(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
أثار إلغاء مؤتمر المؤرخين المراجعين في بيروت، الذي كان سينعقد في آخر آذار من عام 2001، والتأجيل القسري لندوة رابطة الكتاب الأردنيين مرتين متتاليتين، تساؤلين:
ولم تكن هذه كل التساؤلات التي أثارتها خلال شهر نيسان 2001 جهود الحركة الصهيونية الحثيثة لمنع مؤتمر المؤرخين المراجعين في بيروت أو ندوة رابطة الكتاب عن المؤرخين المراجعين في الأردن، أو بيان المثقفين العرب الأربعة عشر، الذي دعا الحكومة اللبنانية إلى منع مؤتمر المراجعين في بيروت مقدماً بذلك غطاءاً ثقافياً عربياً للجهود الصهيونية ولقمع النظام العربي للثقافة والمثقف.
تدعي الحركة الصهيونية، من خلال وسائل الإعلام الضخمة التي تسيطر عليها، أن المؤرخين المراجعين ليسوا إلا حفنة من الأصوليين المسيحيين المعادين للسامية. ولكن الحقيقة هي أن المراجعة التاريخية ليست إيديولوجية أو تياراً مذهبياً أو دينياً. إذ يوجد بين المؤرخين المراجعين مسلمون ومسيحيون وماركسيون وحتى يهود، ويوجد بينهم عرب وأوروبيون وأمريكان. فالمراجعة التاريخية ليست عصبية عرقية أو مذهبية، بل موقف انبثق عن منهج في التحليل تدعمه الأدلة والأساليب العلمية حول قضية تاريخية محددة هي الحرب العالمية وإرهاصاتها، وعلى رأسها ما يسمى بالمحرقة اليهودية.
وقد تعرض المؤرخون المراجعون على اختلاف أصنافهم، بسبب تبنيهم لهذا المنهج في تحليل ما يسمى "المحرقة" أو الهولوكوست، لاضطهاد شديد وعزل اجتماعي وطرد من الوظائف وسجن وغرامات باهظة وعمليات اغتيال.
واليوم، أصبح التعبير عن آراء مؤيدة للمراجعين جريمةً يعاقب عليها القانون في العديد من الدول الغربية التي تدعي خلاف ذلك أنها تدافع عن حرية الرأي.
لا، لا ينكر المؤرخون المراجعون أن يهود ماتوا في الحرب العالمية الثانية. لكنهم يقولون أن بضع مئات الآلاف من اليهود هلكوا في حرب بلغ عدد ضحاياها خمس وأربعين مليون نسمة. وقد استخدم المؤرخون المراجعون العلوم الدقيقة مثل الفيزياء والكيمياء ليثبتوا أن اليهود لم يبادوا بشكل منهجي في غرف غاز مزعومة كما تدعي الرواية الرسمية حول الهولوكوست.
وقالوا أن المحارق كانت تستخدم للتخلص من جثث الموتى من جنسيات مختلفة، وليس اليهود فقط، بعد موتهم، لتجنب الأوبئة. لكن محارق الموتى شيء يختلف تماماً عن غرف الغاز المزعومة. وتشير الدلائل العلمية أن غرف الغاز لم توجد أبداً . وتدل أبحاث المؤرخين المراجعين أن معظم الذين ادعى الصهاينة أنهم قضوا في غرف الغاز، ماتوا في الواقع بسبب مرض التيفوس، مثل الطفلة آني فرانك التي زوروا مذكراتها وجعلوا منها أسطورة مقدسة لا تمس في الغرب. فالمحرقة اليهودية صنمٌ صنعته الحركة الصهيونية في الثلث الأخير من القرن العشرين، والمؤرخون المراجعون في هذا السياق هم محطمو الأصنام.
المؤرخون المراجعون إذن لا ينكرون أن يهود ماتوا في الحرب العالمية الثانية، ولكنهم يستخدمون العلم في تكذيب الرواية الرسمية عن المحرقة في ثلاثة جوانب محددة هي:
أ) عدد اليهود الذين ماتوا في الحرب العالمية الثانية.
ب) الطريقة التي مات بها هؤلاء.
ج) التمييز المزعوم وفرادة موت اليهود في التاريخ البشري بأسره.
كثيراً ما يعرب الفلسطينيون والعرب والمسلمون عن إحباطهم باللامبالاة التي يقابل فيها الرأي العام الغربي المعاناة الفلسطينية والعربية على أيدي الحركة الصهيونية. والواقع أن الصهاينة نجحوا بتقديم أنفسهم للرأي العام الغربي كشعب لقي من الويلات في "المحرقة" ما يعطيه حق ارتكاب أي عمل ضد أي شخص في أي وقت بدون أي وازع. وغالباً ما يلوم العرب أنفسهم على التقصير الإعلامي الذي يعتقدون أنه يكمن في عدم قدرتهم على إيصال صورة صحيحة عن معاناتهم إلى الرأي العام الغربي. لكن الغرب لا تنقصه المقدرة على معرفة ما يعانيه العرب على أيدي الصهاينة، فهو يعرفه، لكنه يقلل من أهميته لأن صورة "المحرقة" قابعة ابدأً في خلفية عقله الجمعي ووسائل إعلامه، لذلك تتضاءل المعاناة العربية الحقيقية أمام المحرقة اليهودية المزعومة، وهنا تكمن المشكلة الأساسية.
وكشخص عاش وعمل ودرس وعلمَّ وكتب في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ثلاثة عشر عاماً، كنت من العرب الذين يجيبون حين يسمعون "المحرقة" تساق دفاعاً عن الحركة الصهيونية: لماذا يجب أن ندفع ثمنها نحن؟! فلا أحد، حتى اليهود أنفسهم، يتهمون العرب بأنهم هم الذين ارتكبوا المحرقة. وقد كنت أقود السيارة مرة عبر ولاية اركنسا، ولاية الرئيس السابق كلينتون، باتجاه ولاية أوكلاهوما، فوجدت بلدة صغيرة هناك اسمها فلسطين، وهناك بلدات كثيرة في الولايات المتحدة بهذا الاسم، فدخلتها ووجدت حولها أراض زراعية شاسعة، ثم بضعة آبار من النفط، فكتبت مقالة دعوت فيها الرئيس كلينتون أن يعطي اليهود فلسطين الموجودة في ولايته إذا كان يحبهم إلى هذه الدرجة، لعلهم يرحلون عن فلسطين العربية، لكن مسائل الجغرافية السياسية ليست بهذه البساطة، و"المحرقة" أقوى من المنطق.
إن أساطير "المحرقة" مهمة جداً بالنسبة للحركة الصهيونية، وبالتالي بالنسبة لنا، للأسباب التالية:
أ) إن الإدعاء القائل بأن اليهود أبيدوا بشكل منهجي من قبل الألمان في الحرب العالمية الثانية أصبح حجة لا تناقش حول ضرورة إيجاد ملجأ آمن لليهود في دولة خاصة بهم. "فالمحرقة" تعني الحاجة لوجود "إسرائيل"، وهذا معنوياً أقوى من الاعتراف بحقها بالوجود. وعندما لا يكتفي الصهاينة بالاعتراف القانوني، بناءاً على قرارات الأمم المتحدة الظالمة أو غيرها، بحقهم في الوجود، فإنهم يطالبون فعلياً بأن تعترف الأنظمة العربية بالحاجة اليهودية لوجود "إسرائيل". باختصار، إن "المحرقة" تبرر اغتصاب أرض فلسطين أمام العالم، والمطلوب الآن أن ينتقل العرب من الاعتراف بهذا الاغتصاب على مضض، بالقوة، إلى الاعتراف بالحاجة اليهودية إلى ممارسة هذا الاغتصاب من خلال اجترار أساطير "المحرقة"، فالمحرقة هي جوهر الاعتراف الثقافي بحق العدو بالوجود.
وكما قال الكاتب اليساري الصهيوني يوري أفنيري، ولا فرق بين اليمين
واليسار في الكيان الصهيوني، أن اليهود مثل رجل قفز من مبنى يحترق فوقع على رأس رجل
يسير في الشارع، واليهود وقعوا على رؤوس الفلسطينيين، فهم "ضحايا"، والفلسطينيون
ضحايا "الضحايا"، ولذلك لا يتعاطف العالم معهم، كما تعاطف مع الأفارقة في جنوب
إفريقيا، فلا مجال لمقارنة الإبادة [المزعومة] لملايين اليهود في :المحرقة"،
بالاقتلاع [الحقيقي] لبضع مئات الآلاف من الفلسطينيين من
أرضهم.
المراجعة
التاريخية إذن ليست مؤامرة لإنكار "المحرقة" بل طريقة لوضعها ضمن إطارها العلمي،
وبالتالي لوضع قيام "إسرائيل" ضمن إطارها العلمي، فالمسألة راهنة سياسياً، وليست
مجرد قضية أكاديمية تخص المؤرخين. وإذا كان الإدعاء القائل بأن اليهود أبيدوا بشكل
منهجي من قبل الألمان قد اصبح حجة لا تناقش حول ضرورة إيجاد ملجأ آمن لليهود في
دولة خاصة بهم، وبالتالي الحاجة إلى وجود "إسرائيل" في نظر الرأي العام العربي، كما
جاء سابقاً، فإن هنالك فوائد سياسية راهنة للجوانب الأخرى من أسطورة "المحرقة"
أيضاً.
ب) إن الإدعاء القائل أن اليهود أبيدوا بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ
البشري برمته، وهو ما يسمى بفرادة موت اليهود، أي أن اليهود ليسوا فقط شعب الله
المختار كما يزعمون، بل أن موتهم نفسه غير موت بني البشر باعتبار أنهم فقدوا حسب
زعمهم ستة ملايين على أيدي النازيين، هو الأمر الذي يستطيع أن يجعل من موت أي
صهيوني اليوم في الصراع العربي – الصهيوني أكثر أهمية من استشهاد أي فلسطيني أو
عربي أو مسلم. نلاحظ طبعاً هذه الازدواجية بوضوح في طريقة تعامل الإعلام الغربي مع
موت الصهاينة وطريقته في التعامل مع قتل الصهاينة للعرب، وغالباً ما تعزا هذه
الازدواجية لاعتبارات سياسية محضة، ولكن الازدواجية لا تقتصر على الإعلام الغربي،
بل تتعداها عامة وليس دائما،ً إلى المواطن الغربي نفسه الذي تبرمج ثقافياً، من خلال
جانب فرادة موت اليهود في أسطورة "المحرقة"، على التعامل مع موت اليهود بحساسية
فريدة من نوعها.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، فأسطورة فرادة موت اليهود في
"المحرقة" وشدة معاناتهم فيها بشكل لا نظير له في التاريخ، تقدم المسوغات الأخلاقية
لدولة "إسرائيل" وللحركة الصهيونية العالمية لانتهاك كل الأعراف الدينية والدنيوية
المعروفة للبشر وقوانين الأمم المتحدة بدون معارضة المواطن الغربي، وحتى بتعاطفه.
وهذا الأمر هو الذي يضيء الجانب الثقافي في تعاطف، أو على الأقل سكوت، المواطن
الغربي على قيام "إسرائيل" بقصف العراق وتونس ولبنان، وحيازة الأسلحة النووية، في
الوقت الذي يمدد فيه الحصار على العراق بحجة عدم سماحه بالتفتيش عن أسلحة أقل
شأناً.
ج) إن الإدعاء القائل أن بلدان وشعوب الغرب تتحمل مجتمعة ذنباً جماعياً
تاريخياً على جريمة "المحرقة" المزعومة، وترسيخ عقدة الذنب الجماعية هذه في أذهان
الغربيين من خلال وسائل الإعلام والترفيه والمناهج المدرسية، هو الجذر الأساسي لدعم
الرأي العام الغربي لدولة "إسرائيل" والحركة الصهيونية. وقد كان هذا الشعور الغربي
العام بالذنب الجماعي ظاهرة اجتماعية – سياسية حديثة نسبياً تبلورت بعد حرب عام
1967، وليس بعد الحرب العالمية الثانية، حسب الكاتب اليهودي الأمريكي نورمان
فينكلشتين في كتابه عن استغلال "المحرقة" لأغراض سياسية الذي صدر عام 2000 تحت
عنوان "صناعة الهولوكوست".
ويقول نورمان فينلكشتين في كتابه أن اللوبي الصهيوني
في الولايات المتحدة كان يتجنب إثارة "المحرقة" في وجه ألمانيا بعد الحرب العالمية
الثانية مباشرة تساوقاً مع الاستراتيجية الأمريكية العالمية في تجنيد ألمانيا وباقي
دول أوروبا الغربية في مواجهة الاتحاد السوفياتي.
المهم، أصبحت عقدة الذنب
الجماعية مصدراً مهماً للدعم المالي والعسكري والتقني والسياسي الذي لم تكن
"إسرائيل" لتقوم أو تستمر بدونه، وقد كتب غيري عن هذا الجانب في أسطورة "المحرقة"،
لذلك لن أسهب فيه، باستثناء الإشارة إلى أن عقدة الذنب الجماعية تجاه اليهود
والحركة الصهيونية ليست صنيعة الحركة الصهيونية وحدها، بل هي حاجة سياسية للحكومات
الغربية نفسها التي تدعم "إسرائيل" لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية.. ففي
الدول الغربية التي تتمتع بهامش نسبي من الديمقراطية يجب أن يتقولب المواطن على دعم
"إسرائيل" والحركة الصهيونية قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، و"المحرقة" تصبح هنا
الرافعة الثقافية لوعي سياسي لا يتساوق مع مصالح الحركة الصهيونية فحسب، بل مع
مصالح النخب الحاكمة في الغرب أيضاً.
ونخلص من كل ما سبق عن أهمية "المحرقة"
السياسية إلى السبب الذي يجعل المؤرخين المراجعين بخلفياتهم الإيديولوجية المتنوعة
يشكلون مثل هذا الخطر الجدي على الحركة الصهيونية وحلفائها: أنهم يستخدمون العلم
والعقل في التشكيك بكل جانب من جوانب "المحرقة" المزعومة، فيحرقونها ببرد المنطق
وماء الأقلام، ثم يبددونها بعد كشف هياكلها السياسية الصهيونية كالرماد
المنثور.
إن المؤرخين المراجعين إذن يهددون ببتر الشريان الذي تتغذى منه الحركة
الصهيونية في الغرب، ولذلك يحاصرون ويتعرضون لعمليات الاغتيال والتجويع. ولكن
جهودهم ومواقفهم تجعلهم حليفاً لا غنى عنه للفلسطينيين والعرب والمسلمين، حليفاً
خليقاً بالدعم والمساندة والتشجيع منا ومن كل المدافعين عن الحقيقة والعدالة في
العالم. وكما قال لي أحد أنصار المؤرخين المراجعين في أوروبا: "لن تتحرر فلسطين حتى
تتحرر عقول الأوروبيين من المحرقة".
بالمقابل، نجد بعض المثقفين العرب وقد خدعهم
أنصار الصهيونية بفكرة مفادها أن جعل القضية الفلسطينية تلقى القبول في الغرب يتطلب
منهم الاعتراف بالنسخة الصهيونية لأسطورة "المحرقة"، ويتطلب منهم المشاركة باضطهاد
المؤرخين المراجعين. ولكن هذا سلوك انتحاري من وجهة النظر السياسية، فالاعتراف
بالادعاءات الصهيونية عن "المحرقة" يمهد الطريق لما يلي الاعتراف بها، مثل:
أ)
القبول باغتصاب فلسطين وبمشروعية الغزو اليهودي لها من خلال قبول الرواية الصهيونية
عن المبرر الذي "اضطر" اليهود للمجيء إليها.
ب) القبول ضمنياً بالغطاء الثقافي
للدعم السياسي والمالي والمعنوي الذي يقدمه الغرب للحركة الصهيونية، الأمر الذي
يعيق الجهود المخلصة للعديد من العرب الناشطين في الغرب من أجل كسب التأييد للقضية
الفلسطينية.
ج) القبول ضمنياً بأحد دوافع الحصار على العراق، فالعراق يعتبر
أولاً وأخيراً خطراً على "إسرائيل"، وتختلط ذكرى تدمير العراقيين القدامى لمملكة
إسرائيل البائدة قبل آلاف الأعوام، وأسطورة "المحرقة" في هذا السياق، مع الصواريخ
التي وقعت على تل أبيب في حرب الخليج الثانية، لإعطاء صورة قاتمة عن شعب يهودي تحت
خطر دائم يتطلب رده استمرار الحصار على العراق بعد أكثر من عشر سنوات على خروجه من
الكويت. وعندما يقول الساسة الغربيون أن العراق يشكل خطراً على جيرانه، من تعتقدون
أنه المقصود بهذا القول أكثر من "إسرائيل"؟
الأهمية السياسية لأسطورة المحرقة