(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


عصر الأفلام الوثائقية القصيرة، و"حان الوقت يا لبنان"!

 

د . إبراهيم علوش

 

دخلت الشبكة العنكبوتية (النت) عصراً جديداً خلال عام 2006 المنصرم، والعام الذي سبقه، مع الانتشار الواسع لمواقع إنترنت يمكن تحميل الأفلام الوثائقية القصيرة عليها.  ومن أشهر تلك المواقع بالطبع موقع يوتيوب YouTube الذي تُحمل عليه يومياً أفلامُ من صنع الهواة من حول العالم بعضها تم تصويره بكاميرا جهاز الهاتف النقال لنقل حدث ما غريب أو مضحك، ومعظمها تم إنتاجه لدواعٍ فنية أو سياسية أو اجتماعية أو جمالية أو حتى لإيصال رسالة شخصية حول مسألة ما تهم منتج الفيلم.

 

مثل تلك المواقع التي تستقبل أفلام الهواة بالمئات يومياً باتت تستقطب المشاهدين بالملايين، بعيداً عن مواقع الإنترنت التقليدية التي تعتمد على النص، أو النص والصورة الثابتة فقط.  وهناك غير يوتيوب YouTube مواقع ضخمة مثل غوغل Google تستقبل أفلام الهواة أيضاً، وموقع متاكافيه، MetaCafe، السابق لموقع يوتيوب، ويشار أن شركة غوغل كانت قد اشترت يوتيوب بمليار ومائتي مليون دولار.   وتتجاوز مثل تلك المواقع مشكلة حقوق الملكية الفكرية بالمناسبة بأنها تتيح للمشاهد أن يرى ما يريد من المعروض، ولكن دون أن يتمكن من نسخه... 

 

وتمارس إدارة المواقع المستقبلة للأفلام الوثائقية الشعبية حداً أدنى من الرقابة عليها، فلا تمنع إلا الأفلام الإباحية مثلاً، وما زال من الممكن تحميل الأفلام المناصرة للمقاومة عليها باللغة العربية – حسب تجربة الأصدقاء – دون عائقٍ يذكر... حتى الآن.  على سبيل المثال، بإمكانكم  مشاهدة فيلم باللغة العربية مدته ثماني دقائق عن الشهيد صدام حسين على موقع يوتيوب على الرابط التالي:

 

http://www.youtube.com/watch?v=HTuEQcGUMQM 

 

ليكن واضحاً إذن أن الحديث هنا يدور عن الأفلام الوثائقية القصيرة التي ينتجها أناسٌ عاديون من حول العالم، أو هواة إخراج سينمائي، بالحد الأدنى من الموارد، وبعضها لا يبلغ طوله أكثر من دقيقة أو اثنتين، وليس عن الأفلام المشهورة والأغاني المعروفة وما شابه التي تنتجها شركات هوليوود وغيرها التي توجد لها مواقعها وروابطها الخاصة على الشبكة العنكبوتية.

 

بيد أن ما يجري اليوم بالنسبة لانتشار ثقافة الأفلام الوثائقية القصيرة بالتحديد ليس أقل من تحول جذري في أدوات التخاطب والتعبير ضمن الشبكة العنكبوتية نفسها.  وقد بدأت هذه الثورة ضمن عالم الاتصال الإنترنتي ونتائج الثورة السابقة لها، التي جعلت من الإنترنت منافساً – ومتمماً -  حقيقياً للإعلام الورقي، لم تسقط كامل أوزارها بعد!     

 

فخلال السنوات الماضية بات شائعاً إرسال الصور عبر النت، ثم إرسال الأفلام القصيرة عن طريق البريد الالكتروني، أما الآن، فإن ثقافة الصورة الواقعية المتحركة، ومن خارج إطار أو حسابات شركات إنتاج الأفلام المعروفة، باتت تستأثر بحيزٍ متزايدٍ من اهتمام مستخدمي النت على حساب المواقع الالكترونية المعتمدة على النص أو النص والصورة فحسب.

 

وفي الحالتين، كان للإنترنت تأثيرٌ ديموقراطيٌ ملموسٌ في كسر احتكار وسائل الإعلام الرسمية أو الخاصة بالشركات الكبرى على حق التعبير، السياسي بالأخص، وعلى صياغة رد الفعل الشعبي على الحدث السياسي الراهن.  ومن المعروف أن المقاومة العراقية كانت السباقة في نشر الأفلام المعبرة عن إنجازاتها العسكرية على النت بعدما ترددت الفضائيات العربية في نشرها، مما أجبر تلك الفضائيات نفسها على بث بعض تلك الأفلام بعدما بات تجاهلها عبثاً ما دامت في متناول أي مستخدم للشبكة العنكبوتية.  وما زالت مواقع المواقع العراقية تحفل بتلك الأفلام الرائعة التي أسهمت فعلياً بدورٍ أساسي بكسر الحصار الإعلامي على المقاومة العراقية.  وقد جاء ذلك بعدما جعلت الإنترنت ممكناً لكل صوت معارض أو مهمش أن يبث رسالته في طول الكرة الأرضية وعرضها، حسب موارده وإمكاناته وكفاءاته طبعاً. 

 

أما الآن، فإن ثمة مواقع عالمية تستقبل أفلاماً وثائقية من كل حدبٍ وصوب، حول شتى المواضيع، وهي تتراوح بالطبع تراوحاً كبيراً من حيث الجودة وحسن الإنتاج والإخراج... والمصداقية، مثل باقي المواد في النت.   ولكنها باتت، شئنا أم أبينا، حقلاً من حقول الصراع السياسي في عالمنا المعاصر، وبالأخص فيما يتعلق بشؤوننا العربية.

 

مثال فيلم "حان الوقت يا لبنان" It's about Time Lebanon:

 

وكما سبق الذكر، فإن الإنترنت تحتوي شيئاً ما عن كل شيء تحت الشمس، وما خلفها، ومنه الأفلام الوثائقية القصيرة من إنتاج الهواة عن لبنان وقضاياه.  وفي خضم الصراع السياسي الحاد الدائر حالياً في لبنان ما بين قوى المعارضة وقوى الرابع عشر من آذار حول إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة ومطلب الانتخابات المبكرة، وحول وجهة لبنان السياسية، ظهر على موقع غوغل فيلم وثائقي مدته أربعة عشر دقيقة من كتابة وإخراج بيير دواليبي Pierre Dawaliby تحت عنوان "حان الوقت يا لبنان" It's about Time Lebanon.

 

وقد انتشر هذا الفيلم بقدرة قادر كالنار في الهشيم على عشرات المواقع، وأضحى لمدة عدة أيام على الأقل محور نقاشات وخلافات المعنيين بالشأن اللبناني، وهم ليسوا من اللبنانيين فحسب، خاصةً أن لبنان لا يقع على كوكب زحل، ككائن منقطع الجذور، على عكس ما يحاول أن يوحي معدو الفيلم في إحدى رسائلهم عندما قالوا صراحةً في النص: "العروبة ... كذبة عصرنا"! وقد جاء ذلك في سياق دعوتهم اللبنانيين أن يتمحوروا على الذات وينسوا كل شيء أخر!  فهي دعوة "القطر أولاً" المألوفة، التي تفاقم الصراع الداخلي بعد التخلي عن القاسم المشترك التاريخي والحضاري الذي يجمع قراء هذه اللغة.  وكلازمة ضرورية لهذا المنطق، بعد التركيز على أولوية الهوية المحلية، كان لا بد للراوي أن يتساءل قبيل خاتمة "حان الوقت يا لبنان": "هل يستطيع بلدنا يا ترى أن يسير إلى الأمام بدون وصاية خارجية"؟!!!   

 

"حان الوقت يا لبنان" محكيٌ باللهجة العامية اللبنانية، مع ترجمة لا بأس بها باللغة الإنكليزية، وموسيقى تصويرية ورسوم متحركة تعبيرية خاصة به.  والفيلم يبدأ بشابين وشابتين يسيرون في طريق جبلي وهم يتجادلون بالسياسة عندما يصادفون راعي أغنام عجوز يؤنبهم بعد التحية لأنهم يشغلون بالهم بالشأن العام، فيبدأ بإقناعهم بالتركيز على حياتهم الخاصة عوضاً عنه، فيبدو عليهم التأثر لحكمته "العميقة" هذه (وكأن الشأن العام هو غير شأن الوطن الذي يمس عموم المواطنين ومعيشتهم وحياتهم وحريتهم وكرامتهم!). 

 

المهم، يبدأ الراعي السرد هنا مستعيناً بأرشيف تصويري وثائقي ابتداءً بلقطات حية من الحرب الأهلية في لبنان ليستنتج:

 

1) أن القيادات السياسية كلها فاسدة أو مسئولة عن المجازر بدون استثناء، فتتوالى الصور ليوضع الجميع على قدم المساواة، فكمال جنبلاط يوضع بنفس السلة مع بيير وبشير الجميل، ونصرالله مع سعد حداد وأنطوان لحد، والحريري الأب مع ميشال عون، الخ...

 

2) أن مشكلة اللبنانيين، حسب الفيلم، تكمن في اهتمامهم بالشأن العربي من القضية الفلسطينية إلى غيرها، مما جعل لبنان ساحة لحروب الآخرين على أرضه.  وهنا تتوالى الصور لتضع حافظ الأسد مع صدام حسين مع ياسر عرفات والعقيد القذافي الخ... ومنها صورٌ لبعض الزعماء اللبنانيين معهم... ولبعض الزعماء العرب مع المسئولين الأمريكيين، ليصل ضمناً وصراحةً، وفي التعليقات التي تقدم الفيلم على المواقع، لإدانة "الاحتلالين السوري والإسرائيلي"، و"تجاوزات الفلسطيني الاستفزازية"!

 

3) أن لبنان عليه أن يخط لنفسه مصيراً مستقلاً – أو رسالة عالمية إن شئت -  ما بين الشرق العربي المتخلف والغرب الضائع أخلاقياً، وهو ما يتطلب تجاوز اللبنانيين لخلافاتهم الطائفية على قاعدة "لبنان فقط".

 

ولا شك أن اللبنانيين المثقلين بهموم الفساد السياسي وذكرى مجازر الحرب الأهلية، واحتمالية تجددها، والتدخلات والهيمنة الخارجية (الأمريكية والفرنسية والصهيونية)، قد يتأثرون بمثل هذا الخطاب عندما يقدم بلغة "محايدة" (هي في الواقع غير محايدة)، كما يفعل الفيلم، "تدين الجميع بلا استثناء"، وتدعو لتجاوز الطائفية، والأخيرة دعوة محقة بأية حال... 

 

غير أن فرض المساواة في الذنب والفساد والمجازر بين الجميع بدون استثناء، وبين كل العناوين السياسية بدون تمييز، بغض النظر عما إذا كانت وطنية أم متآمرة مع الخارج، يعني موضوعياً في السياق السياسي اللبناني اليوم نزع المشروعية عن المقاومة، وتبني موقف قوى 14 آذار من سلاح المقاومة، باعتباره امتداداً للمشاريع "غير اللبنانية".  وهو ما يسهل عملياً الهيمنة الأمريكية-الصهيونية على لبنان. 

 

أما الحديث عن لبنان المنفصل، وعن التمحور على الذات المحلية، فإنه يصب موضوعياً اليوم في سياق مشروع إلحاق لبنان بحلف "المعتدلين العرب" الموالي للولايات المتحدة، بغض النظر عن نوايا مطلقي هذا الشعار.  فليست القضية في النهاية قضية نوايا، بل قضية جغرافيا سياسية وانتماء حضاري، والطبيعة السياسية مثل كل طبيعة، لا تقبل الفراغ، ولبنان الخارج عن سربه لا يمكن إلا أن يكون لقمة سائغةً بيد المشروع الأمريكي-الصهيوني، ولبنان المستقر المزدهر لم يكن يوماً إلا لبنان المتآلف مع محيطه العربي.

 

على كل حال، أردنا من هذا المثال إظهار الدور الذي لعبه هذا الفيلم الوثائقي القصير في الجدال السياسي الدائر حول وفي لبنان.  وتمكن مشاهدته على الرابط التالي:

 

http://video.google.com/videoplay?docid=8326734789464462895