(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
عملية تحرير الأسرى بين نهج المقاومة والتوظيف السياسي
د. إبراهيم علوش
تلقت منظمة التحرير الفلسطينية دعماً مالياً وسياسياً وديبلوماسياً وعسكرياً وشعبياً يفوق بأضعاف ما تلقاه حزب الله، وتمتعت لفترات مطولة بالسيطرة على حدود مجاورة للعدو الصهيوني في جنوب لبنان وغور الأردن، ولكن قيادة المنظمة تبنت نهجاً سياسياً وتنظيمياً وعسكرياً أدى إلى تبديد ذلك الدعم، والأهم تبديد التضحيات التي فاقت تضحيات حزب الله من حيث عدد الشهداء والأسرى ومن حيث المدة الزمنية ومن حيث حجم معاناة الشعب العربي الفلسطيني بشكل عام.
فقيادة م.ت.ف تتحمل المسؤولية الأولى عما آلت إليه القضية الفلسطينية، وخاصة ياسر عرفات...
ولا شك أن شعار "القرار الفلسطيني المستقل" كان مدخلاً للالتحاق بالطرف الأمريكي-الصهيوني، وكان عنواناً للالتحاق بنهج التسوية والتفريط والاستسلام بذريعة عدم التبعية لهذا النظام العربي أو ذاك.
كما علينا أن نتساءل أصلاً إن كان تحرير فلسطين ممكناً أصلاً بمنظمات قطرية فلسطينية لم تؤسس إلا لضرب النهج القومي في الساحة العربية والفلسطينية، كما اعترف بعض قادة حركة فتح علناً أكثر من مرة.
وعلينا أن نتعلم الدروس من كل التجارب وحركات التحرر، ومن كل تجارب الصمود والنجاح، لكن هل المطلوب أن ننسخ تجربة حزب الله نسخاً؟ هذا ما يجب أن ننتبه له. وهل علينا أن نتبنى كل ما يمثله حزب الله؟
نعم، في لبنان، حزب الله يمثل قوة مقاومة لمشاريع صهينة لبنان وأمركته، وبهذه الصفة فإنه يخدم مصلحة الأمة موضوعياً.
ولا اعتقد أن شريفاً في هذه الأمة يمكن أن يحزن لإطلاق الأسرى، وعلى رأسهم سمير قنطار... على العكس، هذا إنجاز لكل الأمة ومن الطبيعي أن نفرح به. ولكن يجب أن ننتبه كيف يتم توظيف هذا الإنجاز سياسياً؟ لمصلحة من؟ لمصلحة نهج المقاومة كما يفترض ونريد، أم لمصلحة شيء أخر؟
برأيي المتواضع أن حزب الله، دون إنكار أي من إنجازاته، تكمن مشكلته في: 1) أنه ما برح حزباً يمثل طائفة واحدة في قطر عربي واحد، 2) أنه يرتبط بعلاقة وطيدة، تتجاوز التحالف، مع القيادة الإيرانية، و3) أن للإيرانيين مشروع هيمنة في الإقليم لا يقل خطورة عن المشروع الأمريكي-الصهيوني، خاصةً من حيث قدرته على إثارة الشقاق الداخلي بين العرب.
وليست نزاهة قيادة حزب الله موضع تشكيك، من قبل العدو قبل الصديق، لكن العلاقة مع إيران، وطبيعتها، هي علاقة إشكالية تثير التساؤلات، وتفسح المجال للتشكيك بإنجازات حزب الله...
مرة أخرى، يجب أن ندعم حزب الله في لبنان لأن ذلك في مصلحة الأمة، لكن لا يجوز أن ننخرط من خلال تلك البوابة إلى دعم المشروع الإيراني في الإقليم مثلاً، أو أن نتخلى عن هويتنا العربية.
وعندما يتحول حزب الله إلى مشروع يتجاوز الحسابات الطائفية اللبنانية، وميزان القوى الطائفي داخل لبنان، عندها لا بد أن نراجع حساباتنا بالضرورة. أما الآن، فلا يجوز أن نقدم دعماً غير مشروط إلا للمقاومة، في لبنان والعراق وفلسطين، وليس بالضرورة لكيفية تجيير إنجازات المقاومة في قنوات لا نعرف بالضبط أين ستصب حتى الآن...
مثلاً، وحتى لا يفهم الموضوع خطاً، نؤيد العمل المقاوم لحماس بدون تحفظ، ولكن ليس لكي يتحول ذلك إلى رصيد من أجل المشاركة في انتخابات أو عملية سياسية غير سليمة في ظل احتلال.
ولو كان حزب الله يطرح مشروعاً وطنياً كما كان يفعل الشهيد كمال جنبلاط، ولو اعتماداً على قاعدة حزبية طائفية، فإن كل طبيعة الصراع في لبنان كانت ستختلف...
إذن
يجب ندعم ونؤيد كل حركة وكل موقف مقاوم، ولو كان مؤقتاً، ولكن لا نغفل
عن الأجندة
السياسية للاعبين في الميدان.
ويبقى السؤال ليس قدرة حزب الله على
ممارسة
العلاقات العامة باتجاه القوى
والشخصيات والطوائف الأخرى، ومهارة قيادة حزب الله في هذا المضمار ليس موضع
النقاش،
بل بنيته التنظيمية وخطه
السياسي وطبيعة علاقته بإيران. ويجب أن نؤيد خطوات حزب
الله
في لبنان بمقدار ما تخدم
الأمة، ولكن لا يتبع ذلك الانجرار لتأييد
الأجندة
الإيرانية، أو لتجيير
إنجازاته الكبيرة والعظيمة في اللعبة الطائفية
اللبنانية،
أو
لعبة الهيمنة الإقليمية الإيرانية.
ويجب أن نؤيد المقاومة بغض النظر، لكن ليس لتوظيف العنوان المقاوم في الطائفية أو الولاء لغير الأمة العربية، ولو كان حزب الله يقوم على بنية متعددة الطوائف، ولو كان برنامجه اللبناني الداخلي منزهاً عن الحسابات الطائفية اللبنانية وميزان القوى الطائفي، ولو كان ارتباطه العقائدي والسياسي بغير إيران، لكان الأمر مختلفاً.
ثم هناك نقطة أخرى: هل فكرنا لماذا قبل الطرف الأمريكي-الصهيوني أن يعقد هذه المساومة بعد امتناعه عنها طوال سنتين؟
هي هزيمة للكيان الصهيوني بالتأكيد، وهذا رائع ويستحق الاحتفال، ولكن لماذا يسعى الطرف الأمريكي-الصهيوني لتهدئة وتنفيس كل الملفات في الإقليم؟ هل هو إعلان مجاني للهزيمة فقط أم أنه يهيئ لإشعال المنطقة برمتها؟!!!
ربما علينا أن نستعد للآتي...