(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


سلسلة مقابلات الصوت العربي الحر

تنويه:
نسعى جاهدين دائماً لنقل كل ما يجري في المقابلات التي نقوم بها حرفياً توخياً للدقة، ولكن لا حاجة بنا أن نشير بأن نشر أية مقابلة في الصوت العربي الحر لا يعني بالضرورة أننا نوافق على كل كلمة تقال فيها – الصوت العربي الحر






مقابلة في بغداد مع عبد الجبار الكبيسي، أحد قادة المعارضة العراقية الوطنية

تمت المقابلة مع إبراهيم علوش في بغداد يوم 13/12/2002

الصوت العربي الحر: الأستاذ عبد الجبار الكبيسي، هل تستطيع أن تعرفنا عن نفسك، وكيف أصبحت معارضاً؟

الأستاذ عبد الجبار: أنا عبد الجبار سليمان الكبيسي، تخرجت كمهندس مدني من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1967، وأذكر أن أخر امتحان أخذته في ذلك العام صادف في يوم 5 حزيزان/يونيو، يوم النكبة. وقد انتميت إلى حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1958، وكان عمري آنذاك خمسة عشر عاماً. اعتقلت عام 1959 أيام عبد الكريم قاسم، ثم في عام 1960، بسبب نشاطي الطلابي. في عام 1961 ذهبت إلى بيروت وعدت منها إلى العراق بعد الحصول على شهادتي الجامعية.

عند عودتي كان علينا أن نؤدي خدمتنا العسكرية فدخلت كلية الاحتياط حيث تخرجت على راس الدفعة مما أعطاني حق اختيار المكان الذي أمضي فترة خدمتي العسكرية فيه، فاخترت قاعدة الوليد قرب الحدود الأردنية وكانت المقاومة الفلسطينية في بداياتها آنذاك، وكنت أقضي إجازاتي في الأردن، عشرة أيام كل ثلاثة أسابيع، وكنت أوصل من الأسلحة للمقاومة ما أستطيع إيصاله حيث أن طبيعة عملي كمهندس مطارات وملاجئ كانت تضطرني للذهاب إلى الأردن كثيراً، وكانت سيارتي العسكرية لا تفتش.

بعد 17 تموز/يوليو 1968 ومجيء قيادة أحمد حسن البكر إلى الحكم اعتقلت مدة تسعة أشهر ونصف أطلق سراحي بعدها، ولكني عدت للمعتقل بعد شهر لمدة سنة وسبعة أشهر، حيث أطلق سراحي بعدها في حزيران 1971.

الصوت العربي الحر: لماذا اعتقلت من قبل رفاقك البعثيين الذين استلموا الحكم للتو، لتهمة محددة أم لانتمائك للجناح الثاني من الحزب؟

الأستاذ عبد الجبار: نعم، لم تكن هناك تهمة محددة. ربما تم الاعتقال الأول على سبيل الاحتياط لأنهم أتوا للحكم حديثاً، أما الاعتقال الثاني فقد جاء إثر اعتراف أحدهم أنني كنت في التنظيم العسكري للحزب، وكان اعتقالاً دون محاكمة. ولكن بعد الإفراج عني عدت للعمل في الشركة النفطية التي كنت أعمل فيها أصلاً، وهي حكومية بالمناسبة. ثم بقيت في العراق أعمل في التنظيم السري للجناح الآخر في حزب البعث حتى آب/ أغسطس عام 1976.

الصوت العربي الحر: ماذا حدث في آب 76؟

الأستاذ عبد الجبار: اغتيل في دمشق المسؤول الأول عن العمل السري لجناح الحزب في العراق، أحمد العزاوي، وكان عضو قيادة قومية في سوريا، فاضطررت للذهاب إلى دمشق لأحل محله.

الصوت العربي الحر: كشفت أوراقك؟

الأستاذ عبد الجبار: طلعت إلى دمشق لكي لا أعود. كنت أعمل تحت الأرض، فخرجت إلى القاهرة، ومن ثم إلى دمشق، لأصبح مسؤول التنظيم السري داخل العراق...

الصوت العربي الحر: ولم تعد إلى العراق منذ ذلك الوقت حتى...؟

الأستاذ عبد الجبار: حتى يوم 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2002 عندما عدت إلى بغداد.

الصوت العربي الحر: ماذا كنت تفعل في سوريا؟

الأستاذ عبد الجبار: كنت عضواً في القيادة القومية، ومسؤول المكتب المعني بالعلاقة مع كل أطراف المعارضة العراقية من عربية وكردية. وفي عام 1980 شكلت الجبهة الوطنية القومية الديموقراطية في دمشق من كافة أطراف أحزاب المعارضة العراقية، ولم يكن لها رئيس، بل كان لها أمانة سر كنت أحد أعضائها مع جلال الطالباني وعزيز محمد عن الحزب الشيوعي العراقي وعوني القلمجي وآخرين، وكانت الأمانة للأحزاب لا بأسماء الأشخاص، فكان كل حزب هو الذي يختار مندوبه إلى الأمانة.

الصوت العربي الحر: ولكن العلاقة مع الحكم السوري بدأت تتوتر بعد ذلك؟

الأستاذ عبد الجبار: اعتباراً من 13 تموز/يوليو 1982 أصدرنا بياناً باسم الحزب والجبهة يدين محاولات إيران غزو الأراضي العراقية، خاصة وأننا كنا قد وقفنا ضد الحرب ابتداءً وضد دخول القوات العراقية إلى إيران، فليس من المعقول بعدها أن نوافق على دخول القوات الإيرانية إلى العراق. هذا فاقم اشكالات مع النظام في سوريا توجت عند احتلال إيران للفاو بعدها بسنوات، وقد أصدرنا وقتها بيان استنكار ضد محاولات احتلال الأراضي العراقية، ونتيجةً لذلك، فرضت عليّ الإقامة الجبرية في دمشق، واعتقل عددٌ من رفاقنا البعثيين العراقيين الموالين للجناح الحاكم في سوريا، ولم يطلق سراحهم حتى العام 1989.

وبعدها حدثت قصة الكويت، أي عادت الكويت إلى العراق، عند ذلك تمت لقاءات مع القيادة السورية وطلب مني أن أعود للعمل معهم فرفضت، فأعيد فرض الإقامة الجبرية عليّ بعد أن فكت عني مؤقتاً، واستمرت حتى أسبوع بالضبط بعد انتهاء حرب الخليج الثانية. بعدها رفعت عني الحراسات الأمنية، ولكن لم تكن لديّ أية إمكانية للسفر إلى الخارج لأني لم يكن لديّ جواز سفر. خلال حرب الخليج الأولى، بدأت تخرج قوى المعارضة العراقية من سوريا ومنها الأحزاب ذات التوجه القومي العربي وبعض العناصر الشيوعية التي لم تكن ترتبط بالحزب الشيوعي بعد انسلاخها عنه بسبب وقوف الحزب الشيوعي في القتال مع الجيش الإيراني ووقوع الحزب تحت هيمنة القيادات الكردية والقيادة السورية، وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية تكثف خروج المعارضين العراقيين من سوريا إلى أوروبا، أما أنا فبقيت في سوريا حتى عام 1997. في عام 1996، أعيد لي جواز السفر الديبلوماسي السوري، وعندما استخدمته لم أعد إلى سوريا قط.

الصوت العربي الحر: كيف كانت علاقتكم مع فصائل المعارضة العراقية في سوريا خلال ذلك؟

الأستاذ عبد الجبار: كانت تجمعنا وإياهم مواقف مشتركة ضد النظام ومن أجل الديموقراطية والحريات في العراق، ولكن التطورات السياسية أحدثت انشقاقاً في المعارضة إلى كتلتين تبلورتا خلال المرحلة الثانية من حرب الخليج الأولى وفي أثناء العدوان الثلاثيني على العراق: الجناح الأول مثّله الشيوعيون الرسميون والحركة الكردية بجناحيها، أما الجناح الثاني فمثّلته القوى القومية العربية والشيوعية التي رفضت التعاون مع إيران.

الصوت العربي الحر: أستاذ عبد الجبار، أنت أتيت إلى العراق كممثل للتحالف الوطني العراقي مع وفد يضم خمسة آخرين يمثلون الأجنحة الأخرى في قيادة التحالف. فما هو التحالف الوطني العراقي، ومن يضم؟

الأستاذ عبد الجبار: نفس المجموعات التي وقفت في سوريا ضد العدوان الأمريكي على العراق والتي خرجت إلى أوروبا بعدها، وكان لها قبل ذلك موقف من دخول إيران إلى العراق، كل هذه المجموعات عقدت مؤتمراً في السويد في حزيران 1992حيث شكلت التحالف الوطني العراقي بناءً على رؤية للحدث الذي تم، وعلى أساس إدانة الحصار على العراق، والمطالبة بإشاعة الحريات. أما القوى العراقية المعارضة المشاركة في التحالف الوطني العراقي فهي:

  1. الجناح الآخر من حزب البعث العربي الاشتراكي
  2. حزب الوحدة الاشتراكي (توجه ناصري)
  3. حزب العمل العربي (توجه قومي عربي/ ماركسي)
  4. الحركة الاشتراكية العربية (خلفية قوميين عرب، أكثر ميلاً إلى الماركسية)
  5. الجيش الإسلامي الكردي
  6. حزب السلام الكردستاني (نخبة من المثقفين والصحفيين الأكراد)
  7. التيار الوطني في الحزب الشيوعي العراقي
  8. مجموعة من المثقفين والسياسيين المستقلين

الصوت العربي الحر: ما هو الوزن الحقيقي لكل هذه المجموعات بين العراقيين في المهجر؟

الأستاذ عبد الجبار: نحن ليست لدينا إمكانيات حقيقية حتى تطرح المسألة بهذا الشكل. المواطنون العراقيون في الخارج خرجوا سعياً وراء لقمة العيش والأحزاب المعارضة كلها ليس لها وزن حقيقي بينهم، ليس نحن فحسب، بل حتى القوى المعارضة العراقية التي تتلقى أموالاً خليجية وتسهيلات سياسية تفرضها أمريكا على دول العالم. هؤلاء لديهم إمكانيات وليس لديهم جمهور. وقد بلغ عدد التنظيمات العراقية المعارضة في الخارج 173 تنظيماً معظمها حركات ارتزاق ليس لها جذور أصيلة في العراق أو خارجه.

الصوت العربي الحر: حسنٌ. هل لديكم جمهور داخل العراق؟

الأستاذ عبد الجبار: نعم لدينا جمهور داخل العراق، لأننا لم نأت من فراغ، ولكن ليست لدينا قوى منظمة. تاريخياً، التيار القومي في العراق كان له جناحان: البعث والقوميون العرب. وكنا نوازي، أو أكثر من نوازي، تيار البعث الحاكم حالياً. جمهورنا نحن يتطابق مع النظام في الخطوط العريضة الوطنية والقومية، ولكن ليس في مسألة الحريات، التي ما تزال موضع خلاف. فالحزب يحكم بمفرده. الجمهور الذي قابلناه عندما أتينا هنا يؤيد الحكم في توجهاته الوطنية والقومية، ومستعد أن يقاتل دفاعاً عن العراق ضد الحصار والعدوان، ولكنه يعتقد أن إشاعة الانفتاح السياسي سيعزز صمود الوطن ضد العدوان والحصار. هذا الجمهور رحب بمجيئنا، واعتبر أنها خطوة على الطريق الصحيح. وحتى لو أراد الحكم أن يقتلنا، علينا أن نقاتل معه ضد العدوان وإلا فسنفقد مبرر وجودنا.

الصوت العربي الحر: استبقت سؤالي حول أسباب العودة إلى العراق...

الأستاذ عبد الجبار: منذ 1992 أصبح لدينا هذا الخط السياسي ضد المشاريع الأمريكية، وإدانة القوى التي تتعامل مع الأجنبي، وكنا نشيد بصمود شعبنا وبإعادة بناء بلدنا والوقوف ضد الحصار. ومنذ ذلك الوقت كنا مقتنعين أن العراق دخل مواجهه تاريخية ستكون لها صفحات كثيرة لم تطوَ آخرها عام 1991، مواجهة سوف تستمر بوجوه عديدة. لم نقتنع أن الحصار سوف يرفع بسنة أو سنتين. هذه المواجهة تتطلب أن تتاح الفرصة لإطلاق الحريات السياسية، ومن هنا دعونا للمصالحة الوطنية لتعزيز صمود شعبنا ضد الحصار والعدوان.

وفي أيلول/سبتمبر عام 2000 عقدنا المؤتمر الثاني للتحالف الوطني العراقي في لندن، وقد حضره 104 مندوبين من الدول الأخرى، وأود التنويه أن المؤتمر كله عقد بتمويل ذاتي من المشاركين.

الصوت العربي الحر: ألم يحاول الأمريكيون أن يمدوا جسوراً مع التحالف الوطني العراقي أو أن يتصلوا به؟

الأستاذ عبد الجبار: أبداً، لأن موقفنا منهم معروف، فنحن ندعو لمقاتلتهم، وقد قمنا بمظاهرات ضدهم أمام السفارات الأمريكية في أوروبا الغربية للمطالبة برفع الحصار واحتجاجاً على استمرار أمريكا بإبادة أطفال العراق.

الصوت العربي الحر: ماذا عن القوى المعارضة الأخرى المتعاونة مع أمريكا، مثل المؤتمر الوطني العراقي، ألم تحاول التنسيق معكم؟

الأستاذ عبد الجبار: هؤلاء تشكيلة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الCIA ، مجموعات كانت مخبأة في الثلاجات أخرجوها وسخنوها قليلاً. كثيرون منهم كانوا من أهل الحكم بالمناسبة، عندما ساءت الأحوال "ضبوا شنطتهم" وتركوا وانضموا إلى الطرف الأخر.

الصوت العربي الحر: ماذا عن مجلس الثورة الإسلامية في العراق، هل حاولوا الاتصال بكم؟

الأستاذ عبد الجبار: مجلس الثورة الإسلامية في إيران ورقة إيرانية قاعدتها من الأسرى العراقيين والحرس الثوري الإيراني، وقيادتها ليس بينها عراقي أصلي واحد، حتى باقر الحكيم أصفهاني، وليس عراقياً، ولم يحاولوا الاتصال بنا. 

الصوت العربي الحر: في الشمال الكردي؟ 

الأستاذ عبد الجبار: هناك يوجد الشيوعيون الرسميون وجناحا الحركة الكردية الموجودان قبل عام 1991، وهذه حركات ذات وجود أصيل في العراق. مع الحركات الكردية نتصل بأفراد، أما الحركات السياسية فقد قطعنا معها الاتصال منذ عام 1991. أما الشيوعيون فقد انبثقت عنهم كتلتان وطنيتان، أحدهما معنا في التحالف (كتلة خالد سلام وأحمد كريم)، والكتلة الأخرى هي الكادر المتقدم (كتلة عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي باقر إبراهيم الموسوي) نحن على تواصل أسبوعي معها، وهم لا يريدون الدخول في تجمعات قبل بلورة تنظيمهم. الحزب الشيوعي الرسمي واقع تحت تأثير الحركة القومية الكردية، ولكن أكثر من نصف أعضائه على الأقل أفراد وطنيون لا شك بهم، ولو كان في العراق خطاب تصالحي، ولو تمكنا من خلق أجواء للتسامح واحترام الآخر، أعتقد أن هؤلاء الأخوة في الحزب الشيوعي العراقي لن يقبلوا بنهج قيادتهم الحالي وسيعودون إلى بلدهم ليشكلوا كتلتهم الشيوعية الوطنية. الكتلة الحقيقية في الحزب الشيوعي وطنية دون شك، ولكن الجهود الأمريكية المنصبة على العراقيين في الخارج، وعدم وجود انفراج داخلي، يضع هذه الكتلة الوطنية في مثل هذا الظرف. أما قيادة الحزب فقد غرقت في المال الكويتي. وكانت الخارجية الأمريكية قد أصدرت قائمة باسم سبع عشرة مجموعة عراقية تستلم المساعدات منها عندما سئلت من الكونغرس عن الأطراف التي تستلم الأموال خارج المؤتمر الوطني العراقي، وكان على هذه القائمة اسم منتدى أو منبر للمثقفين الشيوعيين العراقيين في لندن.

الصوت العربي الحر: هل نفهم من ذلك أنه لا توجد معارضة عراقية في الخارج ذات وزن ومصداقية يمكن أن تشكل بديلاً للنظام؟

الأستاذ عبد الجبار: لا!

الصوت العربي الحر: حتى تلك الموجودة عند الإيرانيين؟

الأستاذ عبد الجبار: أنت تقول عراقية، لا امتدادات إيرانية. انتبه أن المعارضة في الخارج متشرذمة على خطوط اثنية ومذهبية، ولو أتت بهم أمريكا ستحدث مذابح في العراق، فهي معارضات بقيت محصورة في أطر ضيقة من الانتماء العصبوي والمذهبي، لا بل أن هناك ستة أو سبعة أحزاب تركمانية مثلاً، وكذلك هنالك ثلاثة تنظيمات آشورية. هؤلاء لم يشكلوا تنظيمات عراقية، بل شكلوا مناخاً وأرضية لنمو جذر حقيقي للإحتراب الداخلي، وستكون دماء لو قدر لهم يوماً أن يستلموا السلطة. من هنا تأتي أهمية الحركات الموجودة في التحالف الوطني العراقي وقواعد الحزب الشيوعي الذي تنهج قيادته الآن نهجاً مدمراً ومعادياً للوطن.. المعارضون الوطنيون فعلاً هم اليوم الذين لا يملكون شيئاً ولا تدعمهم دول، ولو أتوا للعراق سيجتمعون على خطهم الوطني فيه. حتى الأكراد، لا أقول أن الحركة الكردية بأسرها من صناعة الموساد والCIA، ولكن لاشك بأن الموساد والCIA يستثمرون الحركة الكردية.

الصوت العربي الحر: ما دامت هذه مواقفكم، لماذا احتجتم إلى كل هذه المدة لتعودوا إلى العراق؟

الأستاذ عبد الجبار: فلأوضح أولاً أنني لست مجرماً عاد بناءً على عفوٍ ما. كانت هناك أجواء إحتراب مكلفة جداً. أنا مثلاً أعدم أخواي عام 1981 لا لشيء إلا لأنهما أخواي. أجواء الإحتراب هذه كانت بحاجة لوقت طويل لخلق جو من الثقة. القيادة في العراق كانت تلاقينا من قبل وجهودها منصبة لمواجهة الحصار. أما وجهة نظرنا فكانت أن إشاعة أجواء المصالحة مع الوطنيين العراقيين هي الشرط لمواجهة الحصار وليس تأجيل المصالحة. فلأوضح أننا لا نطمح في سلطة ولا نقبل الاشتراك في سلطة، ولكننا نريد فرصة القتال دفاعاً عن الوطن. وبعد لقاءات متباعدة على مدى سنوات، وجهت لنا دعوة رسمية للمجيء بناءً على قرار لدى القيادة العراقية بالمباشرة بإعداد قوانين كما وصلنا تتيح التعددية الحزبية والصحافة الحزبية، وبالقيام بسلسلة من الإجراءات لخلق أجواء تسامح. وكان من المفترض أن نصل قبل شهرين ولكننا لم نحصل على تأشيرات الدخول اللازمة إلا في بداية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر.

الصوت العربي الحر: كيف كان الاستقبال واللقاء الرسميين؟

الأستاذ عبد الجبار: كان الاستقبال جيداً واللقاء حميمي. المسؤولون أكبروا خطوتنا بالمجيء. وقد طرحنا ضرورة احترام الآخر وإشاعة أجواء المصالحة، كما طرحنا ضرورة السماح بتشكيل أحزاب وصحافة حرة على قاعدة التصدي للعدوان والمشاريع الأمريكية إزاء المنطقة، وأكدنا على أهمية العمل لتحشيد القوى وإعادة تصليب الوحدة الوطنية، وأن هذه هي الأدوات الأساسية في المقاومة. فنحن قد لا نستطيع أن ننتصر عسكرياً، ولكن نستطيع أن نصمد، والصمود هو الذي يمكن أن يرفع كلفة العدوان بحيث يضطر العدو للانسحاب. وقلنا أننا نتمنى أن تكون القيادة مرنة في التعامل مع ملف الأسلحة والتفتيش لأن عدم قيام الحرب هو نصر للعراق.

الصوت العربي الحر: هل وجدتم تجاوباً بالنسبة لما طرحتموه مع القيادة حول التعددية على قاعدة الوطنية، وهل هناك إجراءات عملية في هذا المجال وجدول زمني محدد؟

الأستاذ عبد الجبار: لقد شكلت لجنة عليا برئاسة الأستاذ عزة إبراهيم لإعداد دستور وقانون للتعددية الحزبية وقانون للصحافة يعطي الأحزاب حق إصدار الصحف. قيل لنا أن إعداد المسودات سوف يحتاج إلى شهر على الأقل، لا بد بعدها من إقرار هذه القوانين في المجلس التشريعي، وهذا سيحتاج إلى بعض الوقت أيضاً، ولكن بالنسبة لنا في التحالف الوطني العراقي بلغنا أننا نستطيع ممارسة هذه الحقوق فوراً تحت بند "تحت التأسيس".

الصوت العربي الحر: هل ستستفيدون من هذا العرض؟

الأستاذ عبد الجبار: نحتاج أن نعود لمناقشة هذه الأمور مع إخواننا في أوروبا. من الممكن أن يأتي بعضنا للعمل بناءً على هذا العرض خلال ثلاثة أشهر، وأن يأتي بعد ذلك عدد أكبر منا مع بداية فصل الصيف. ولكن حتى ذلك الحين بإمكان الدولة ومن الضروري أن تبادر لاتخاذ قرارات بالاضافة إلى هذه القوانين لتسهيل حياة المواطنين، وأن تلغي كل الإجراءات ذات الطابع القسري. مثلاً، في الإحتراب بين القوى الوطنية الذي بدأ منذ عام 1959، نتمنى أن يصدر قرار باعتبار كل من سقط أو قضى في هذا الاقتتال الداخلي من كافة الأطراف شهيداً للعراق وليس شهيد الحزب الفلاني أو غيره. هذا يعيد الاعتبار للكثير من العائلات ويخفف من العوائق الإدارية أمام حقوقها المدنية والطبيعية ولا يكلف الحكم شيئاً. كذلك لا بد من التعويض على عائلات الذين أعدموا وصودرت أملاكهم. ومن الضروري أن يكون الخطاب مع كل أطراف المعارضة خطاباً تصالحياً. وقد قالوا أن كل عراقي معارض مهما بالغ في مهاجمة النظام يستطيع أن يعود دون سؤال أو جواب ولن يلاحق، وأن الذي يلاحق هو فقط من يشترك في الجهد الاستخباري الأمريكي أو الصهيوني، ونأمل أن ينعكس هذا الطرح في الإعلام والخطاب الرسمي. فمهما أخطأ العراقي في الخارج يعود هذا إلى الجهود الأمريكية وعدم وجود خطاب تصالحي داخلي، وعلينا أن نفكك هذا الجهد الأمريكي بالمصالحة الداخلية. الكتلة الكبيرة منهم ليست خائنة بل وطنية. نختلف مع البعض، نعم، ولكن أن نتعادى ونتحارب، لا. بعض هؤلاء هاجمونا في مظاهراتنا ومع ذلك لا نفقد الرؤيا بصددهم. علينا أن ننقذهم من دائرة الخطأ وهذا تتحمل مسؤوليته الدولة. 

العراق بلد أصبح كبيراً في الخارج بخوضه المواجهة عن العرب والبشرية ضد العدوان الأمريكي، ويليق بهذا البلد أن يكون له مشروع داخلي كبير أيضاً.

الصوت العربي الحر: هل تريد أن تقول كلمة أخيرة؟

الأستاذ عبد الجبار: نعم، أريد أن أقول أن حصر المواجهة مع العدوان في جغرافية العراق ليس في مصلحة الأمة. أنا لا أتحدث عن قتال العدوان خارج العراق هنا، بل أقول أن علينا أن نبني نموذجاً للحياة السياسية في العراق يشد الأمة بأسرها إليه، نموذجاً إيجابياً لكل الوطن العربي. علينا أن نبني حياة سياسية نعتز بها، نموذجاً للعالم الثالث أوسع من الوطن العربي. البشرية بأسرها سوف تكتشف يوماً أنها مدينة للعراقيين في مواجهة التوحش الأمريكي. لذلك، علينا أن نسقط ورقة الديكتاتورية من يد أمريكا كما أسقطنا التذرع بورقة أسلحة الدمار الشامل. نحن نعرف أنهم لا يريدون ديموقراطية. فالديموقراطية لا تأتي مع الصواريخ والبوارج. نحن لدينا مشروع قومي نهضوي، ونريد أن نقاتل المشروع الصهيوني في بلادنا. لذلك يجب أن نبني قوة سياسية مقاتلة. فالمسألة ليست فقط مسألة استقرار الحكم، بل كيف يشع المشروع النهضوي في الوطن العربي. وأنا لا أريد مركزاً حكومياً حتى أموت. أريد فقط حقي أن يكون رأيي مستقلاً غير خاضعٍ للسلطة. نعرف أن القيادة في العراق عرض عليها قبل صدور القرار 1441 بأكثر من أسبوعين أن المشاكل يمكن أن تحل لو قبلت ببناء علاقة مع "إسرائيل" ضمن إطار ما يسمى كذا "السلام العادل والدائم"، وقد رفضوا بشكل قاطع، وما داموا مصرين على هذا الرفض فإننا لا يمكن أن نختلف معهم.