إلى 26% (أو إصابات ممكنة للطاقم الذي يشغّل الدبابة).
لم لا؟ إنها مغلفة بثلاث طبقات من الدرع الواقي لحماية إضافية، خاصة في برجها. يقع محركها في مقدمة هيكلها. ذخيرتها مغلفة بأوعية خاصة من المفترض أنها مضادة للحريق والانفجار. وهي مزودة بنظام إلكتروميغناطيسي خاص لاكتشاف الأخطار المحتملة. نظام التكييف فيها مصمم لإعطاء طاقمها الحماية اللازمة ضد الإنبعاثات المشعّة والبكتيريّة والكيميائيّة. كما أنها مزودة بأشعة تحت الحمراء للرؤية الليلية. كما يتم الدخول والخروج من وإلى الدبابة من أبواب خلفية. وتستطيع هذه الدبابة تخزين كمية أكبر من الذخائر مقارنة مع غيرها من الدبابات، مما يجعلها قادرة على البقاء في ميدان القتال. باختصار، فإنّ دبابة ميركافا 3 لديها العديد من المواصفات، الأمر الذي ساعد في إحداث عقدة تفوق كبيرة لدى القيادة العسكرية "الإسرائيلية"، لكنّ غطرسة القوة هذه قد دُمّرت بشكل كبير على صخرة المقاومة الشعبية العربية الفلسطينية، عندما هزمت الانتفاضة الثانية أسطورة ميركافا 3.
هذه ليست مسألة غرور أو روح معنوية فحسب، على الرغم من الأهمية الحاسمة للأخيرة في المعارك. في الحقيقة، كان لدمار دبابة ميركافا 3 المتكرر نتائج رهيبة "لإسرائيل" استراتيجيا واقتصاديا، أي للسلطة والمال الصهيونيين.
فمن جهة، بالرغم من كل النفير الأمريكيّ والصّهيونيّ عن الصواريخ العربية والإسلامية بعيدة المدى، فإنّ الزعماء "الإسرائيليين" كانوا دائما يرددون بأنّ "إسرائيل" لا يمكن أن تُدَمَّر بالصّواريخ، ولكن فقط عن طريق الغزو البري. ونظرا إلى العمق الضيق جدا لمساحة الأرض "الإسرائيلية"، فإنّ هذا كان معناه أنّ المحافظة على التفوق في صناعة الدبابات أصبح ضرورة استراتيجية ملحة لمنع الاختراقات البرية التقليدية. من هنا جاء تطوير ميركافا 1، ميركافا 2، ميركافا 3، وميركافا 4 (الجاري تطويرها حاليا). النقطة المهمة هنا هي أنه بإيجاد الفلسطينيين نقطة الضعف في دبابة الميركافا، وبالتالي القضاء عليها باستخدام وسائل بسيطة نسبيا، فإن عقيدة الدفاع الصهيونية كلها، التي تعتمد على التفوق في سلاح المدرّعات للدفاع عن وجود "إسرائيل" تصبح مجرد بيت جالس على رمال متحركة. لذلك، فإنه إذا ما نشأت قيادة صلبة، على استعداد لمواجهة الصهيونية حتى النهاية، بدلا من أولئك الطفيليين السياسيين المتهافتين وراء دويلة فلسطينية تحت أي شرط ومضحين بكل المبادئ، فإنّ العقيدة العسكرية الصهيونية بالكامل سوف تتلاشى..
على الصعيد الاقتصادي، فإنّ تدمير دبابة ميركافا 3 في الضفة الغربية وقطاع غزة قد سدد ضربة موجعة للجهود الصهيونية لتسويق دبابة ميركافا 3 في جميع أنحاء العالم. فقد هبط فجأة سعر هذه الدبابة بشكل كبير في أسواق السلاح العالمية. كما تحطمت مشروعات تسويق هذه الدبابة في كل من الصين والهند وإفريقيا وبعض الدول الأوروبية الصغيرة، حيث كانت وزارة الدفاع "الإسرائيلي" تكثف من حملات التسويق هناك. وكانت قد بُذلت العديد من الجهود لإقناع تركيا بشراء ألف دبابة من طراز ميركافا 3، وتم بناء مصنع في المكسيك، بتمويل أمريكي، لتزويد سوق السلاح في أمريكا اللاتينية بدبابة ميركافا 3. الآن، كل ذلك أصبح في مهب الريح.
وهكذا، فإنّ تدمير دبابة ميركافا قد أحدث خسائر للصهاينة تتجاوز الخسارة الفورية في الرجال والمعدات، الناتجة عن تدمير هذه الدبابات. فقد قضى على صيت دبابة طراز ميركافا 3 المنيعة، وعلى سمعة سلاح المدرعات "الإسرائيلي"، ناهيك عن الضرر للتفوق المزعوم للتكنولوجيا والصناعة "الإسرائيلية". إنّ الخسائر الاقتصادية لم تسبب الضرر للصناعة والتجارة العسكرية "الإسرائيلية" فحسب، بل تعدت ذلك إلى أرباح المستثمرين الأمريكيين الذين مولوا مصنع المكسيك. من الناحية الاستراتيجية، فإنّ تدمير دبابة الميركافا قد أحدث فجوة كبيرة في العقيدة العسكرية الصهيونية كذلك. كما أنه أثبت مرّة أخرى مقدرة الشعب الحقيقية عند تصميمهم على مجابهة عدو متقدم عليهم من الناحية التكنولوجية.
لقد خافت "إسرائيل" كثيرا في عام 1999، عندما وقعت مصر اتفاقية لشراء مخزون من القذائف عيار 120 ملم لدباباتها، معروفة باسم "الطلقة الفضية"، مصنوعة من اليورانيوم المنضب. وفيما بعد تبيّن أنّ دبابة الميركافا ليست محصنة تماما ضد هذا النوع من الطلقات. مع ذلك، تمكّنت المقاومة العربية الفلسطينية من إلحاق الضرر الكبير "بإسرائيل" نفسها، وذلك بتدميرها لدبابة ميركافا، دون استخدام أي "طلقة فضية". وتلك هي ثمار الانتفاضة الثانية!
الصوت العربي الحر
(اقتُبِس بتصرّف من مقال في مجلة الدفاع الخليجية Gulf Defence Magazine عدد 63، أيار 2002صفحة 68 – 73 ، للدكتور خير الدين عبد الرحمن).