(صوتك في عالم أسكتت فيه المال والحديد والنار صوت العدالة)
في ندوة عقدت يوم 11/7/2004 في مجمع النقابات المهنية في عمان حول تعميم المصطلح التطبيعي في وسائل الإعلام العربية، تساءل رئيس اللجنة الثقافية في المجمع د. نزيه عبابنة بإلحاحٍ مشروعٍ عن هوية الفئة التي تطبخ ثم تقدم بانتظام للعقل العربي تلك الوجبات المسمومة من نوع: "العمليات الانتحارية" (بدل الاستشهادية)، أو "المتشددين والمتطرفين" (بدل المقاومين)، أو "الأراضي الفلسطينية" (بدل فلسطين)، أو "حاجز إيريز" (بدل معبر بيت حانون)، أو "حائط المبكى" (بدل البراق، وهو الجزء الجنوبي الغربي من جدار المسجد الأقصى)، أو "وزير الدفاع الإسرائيلي" (بدل وزير الحرب الصهيوني)، أو "الشرق الأوسط وأزمته" (بدل الوطن العربي والعالم الإسلامي وغزوه أو احتلاله)، وغيرها من المصطلحات التي عرضتها خلال الندوة المذكورة.
الإجابة التفصيلية على سؤال "من ينشر المصطلح التطبيعي وكيف" تتطلب جهداً بحثياً وتكرساً كبيرين يجب أن تتبناه مؤسسات. فإذ اقتضى الحال حصر موجزها في حيزٍ سياسيٍ صغير، لم يتعدَ الخطوط العريضة بالضرورة، كانت الإجابة كما يلي: لا يتعلق نشر المصطلح التطبيعي بمؤامرة إعلامية دولية أو إقليمية بقدر ما يتعلق بطبيعة وسائل الإعلام العالمية والإقليمية وهوية ومصالح القائمين عليها.
مثلاً، إمبراطورية وسائل الإعلام والترفيه الأمريكية، الأكبر حجماً من حيث مواردها ووصولها وهيمنتها على وسائل الإعلام والترفيه غير الأمريكية، تبدو ظاهرياً كثيرة ومستقلة، ولكنها في الواقع ملكٌ لحفنة شركات كبرى تسيطر مالياً وإدارياً على آلاف هذه الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفزيون ودور النشر واستديوهات الموسيقى والأفلام السينمائية والمسلسلات والبرامج التلفزيونية، وعلى شبكات دور عرض الأفلام السينمائية نفسها.
اليوم أكبر تلك الإمبراطوريات الإعلامية والترفيهية مثلاً شركة إيه وول تايم ورنز البالغة مبيعاتها من المنتجات الإعلامية والثقافية والترفيهية عشرات مليارات الدولارات سنوياً فقط. ويرتبط هؤلاء العمالقة بدورهم بعلاقات مع شركات عملاقة غير إعلامية، قد تعمل في مجال الصناعة العسكرية أو النفط أو غيرها. ومن الأمثلة على هذا، ملكية شركة جنرال الكتريك لشبكة تلفزيونات أن بي سي، وملكية شركة أي تي تي التي تصنع السلاح شبكة تلفزيونات أيه بي سي.
المهم أن المصالح الاستراتيجية الدولية لتلك الشركات، متعدية الحدود في معظمها، هي التي تملي نهج وسائل الإعلام التي تملكها لتشكل من خلالها الرأي العام الأمريكي والعالمي، وتملي النهج السياسي للدولة الأمريكية نفسها، لا بل الخيار الانتخابي للمواطن الأمريكي. فمن البديهي إذن أن تعكس مفردات خطابها الإعلامي مصالحها السياسية وغير السياسية ورؤيتها هي للعالم، خاصة من ناحية العداء لكل حركات التحرر الوطني في العالم، العربية منها بشكل خاص.
وبعدها أضف عاملين تآمريين:
1- مدى التغلغل اليهودي في وسائل الإنتاج الإعلامي والثقافي والترفيهي تلك، في أمريكا خاصة، والغرب عامة.
2-تدخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الأمريكية الفعال للترويج لسياساتها، ومن الأمثلة على ذلك دور البنتاغون الإعلامي المعروف خلال العدوان على العراق، ومن قبلها الحرب الباردة.
ولكن من جهتنا نحن كعرب ثمة عوامل أخرى مقابلة تعزز تغلغل المصطلح التطبيعي وصناعته، وتنشر النهج الإعلامي المعادي، مثل:
1- الدونية التي يشعر بها الكثير من المثقفين والإعلاميين العرب تجاه الغرب، وبالتالي نزوعهم الغريزي لنيل القبول في الغرب أو "العالمية" بأي ثمن، مما يدفعهم لتقليد الخطاب المعادي ومصطلحاته كالببغاوات، ومن ذلك خطاب مجلس العلاقات الإسلامية-الأمريكية الذي يدين العمليات الاستشهادية أو تقرير التنمية البشرية العربي الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة الذي يجعل مشكلة العرب والمسلمين مشكلة ثقافتهم وتقاليدهم أولاً.
2-وهذا غير مشكلة الكتاب والإعلاميين العرب المأجورين بالمناسبة، وهؤلاء ليسوا قلة، وهو ما يوثق بعده التآمري كتاب "الحرب الباردة الثقافية".
3-حقيقة أننا مجتمعات مستهلكة أكثر منها منتجة، وينسحب هذا على المنتجات الإعلامية والثقافية والترفيهية، ومن ذلك مثلاً أن ترى المصطلحات التطبيعية في الصفحات الداخلية لصحف وطنية وقومية وإسلامية لأنها أخذت تقريراً لرويترز أو الأسوشييتد برس كما هو دون تدقيق.
4-ولا ننسى بالطبع الدور الإعلامي الكبير، العلني والخفي، لأجهزة مخابرات عربية عديدة معنية بالترويج للتطبيع و"اجتثاث جذور الإرهاب" و"كبح جماح التطرف"، ويبرز هنا الاستثمار الإعلامي-السياسي للأموال النفطية العربية في المقدمة.
كل نقطة أعلاه تحتاج بالطبع لبحث مستقل، ولكنها رؤوس أقلام لإجابة لا تحتمل التأجيل على سؤال خطير...