(صوتك في عالم أسكتت فيه المال والحديد والنار صوت العدالة)
الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة
الوجود العسكري الأمريكي في الباكستان
يعتبر الباكستانيون من أكثر الشعوب في العالم تأييداً للقضية الفلسطينية، وفلسطين وكشمير قضيتان مقدستان في الشارع الباكستاني. وليست ثمة حاجة لتقديم تنازلات مبدئية "لكسب الرأي العام" هناك، بل كان يمكن أن يتطوع الباكستانيون للقتال في فلسطين لو كان على رأس المقاومة الفلسطينية قيادة معنية فعلاً بمشروع التحرير، وهذا بالطبع غير العرب الذين تشكل فلسطين قضيتهم...
أما رسمياً، فلم يأتِ التوجه الباكستاني لإقامة علاقات ديبلوماسية مع العدو الصهيوني، حتى قبل أن يكمل انسحابه القسري من غزة، من عدم. فالخطوة الرسمية للقاء علناً مع الكيان الصهيوني في تركيا جاءت تتويجاً لتعاون أمني وعسكري عميق وموسع مع أمريكا منذ أحداث 11 سبتمبر خاصةً.
حسب وليم أركِن في كتابه "الأسماء المشفرة" كانت باكستان ثالث أكبر متلقي للمساعدات العسكرية الأمريكية في العالم بعد الكيان الصهيوني والنظام المصري. وكانت السي أي إيه تتعاون بشكل وثيق مع المخابرات الباكستانية ISI منذ عام 1979 لتعبئة وتنظيم وتدريب وتسليح المجاهدين العرب والأفغان ضد السوفيات. لكن تدفق المساعدات والتعاون المشترك ضعفا كثيراً بعد عام 1990، حين فرضت أمريكا عقوبات بعيد اختبار وتطوير باكستان لأسلحة نووية، وبعيد انقلاب برويز مشرف عام 1999.
ثم وقعت أحداث 11 سبتمبر، واختار الانقلابي مشرف الاصطفاف إلى جانب النزعة الإمبراطورية الأمريكية، فتراجعت أمريكا عن فكرة العقوبات على السلاح النووي والانقلاب، وهو درسٌ لكل حكام العالم الثالث حتى لو بررنا الخطوة الأمريكية بضرورات الجغرافيا السياسية المنبثقة من موقع باكستان في الإقليم.
وكان التوتر قد تصاعد في أواخر التسعينات بين أمريكا والمخابرات الباكستانية بسبب زيادة الأجهزة الأمنية الأمريكية لعملياتها السرية في باكستان ضد طالبان والقاعدة، وبينهما وبين الباكستان علاقاتٌ حميمة. ولكن المخابرات الباكستانية قامت بعد التحول باعتقال وتسليم ما يزيد عن 500 عنصر من القاعدة لأمريكا، وظلت تنسق أمنياً مع أمريكا لإدارة منطقة الحدود الباكستانية-الأفغانية التي لم يخف الضغط الأمريكي على باكستان بشأنها إلا مع زيادة التركيز الأمريكي على العراق، مما سمح بتحولها اليوم إلى ملجأ للمجاهدين.
المهم، ضحى مشرف بالقاعدة وطالبان، وأندفع كفيلٍ ينزلق لهاويةٍ لا قرار لها لحضن أمريكا. وفي 19/9/2001، أُعلنت باكستان منطقة قتال، ومنح نظام مشرف أمريكا الدعم اللوجستي وحق المرور للطيران الأمريكي لدعم عملية "الحرية المستمرة" (غزو أفغانستان)، وأعطى الأمريكيين حق استخدام خمس قواعد جوية، واستهل التعاون باستضافة أكثر من ألف جندي أمريكي في البلاد.
ويقول وليم أركِن أن الباكستان زودت أمريكا بقاعدة للهبوط أو الإنزال، وقدمت لها حق استخدام قاعدة باسني Pasni البحرية على حساب البحرية الباكستانية نفسها. وكان إنزال المارينز في قاعدة باسني أكبر عملية برمائية أمريكية منذ الحرب الكورية، حيث تم شحن ثمانية آلاف مارينز و330 آلية عبرها إلى قندهار في أفغانستان.
وفي شباز AB في يعقوب أباد، تموضعت قوات العمليات الخاصة الأمريكية وغيرها تحت حملة المجموعة 438 الجوية، على أن تتبعها طائرات براديتور بدون طيار التابعة لحملة سرب الاستطلاع الجوي 15.
ويضيف وليم أركِن الكثير من المعلومات التفصيلية عن هوية ونوعية القوات الأمريكية المتوجهة إلى باكستان منذ 2001 لمتابعة الحملة في أفغانستان. ولكنه لا يعطي تفاصيل بعدها عن الوجود العسكري والأمني الأمريكي الحالي في باكستان، باستثناء قاعدة شمسي-بندري العملياتية المتقدمة، وما اسماه "الموقع 24"، وهو موقع "مجهول المكان" على حد تعبيره. هذا طبعاً غير استخدام مطار كراتشي وغيره من المرافق، حيث قام الأمريكيون حتى عام 2003 بحوالي 59 ألف طلعة جوية باتجاه أفغانستان انطلاقاً من باكستان أو عبرها.
طبعاً، ترافق هذا التعاون مع عقد الاتفاقيات وضخ المساعدات للنظام الباكستاني، ففي عام 2002، تلقت باكستان مليار دولار من المساعدات، وثلثي مليار عن كلٍ من 2003 و2004. وخلال زيارة مشرف عام 2003 لأمريكا، أعلن بوش عن ثلاثة مليارات لباكستان تقدم على خمس سنوات.