(صوتك في عالم أسكتت فيه المال والحديد والنار صوت العدالة)
سادساً: كيف نكسب الرأي العام العالمي
يعتقد أنصار "الشرعية الدولية" العرب أن كسب الرأي العام العالمي مرهونٌ بإسقاط خطاب التحرير والكفاح المسلح والحقوق التاريخية ليستعاض عنه بالمفردات والمنطق المنحوتين من خطاب القوى المهيمنة في النظام الدولي الجديد، مثل "مكافحة الإرهاب" و"التعددية الثقافية" و"القانون الدولي" و"المحرقة اليهودية" وإلى ما هنالك من ترهات لم ينتجها صائغوها ضمن سياق إعلامي وفكري متكامل إلا لتبرير سياسات معادية في الصميم لنا ولكل شعوب العالم الثالث.
فمفردات الطرف المعادي، العملة الصعبة للإعلام والقانون الدوليين، لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والمصالح التي أنتجتها. وبالتالي، فإن تبنيها يقود بالضرورة إلى التخلي عن ثوابتنا وحقوقنا التاريخية، وعن مشروعنا الاستراتيجي. ومن هنا، فإن ضيق الأفق وقلة النضج السياسي فقط هما اللذان يمكن أن يجعلا المرء غير قادرٍ على التمييز بين قبوله هو في المحافل الدولية إذا ما قدم التنازلات المطلوبة، وبين تحقيق أي إنجاز سياسي أو إعلامي أو قانوني أو غيره لمصلحة الأمة في هذه المحافل، وشتان ما بين الاثنين.
فعندما يعترف السياسي أو المثقف العربي ضمناً أو علناً بحق دولة العدو بالوجود، أو باحتلال العراق مثلاً، بحجة الانسياب من خرم إبرة مفردات العدو إلى أذن رأيه العام، فإن الطرف الخاسر في المعادلة هو بالضرورة من تنازل عن حقه التاريخي ومن قدم مشروعيته السياسية ثمناً لمقبوليته السياسية أو الشخصية.
ولا شك أن الطرف الأمريكي- الصهيوني يسعى لفرض هيمنته ونموذجه علينا لا بقوة السلاح فحسب، بل بجميع الوسائل الأخرى السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والقانونية. فالمواجهة معه مواجهة شاملة على جميع الأصعدة فرضها هو علينا لا ينجينا منها أن ندفن الرؤوس في أوحال الهزيمة والإحباط . ولذلك، لا بد لنا دائماً، كأفراد وجماعات، أن نطور وسائلنا وقدراتنا جميعها، لا العسكرية منها فحسب، ومنها وسائل المواجهة الثقافية والإعلامية والقانونية. ولكننا، قبل كل ذلك، يجب أن نسأل أنفسنا أولاً من هو معسكر أصدقائنا ومن هو معسكر أعدائنا ولماذا يعتبر بعضنا أن الرأي العام في معسكر الأعداء هو كل شيء وأن الرأي العام العربي والإسلامي والعالم ثالثي لا شيء!!
في هذا السياق يصبح الإعلام الأهم هو الإعلام المقاوم الذي يهيئ احتياطنا الاستراتيجي (أي رأينا العام العربي والإسلامي) للمواجهة الشاملة ويحصنه من محاولات الاختراق القادمة من أنصار "الشرعية الدولية" العرب الذين يروجون من خلال الصحف والفضائيات العربية مفردات الطرف الأمريكي-الصهيوني بحجة كسب رأيه العام، وهو ما يشكل التتمة الطبيعية لتخليهم عن خوض المواجهة مع العدو لمصلحة أيجاد موقع لهم من داخل أطره.
وفي هذا السياق أيضاً تنشأ الحاجة لإعلام بديل في الخارج يكشف همجية ومخططات الطرف الأمريكي-الصهيوني ويقدم ثوابتنا ومقاومتنا وحقوقنا التاريخية الثابتة بوسائل مبدعة ورائدة، فلا يجعل مقياس نجاحه مقدار قبوله من القوى السائدة في أوروبا أو أمريكا بل مقدار معارضتها له ومقدار نجاحه في تشكيك الرأي العام الأجنبي بكل الخطاب السياسي للنظام الدولي الجديد، أي تماماً كما يفعل أنصار "الشرعية الدولية" العرب بشكل معاكس في معسكرنا عندما يشككون بالثوابت مثلاً.
وفي هذا السياق أخيراً دعونا لا ننسى أن وسائل الإعلام التي تشكل الرأي العام الأمريكي، على كثرتها، تسيطر عليها حفنة من الاحتكارات الكبرى المرتبطة مع الشركات المتعدية الحدود واللوبي اليهودي بوشائج مالية وسياسية كثيرة. فعلينا أن نكف عن ترداد ما يمدح النظام الدولي الجديد به نفسه. فليس صحيحٌ أن إعلامه مفتوح لمن يرغب وأن التقصير من عندنا، أو أن محاكمه عادلةٌ أو أنه فاتحٌ أذرعه للسائلين. فانحياز أمريكا لدولة العدو لا يعود لقوة اللوبي اليهودي فحسب حتى ننافسه على ود أمريكا بوسائله، بل لتقاطع المصالح بين النخب الحاكمة في الغرب، من بريطانيا في القرن التاسع عشر إلى أمريكا في القرن الواحد والعشرين، مع المشروع الصهيوني. فهي طرفٌ معادٍ لأن مصالحها تتضارب مع مصالحنا، لا لأن اليهود يجرونها إلى مواقف تجهل كنهها. وبعد مجيء بوش الابن إلى الحكم في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، عين من ممثلي الشركات الكبرى وزراء بدل العدد الكبير من الوزراء اليهود في عهد كلينتون، ولم يؤدِ ذلك على الإطلاق إلى انخفاض منسوب العدوانية الأمريكية ضد العرب والمسلمين!
والخلاصة هي أن الذين يدعون لكسب الأنصار والمؤيدين في العالم كانوا حتى الآن يتصرفون وكأن ذلك يساوي العمل على إصلاح النظام الدولي الجديد سلمياً من الداخل، بينما المطلوب هو الثورة عليه.