(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


عن أية " وحدة وطنية " يتحدثون ؟!



د. عماد لطفي ملحس

الوضع العربي مليء بالتناقضات والمفارقات والتشوّه ، ففي فلسطين المحتلة يطالب رأس سلطة أوسلو وحواشيه بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة وبحكومة وحدة وطنية تنهــــــي الأكثـرية " الحماسية " وتزيحها عن السلطة . وفي لبنان تطالب قوى المعارضة بإجراء انتخابات تشريعية مبكرة وبحكومة وحدة وطنية تنهي هيمنة ما تسمى بقوى 14 شباط على القرار السياسي . وفي العراق المحتل تسعى حكومة العملاء والأمريكيون لاستيعاب قوى المقاومة ضمن ما يسمى بالمصالحة الوطنية تمهيداً لقيام حكومة وحدة وطنية على أرضية طائفية مذهبية عشائرية .

في الضفة وغزة المحتلتين ( باعتبار ان العدو الصهيوني ما يزال يحتلّهما فعلياً رغم وجود سلطة أوسلو ) ، يشكل رأس السلطة وحواشيه حصان طروادة الأمريكي الصهيوني ، في حين تشكل حركة حماس المقاوِمة – التي ارتكبت خطأ تاريخياً بانضمامها الى سلطة أوسلو مهما كانت مبرراتها وذرائعها – الأكثرية فيما يسمى بالحكومة والمجلس التشريعي .

وفي لبنان ، يشكل رأس السلطة جزء من تحالف معارض للهيمنة الأمريكية الصهيونية ، في حين تمثل الأكثرية في الحكومة وفي مجلس النواب الجهة الراعية للمصالح الأمريكية الصهيونية .

أما في العراق المحتل ، فإن الحكومة والمجلس التشريعي يعتبران أداة الاحتلال الأمريكي ، وإن مشاريع " المصالحة الوطنية " والانخراط في " العملية السياسية " لا تهدف الا للخروج من الورطة العميقة التي تكتنف الاحتلال وعملائه.

وبناء على ذلك ، فإن الحديث عن حكومة " وحدة وطنية " في كل من فلسطين ولبنان، وعن" مصالحة وطنية" تمهيداً لقيام حكومة " وحدة وطنية " في العراق ، هو حديث مضلل ومشبوه. حيث من الضروري أولاً وقبل كل شيء تحديد مفهوم ومضمون تعبير " وطني " في إطار هذه الفسيفساء العربية المختلطة والمتناقضة ، ومن تحديد طبيعة كل قوة من القوى السياســــــــــــية " العربية " بناء على مواقفها النظرية والعملية من العدو الأمريكي – الصهيوني ، بوصفه المقياس الأساس للوطنية . فعملاء هذا العدو من العرب أو" المتحالفين " معه باعتباره صديقاً لا يمكن وضعهم ضمن الصف الوطني ، ولا ضمن القوى القومية العربية .

واستناداً إلى هذه المعادلة البسيطة حدّ السذاجة ، العميقة عمق البحر ، يمكن القول بدون أي تردد ، إن الحديث عن وحدة وطنية مع ممثلي سلطة أوسلو في فلسطين المحتلة المعترفين بالكيان الصهيوني والمجاهرين باستعدادهم للتخلي عن فلسطين التاريخية مقابل " دولة فلسطينية " ، أو مع أعوان وحلفاء العدو الأمريكي – الصهيوني في لبنان ، أو مع حكومة العملاء في العراق ، ليس الا ذراً للرماد في العيون ، وانخراطاً في محاولات تضليل الوعي الشعبي العربي وتخريبه ، َجهل الداعون الى ذلك أو تجاهلوا .

إن " فزاعة " الحرب الأهلية التي يلجأ إليها عملاء العدو و"حلفاؤه" لتنفيذ مآربهم ومخططاتهم قولاً وفعلاً ، يجب أن لا تخيف القوى الوطنية ولا جماهير الأمة العربية ، ذلك أن الصراع بين خطي المقاومة والتسوية ، وبين الوطنيين واللاوطنيين قد وصل الى درجة غير مسبوقة من الوضوح والقوة ، بسبب الوقاحة منقطعة النظير التي يفصح فيها المستقوون بالعدو عن ارتباطهم الوثيق بمخططاته وأهدافه في وطننا العربي، وعن استعدادهم الكامل للتفريط بحرية الوطن واستقلاله وسيادته التامة ، رغم ما ينتاب العدو الأمريكي – الصهيوني من وهن وتراجع نتيجة المقاومة الباسلة في كل من العراق ولبنان وفلسطين . ولن يستقيم الوضع العربي برمته ما لم يتم تنظيفه من الحثالات الطفيلية التي تعتاش على ارتباطها بالعدو، ومن الذين استسلموا لإرادته وربطوا مصيرهم بمصيره ، لأن ذلك جزء لا يتجزأ من الصراع مع جبهة اعداء الوطن والأمة .