(صوتك في عالم أسكتت فيه المال والحديد والنار صوت العدالة)
في حوار مع محمد أبو النصر، الذي يعد تقريراً دورياً لفعاليات المقاومة العراقية بالإنكليزية منذ اشهر، تكشفت فروقٌ سهلة ممتنعة في تغطية المقاومة العراقية إعلامياً ما بين طريقة "محايدة" تعارضها، وأخرى "غير محايدة" تؤيدها.
مثلاً، عندما حظر البيت الأبيض استخدام تعبير "مقاومة"، بدأت وسائل الإعلام العالمية تسمي رجال المقاومة العراقية: المتمردين أو المسلحين أو المهاجمين، ولكن ليس المقاومون. ولذلك علينا دائماً أن نستخدم مقاومة ومقاومين ومشتقاتها.
وفي حالات أخرى، تحاول وسائل الإعلام العالمية التعتيم على دور المقاومة العراقية من خلال شطب الفاعل أو استبداله أو استخدام أفعال مبنية للمجهول. مثلاً، قد تقول وسائل الإعلام: "قُتل جندي أمريكي في العراق اليوم بقنبلة أو متفجرة"، وكأن الأمر صدفة أو جريمة أو حادث، أو كأن الفاعل مجهول! والصحيح هو: قتلت المقاومة العراقية جندياً أمريكياً، أو قتلت متفجرة زرعتها المقاومة العراقية جندياً... والمعنى قد يبدو واحداً في الظاهر، سوى أن الطريقة الثانية تبرز فعالية المقاومة، وهو ما يجب أن نركز عليه باستمرار.
وفي مناورة تكتيكية أخرى، تركز وسائل الإعلام "الموضوعية" المعادية للمقاومة على الخسائر في صفوف المدنيين أولاً. مثلاً: قام "انتحاري" بتفجير سيارة مما أدى إلى مقتل أحد عشر مواطناً عراقياً. وبعد ذلك نكتشف عرضاً في طيات الخبر نفسه أن هناك ثمانية وخمسين جريحاً في صفوف قوات الاحتلال! والصحيح هنا أن نبرز خسائر قوات الاحتلال أولاً، لأنها المستهدفة بالهجوم، وهو ما يوحي عكسه أسلوب التغطية الأول بشكل متعمد.
في هذا السياق، نلاحظ استخدام هذا الأسلوب في تغطية الهجوم الأخير على القوات البولندية مثلاً، حيث وقعت الخسائر المدنية المزعومة في صفوف قوات الشرطة العراقية التابعة للاحتلال والموجودة بيوتها خارج القاعدة الأمريكية مباشرة، فهي ليست مجموعة مدنية أصلاً. كما أن وسائل الإعلام قللت من أهمية أن القوات البولندية سعت لتفجير سيارات الاستشهاديين قبل دخولها المجمع لحماية نفسها على حساب "المدنيين" العراقيين، حسب تعريفها!
وتسعى وسائل الإعلام العالمية لإظهار قوات الاحتلال وكأنها هي التي تمتلك زمام المبادرة في العراق. مثلاً تسمع ما يلي: قامت القوات الأمريكية باعتقال ثلاثة عراقيين يشتبه بصلتهم بالإرهاب بعد هجوم على دورية أمريكية. وهذا الخبر يجب أن تعاد كتابته بالشكل التالي: هاجمت المقاومة العراقية دورية أمريكية، فاعتقلت القوات الأمريكية ثلاثة عراقيين متهمةً إياهم بال "إرهاب"! والفرق أن الطريقة الثانية تضع المبادرة بيد المقاومة العراقية وتظهر تخبط قوات الاحتلال واعتدائها على المدنيين.
فالخبر نفسه تمكن صياغته بطريقة محابية لقوات الاحتلال، وهو ما تفعله وسائل الإعلام العالمية بصورة منهجية، ويجب علينا، حتى في ظل نقص المعلومات، أن نعيد صياغته بطريقة تكشف خدع الخط الإعلامي الأمريكي، وهو ما يشكل الامتداد الإعلامي لمعركة تحرير العراق.
وقد يفرض علينا نقص المعلومات أحياناً حدوداً قاهرة آنياً. مثلاً، قال خبرٌ قبل أيام أن قوات الاحتلال أرسلت قوة لتعقب "الإرهابيين"، فقتلت عراقياً واعتقلت آخرين! وانتهت القصة هكذا في وسائل الإعلام. ثم تبين فيما بعد على الإنترنت أن ما حدث فعلاً هو أن عراقياً عمره سبعون عاماً رفض الخروج من منزله ففجروه على رأسه، ثم أظهروا الأمر كنصر كبير على رجل مقاومة، ولم يأخذ الخبر الثاني نفس الحيز الذي أخذه الأول أبداً. في مثل هذه الحالات يجب أن لا نبقى أسرى العقلية الإعلامية التي تبحث فقط عن أخر خبر، بل يجب أن ننبش قصصاً قديمة عندما تتكشف معلومات جديدة حولها، وأن نفرض صيغة في تقديم هذه المعلومات لا تكرر الرسالة الأمريكية بين السطور.
وبما أن قوات الاحتلال تحب التقليل من خسائرها، فيجب علينا أن نضيف دائماً تعبير "على الأقل" أو "حسب اعتراف قوات الاحتلال" عند تناول التقارير الأمريكية عن خسائر قوات الاحتلال. وهو أضعف الإيمان، حيث أن التحقيق في الخسائر الأمريكية الحقيقية في العراق كان يفترض أن يكون على راس أولويات الإعلاميين العرب..