(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
على هامش أسطورة سيد الشهداء صدام حسين
د. إبراهيم علوش
فليسمح لي القارئ، أولاً، بملاحظة شخصية على هامش الأسطورة التي اجترحها سيد الشهداء صدام حسين: في غمرة الحزن والغضب الذي كان يأكلنا جميعاً صبيحة العيد، لم استطع إلا أن ألحظ من بين الذين رثوا صدام بحرقة مخلصة لا مصلحة لهم بتصنعها اليوم، بعض الذين كنت أعرف شخصياً أنهم بقوا يشككون فيه حتى لحظة إعدامه، حتى أن بعضهم لم يكن يتورع عن ترداد الشائعات التي حاولت النيل من قديس العروبة صدام حسين مرة بالزعم أن ثمة صفقة سرية بينه وبين الاحتلال، ومرة بالزعم أنه كان عميلاً أمريكياً، ومرة بأنه...
ولا شك أن معظم البقية الباقية من حسني النية المضللين الذين كانوا يرددون مثل تلك الإساءات المحبوكة مخابراتياً في مطابخ الموساد واطلاعات والسي أي إيه والأم أي فايف البريطانية قد تبين لهم الآن الرشد من الغي. فصدام كشخصية كان نقيض ذلك النوع النجس من الزعماء والقادة الذين يعقدون الصفقات السرية على حساب الوطن أو الأمة، ولو كان منهم، لتوفرت لديه عشرات المخارج التي تقوده بعيداً عن حبل المشنقة. بل رفض الرجل، ومثله بين الرجال قليل، أن يطلب الرحمة من أعداء الأمة حتى لإنقاذ حياته، ومضى عزيزاً كريماً لكي يصنع من اسمه شيئاً يتجاوز الرمزية إلى الأسطورة، فقصته ثبت أنها قصة حبٍ مع الأمة لم يعشها قائدٌ عربي معاصر من قبله، ولم يطرز مثلها الشعر الجاهلي ولا نزار.
ثانياً، ملاحظة غير شخصية: عشية إعدام السيد الرئيس، قام الصحفي البريطاني المشبوه المتغطي بالنزعة اليسارية/ الليبرالية روبرت فيسك، الذي يظن كثيرٌ من العرب أنه يناصرهم لأنه ينتقد الممارسات "الإسرائيلية" في معرض نقده للعمليات الاستشهادية الفلسطينية، ويساوي ما بين قصف المقاومة اللبنانية للمستعمرات الصهيونية المستحدثة على الأرض العربية وقصف الصهاينة الهمجي للقرى والمدن العربية، بنشر مقالة في صحيفة الاندبندنت البريطانية يزعم فيها هذا المروج للإشاعات المحبوكة مخابراتياً أن صدام أعدم لكي لا يكشف أسرار علاقته مع الغرب!!!!
وهي محاولة يائسة من الأجهزة البريطانية لتشويه سيد الشهداء صدام بعد مماته. فصدام ثبت أنه لم يتردد بقول ما يود قوله تحت أقسى الظروف، في المحكمة وفي غيرها.
والحقيقة أن الذين كانوا يتفوهون بمثل تلك الخزعبلات عن سيد الشهداء هم الذين ثبت أن لديهم أسراراً يخفونها في علاقتهم مع الغرب، من ما يسمى المعارضة العراقية، إلى إيران، إلى الحزب الإسلامي العراقي، إلى الكثير من الجهات التي كانت تهاجم صدام من خلف أقنعة وطنية وقومية وإسلامية ويسارية.
على كل حال، لا يستحق روبرت فيسك أن يُرد عليه بالتفصيل، فالغرض هنا فقط هو كشفه وكشف دوره، ومن يدقق جيداً في سجل مواقفه المزدوجة سيكتشف أنه ليس صديقاً حقيقياً للعرب أو للمسلمين، وليس حتى شخصاً محايداً، وأن نقده المنطلق من اعتبارات "إنسانية" للسياسة الأمريكية لا يوازيه إلا نقده السياسي المركز لأية محاولة حقيقية لمقاومتها أو لمعارضتها من خارج الأطر والقنوات التي سمح بها النظام الإمبريالي نفسه.
ثالثاً، ملاحظة شخصية: أود ها هنا أن أقدم اعتذاراً علنياً من فصائل المقاومة العراقية. فقد كنت، بالرغم من تأييدي غير المحدود لها، أتذمر أحياناً بين الأصدقاء – فقط - بسبب استخدامها لعباراتٍ وصيغ مغالية كنت أراها تنال من مصداقية خطابها الإعلامي مثل "الحقد الفارسي الصفوي المجوسي" وإلى ما هنالك. فقد ثبت، بالتحديد من توقيت إعدام سيد الشهداء في غرة الأضحى، ومن الطريقة المعيبة التي تمت فيها إدارة الإعدام، أن هناك بالفعل حقداً فارسياً صفوياً وأن ذلك ليس من قبيل المبالغة ولا المغالاة. وقد كان المحافظون والإصلاحيون، أي تياري النظام الإيراني، ممثلين في جريمة إعدام سيد الشهداء من خلال امتداداتهما العراقية، وكانت تلك الامتدادات تتصرف جميعاً كجوقة من العهرة التي لا تجيد حتى التظاهر بأنها أهلٌ لإدارة دولة، أية دولة، حتى لو كانت طائفية. وقد تمكن صدام، بالتالي، حتى في لحظة ارتقائه إلى أسطورة، أن يكشف عمق ذلك الحقد الفارسي الصفوي، فأكد بالتالي، في مماته كما في حياته، على ضرورة تحديد موقف واضح منه، من قبل كل القوى والشخصيات المحسوبة على المقاومة العربية.