(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 

عولمة الأجهزة الأمنية

 

د. إبراهيم علوش

 

على ذمة صحيفة الواشنطن بوست في 18/11/2005، وصحيفة الأل إيه تايمز في 11/11/2005، وغيرها من المصادر الغربية على الإنترنت، قامت الأجهزة الأمنية الأمريكية منذ ضربات 11 سبتمبر 2001 بتوظيف الأجهزة الأمنية العربية والإسلامية بشكل مباشر في خدمتها بذريعة محاربة الإرهاب، في سياق استراتيجية أمنية أمريكية عامة تقوم على مبدأ زيادة "علاقات الارتباط" مع الأجهزة الأمنية الأجنبية، عوضاً عن محاولة القيام بكل المهمات الأمنية بجهود أمريكية محض.

 

وإذا كان التعاون الأمني بين بعض الأجهزة الأمنية العربية والإسلامية والأجهزة الأمنية الغربية قديماً، فإن الجديد هو الطريقة التي بات يدار فيها هذا التعاون، حسب هاتين الصحيفتين.  فالسي أي إيه باتت تشرف مباشرة على العمليات الميدانية  اليومية، وعمليات الرصد والاختراق والاعتقال والاغتيال، التي تقوم بها بعض الأجهزة الأمنية العربية والإسلامية بعد أن تخططها الأجهزة الأمنية الأمريكية.  وحسب الواشنطن بوست "القدم التي تدفع الباب أجنبية" ولكن مراكز مكافحة الإرهاب الاستخبارية التي تقودها السي أي إيه، المنتشرة في عشرات الدول حول العالم، والمرتبطة جميعاً بمركز مكافحة الإرهاب الرئيسي في قاعدة السي أي إيه في لانلي في ولاية فرجينيا الأمريكية، هي التي تشرف على الأمر كله من الألف إلى الياء.

 

وحسب المصادر عينها، هذه المراكز الاستخبارية لمكافحة الإرهاب هي غير السجون السرية التي تديرها السي أي إيه في ثماني دول حول العالم، والمعروفة في الوثائق السرية باسم "الثقوب السوداء"، تيمناً بالثقب الأسود في الفضاء الخارجي،  حسب علماء الفلك، الذي لا يعرف البشر بعد ماذا يوجد خلفه...

 

وتوجد هذه المراكز في دول عديدة، لم يذكر التقرير منها إلا اليمن وأندونيسيا،  باعتبارها مشاريع مشتركة ما بين الأجهزة الأمنية الأمريكية والأجهزة الأمنية في الدول المضيفة.  ولكن حسب المصادر نفسها، يسمح للأجهزة الأمنية الأمريكية في الكثير من هذه المراكز أن تختار بنفسها من ترغب بأن يعملوا معها من ضباط الأجهزة الأمنية في الدولة المضيفة، على أن تدربهم وتدفع رواتبهم وترسلهم بمهمات وتبقيهم منفصلين إدارياً عن الأجهزة التي قدموا منها.  ويتم اختيار هؤلاء بعد دراسة ملفاتهم وخلفياتهم وبعد إخضاعهم لأجهزة فحص الكذب!

 

وعلى ذمة تقرير صحيفة الأل إيه تايمز، تأتي صيغة التعاون الأمني "ضد الإرهاب" في إحدى الدول العربية بالسماح لضباط المخابرات الأمريكية بأن يداوموا في مقر المخابرات في تلك الدولة. 

 

ويلعب جهازا أمن أمريكيان الدور الأساسي في هذا التعاون الأمني: السي إي إيه، المسؤولة عن العمليات الميدانية مباشرةً، والأن أس إيه، NSA، أو وكالة الأمن القومي، وهي المسؤولة عن مراقبة الاتصالات حول العالم بكافة أشكالها.  ويقول أحد التقارير أن 80 إلى 90 بالمئة من المعلومات التي يحصل عليها الأمريكيون حول الشبكات التنظيمية والشخصيات المعادية لهم تأتي عن طريق المراقبة المكثفة للاتصالات، مثلاً عن طريق الهاتف والنت وما شابه. 

 

وبالإضافة لذلك، تجد في تلك المراكز الاستخبارية "المشتركة" لمكافحة الإرهاب عناصر قسم النشاطات الخاصة في الأجهزة الأمنية، Special Activities Division ، والنشاطات الخاصة ليست بالتأكيد ترجمة كليلة ودمنة من العربية إلى الإنكليزية... بالإضافة إلى عناصر من القوات الخاصة التابعة للقيادة العسكرية الأمريكية.

 

وحسب المصادر نفسها، أغدقت الأجهزة الأمنية الأمريكية الكثير من المال، وقدمت الكثير من المعدات الأمنية المتطورة مثل الطائرات بلا طيار ومناظير الرؤية الليلية وأجهزة التصنت والاتصال المتقدمة وغيرها، ناهيك عن الضغوط السياسية من كبار المسؤولين الأمريكيين، لكي تؤسس هذه الشبكة الأمنية العالمية الخاضعة لها، مستعينة بالخبرات المحلية والموارد الأمنية لأجهزة بأكملها، وليس فقط لعملاء فرادى هنا أو هناك.

 

والآن، بعد أن قدم مدير جديد للسي أي إيه هو بورتر غوس، خلفاً لجورج تنيت الذي وضع استراتيجية تطوير الارتباط مع الأجهزة الأمنية الأجنبية، بات من الصعب التراجع عن آلية التعاون الأمني الدولي التي انطلقت من حسابات أمريكية ضيقة بالبداية، ولكن التي باتت تعبر في الآن عينه عن بعد أخر من أبعاد العولمة هو عولمة الأجهزة الأمنية.  وكالعادة، يسيطر الطرف المهيمن دولياً في العولمة، في الوقت الذي يزداد فيه الحديث عن التعاون، ولكن النتيجة دوماً هي الهيمنة وفقدان السيادة والمزيد من إخضاع الشعوب، خاصة العرب والمسلمين.