(صوتك في عالم أسكتت فيه المال والحديد والنار صوت العدالة)


 

المعركة على جبهة المصطلحات في الصراع العربي الصهيوني


د. إبراهيم ناجي علوش


محتويات الكراس

ثانياً: المصطلح التطبيعي و فن إدارة الخصم ضد نفسه

 

إذن مصطلح " الشرق الأوسط" يؤدي بالضرورة إلى تعديل أو تغيير الهوية القومية والحضارية لبلادنا . "فالشرق الأوسط" عندما يحل محل الوطن العربي والعالم الإسلامي، يكف الناس عن أن يكونوا عرباً أو مسلمين، ويصبحون عوضا عن ذلك نسخاً من نموذج نمطي يستسيغه العقل الغربي، أي "شرق أوسطيين".  كما أن مصطلح " الشرق الأوسط" مقدمة ضرورية للتطبيع ولإفساح مكان "لإسرائيل" في المنطقة.  فإذا قلنا مثلاً: الوطن العربي أو العالم الإسلامي، لا يعود لشيء غريب اسمه " إسرائيل" مكان في ذلك التعريف.

 

ولذلك كان لا بد لتعبير"الشرق الأوسط" الاستعماري أن يقحم عشرات المرات يومياً في وسائل الإعلام الرئيسية.  مثلاً، اسم الفضائية "الإسرائيلية" هو "الشرق الأوسط"! وهكذا، التراث العربي الإسلامي يصبح تراثاً "شرق أوسطي"، وحتى الأطباق العربية تصبح "مأكولات شرق أوسطية"، كما ورد على بطاقة الدعوة لإحدى نشاطات "حوار الأديان" .

 

"حوار الأديان" مثل "حوار الآخر"، حيث " الآخر" ليس الا الصهيوني المحتل الغاصب الذي يجب أن يتحول بقدرة قادر من عدو إلى مجرد شخص آخر حيادي وصولاً إلى تحوله إلى صديق ورب عمل وحليف استراتيجي وغير ذلك، من المصطلحات التي أنتجها مصطلح "ثقافة السلام" بغزارة خلال التسعينات، وهناك مراكز ومؤسسات صهيونية متخصصة لنشر هذه الثقافة منها "شبكة الشرق الأوسط" Middle East Web(لاحظوا الاسم)، ومركز إسرائيل/فلسطين للبحوث والمعلومات، وغيرها كثير، وهي شبكات تطبيعية بامتياز غير أن بعض أهم مهماتها نشر وتعميم المصطلح التطبيعي من خلال برامج التدريب للمعلمين أو برنامج "بذور السلام" المعروف.

 

وتتم عملية تكييف المواطن العربي على تقبل دولة العدو من خلال آلية إعلامية اكثر بطئاً ولكن أكثر تأثيراً أيضا.   فالكثير من المماطلة في محادثات السلام التي لا تنتهي، وجعل ما يسمى "عملية السلام" تمتد على مدى عقود، وسماع ذلك يومياً، صبحاً و ظهراً ومساءاً، من خلال وسائل الإعلام، يفيد بأن دولة العدو لا تريد أن تصل إلى اتفاق بسرعة، ولا تريد أن تنتهي هذه العملية الا وقد أشبعت أجيال من العرب يومياً بتفاصيل وتقلبات " عملية السلام".   طبعاً كانت المقدمة الطبيعية لذلك قبل التسعينات التأكيد المتكرر على مصطلحات مثل " السلام العادل و الدائم" و"قرارات الشرعية الدولية" و"الواقعية" الخ…

 

لكن بعض أكثر المصطلحات التطبيعية خبثاً اليوم هي تلك المتغطية بلبوس وطني.  خذوا مثلاً شعار"إسرائيل" الثنائية القومية، أو الدولة ثنائية القومية.  هذا الشعار يعني، ليس فقط الاعتراف بحق دولة العدو بالوجود، بشرط تغيير هويتها إلى دولة ثنائية القومية، إنه يعني فعلياً التخلي عن عروبة فلسطين، لأن ثنائية القومية لا تساوي عروبة فلسطين على الإطلاق بل تنفيها، والقول بدولة ثنائية القومية يقدم المشروعية للاستيطان الصهيوني في فلسطين منذ القرن التاسع عشر، هذا مع العلم أن من يدعون للدولة ثنائية القومية مثل عزمي بشارة، يعترفون ابتداءاً بحق دولة العدو في الوجود، ويطرحون برنامج يسعى إلى حصول  الفلسطينيين على حقوق أقلية فيها.   وأكرر التأكيد أن الحديث عن عزمي بشارة و دعاة الاندماج في المجتمع الصهيوني لا يعني أن هؤلاء يمثلون شعبنا في الأراضي المحتلة عام 1948، ولا يقلل أبدا من أهمية دعم صمود أهلنا على أرض فلسطين المحتلة عام 48.

 

ومن مصطلحات التطبيع بذرائع وطنية أيضاً، بالإضافة إلى ثنائية القومية، مصطلح "الحوار مع الآخر" بغرض معرفته أو كسبه أو تحييده، وهو مصطلح تضليلي يهمل التجارب التاريخية للشعوب التي أثبتت أن لا شيء مثل القوة والانتصارات يمكن أن تدفع الرأي العام في المعسكر المعادي على تغيير مواقفه، كما أن أنصار "الحوار مع الآخر بغرض كسبه" هم الذين يكسبهم الأعداء، وليس العكس، كما يتجلى من دعواتهم لإدانة العمل العسكري مثلاً لأنها تعرقل "الحوار مع الآخر"!

 

أخيراً، نجد دائماً مجموعة من المثقفين العرب تعوض عن شعورها بالدونية تجاه قوى الهيمنة الخارجية بتبني قيمها ومفاهيمها وأساليبها في الحياة والتفكير.  هذا النوع من المثقفين يصبح بوقاً للتخلي عن ما يسمونه " اللغة القديمة"  و" الشعارات الخشبية"، ولتبني ما يسمونه "لغة العصر" و"الشرعية الدولية" عوضا عنها.

 

وبمعونة التمويل الأجنبي تنشط بعض المنظمات غير الحكومية ضمن السياق نفسه تحت عناوين مختلفة، حتى تنشأ شريحة اجتماعية مستلبة تتمثل قيم ومفاهيم عدوها، فتصبح حليفاً غير مباشر له وعائقاً أمام ازالة الظلم والعدوان، ويبدأ كل ذلك عادةً بالاختراق الثقافي الذي يزحف علينا أولاً بجحافل من المصطلحات، وهذا يطرح أهمية التنبه لهذه المصطلحات، وأهمية التعامل معها نقدياً، وايجاد خطاب بديل يلتزم بالثوابت الوطنية والقومية.  وبالمناسبة، إن واحدة من الكلمات العربية القليلة جداً التي دخلت اللغة الإنكليزية في القرون الأخيرة مجتمعة هي كلمة "انتفاضة" Intifada    . الا فلنخترع المزيد من هذه المصطلحات!!

 

الآن، ماذا يفعل العدو إزاء الذين لا تنفع معهم المصطلحات التطبيعية السافرة أو المتحجبة بالوطنية؟ بعد تحديد المجموعات التي لا تنفع معها وسائل الترغيب والترهيب والابتزاز والإخضاع وغسل الدماغ وما شابه، وبعد أن يحدد العدو أولئك الذين عقدوا العزم على مواصلة السير في خط النضال بالرغم من كل الصعوبات، فإنه يبادرهم بأسلوب " إدارة طاقة الخصم ضد نفسه"، وهو مستقى من الفنون القتالية الشرق آسيوية القديمة، بالتحديد الأكيدو Aikido.  وفي حالة مقاومة التطبيع، تتم إدارة طاقة الخصم ضد نفسه إذن عندما يستخدم المصطلح المقاوم للتطبيع ضد مقاومي التطبيع أنفسهم، بغرض إثارة الفوضى والتغطية على المطبعين الحقيقيين. وهنا تقوم القوى المعادية بإثارة التشكيك والإضعاف وبفصل القيادة عن القاعدة عن طريق إلصاق أبغض صفة على قلب المناضل أو المجاهد بأخيه أو رفيقه أو قائده،  كما كان يحصل في أواخر التسعينات عندما قيل للجماهير الفلسطينية أن حماس والجهاد الإسلامي تنسقان مع الليكود الصهيوني في عملياتهما الاستشهادية. وكما يحدث اليوم في الغرب عندما يقول الصهاينة لأنصار الحركة النازية أن هتلر كانت أمه يهوديه، و كما فعل محمد برادة  وادوارد سعيد، وأنصار ترجمة الكتب العربية الى اللغة العبرية بناءاً على عقود مجزية مع دار نشر "إسرائيلية"، حين هاجموا  المطبعين في السياسة والاقتصاد لكي يغطوا على الجهود التطبيعية في الثقافة التي يقومون بها.  باختصار، العدو يعرف أن شعبنا يحتقر المتعاملين معه، ولذلك يجب أن نحذر كل الحذر، حين تلقى التهم جزافاً لكي تصيب المناضلين الحقيقيين، ولكي تغطي على المطبعين الحقيقيين.