(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


عندما يقلد الحدثُ السياسي الحدثَ السينمائي... 

"الحصار" وغيره نموذجاً

 

د . إبراهيم علوش

 

ثمة أفلام تثير الفضول في قدرتها على الاستشراف، حين يتحول الفن من انعكاس حيوي فاعل للحياة إلى نذيرٍ للقادم من الأيام، وفي بعض الحالات، إلى دليلٍ مستقبلي للحدث السياسي الراهن! 

 

مثال: فيلم "الدفاع الأفضل" Best Defense من إنتاج شركة باراماونت  Paramount  وتمثيل أدي ميرفي Eddie Murphy الممثل الهزلي المعروف.  وتدور أحداث هذا الفيلم حول تجربة نظام سلاح متطور أمريكي جديد في الكويت، ضد القوات العراقية التي تعمل القوات الأمريكية على إخراجها من الكويت.  وليس هناك غريب في مثل هذه القصة، سوى أن الفيلم تم إنتاجه – ولننتبه للتاريخ جيداً – عام 1984!  أي قبل ست سنوات من دخول القوات العراقية إلى الكويت...

 

مثال أخر: فيلم "الحصار" The Siege من إنتاج شركة تونتيث سنتشري فوكس 20th Century Fox وتمثيل دينزل واشنطن Denzel Washington وأنيت بنينغ Annette Benning وبرووس ولييس Bruce Willis.   وتقوم خلية سرية عربية إسلامية في هذا الفيلم بسلسلة من التفجيرات ضد المدنيين في شوارع مدينة نيويورك انتقاماً لاستهداف قائد تنظيمها من قبل الولايات المتحدة.  وبعد استمرار التفجيرات وعجز الأجهزة الأمنية الأمريكية عن إلقاء القبض على الشبكة المسؤولة عنها، تعلن الأحكام العرفية في نيويورك، ويحتلها الجيش الأمريكي، ويوضع آلاف العرب-الأمريكيين في معسكرات اعتقال بدون تهمة أو ذنب سوى أصلهم العربي.  وقد صور الفيلم في نيويورك أساساً في منطقتي بروكلين ومنهاتن، ومنهاتن بالطبع هي تلك المنطقة في نيوريورك التي كان يوجد فيها برجي التجارة العالميين.  والغريب في الفيلم طبعاً أنه عرض في دور السينما في 6/11/1998، أي قبل أحداث 11 سبتمبر بثلاث سنوات تقريباً!

 

مثل هذه الأفلام ما زال يعاد عرضها أحياناً على قنوات التلفزيون الأمريكية، خاصة في أوقات الليل المتأخرة.  وما برح الجمهور الأمريكي يشاهدها ويتشبع برسالتها السياسية التحريضية ضد العرب والمسلمين، كجزء من "الحرب على الإرهاب".  ولكنها تمر دون أن ينتبه كثيرون على ما يبدو للطريقة التي تتحدث فيها عن الحدث الراهن من زاوية الماضي، كنبوءة مستقبلية... 

 

ولو أخذنا مشاهد أمريكي عادي، وطرحنا عليه مجموعة من الأسئلة المتعلقة بأحداث تاريخية أو سياسية حقيقية وخلطناها بأسئلة تتعلق بأحداث مرت في أفلام مشهورة تتناول قضايا سياسية مثل الإرهاب، لما تمكن على الأرجح من الفصل أو التمييز ما بين النوعين.  فقد شاهد الفيلم وتكونت لديه انطباعات سياسية معينة بسببه، وبالتالي اختلطت أحداثه وحمولته العاطفية بالتاريخ المعاصر، وبرؤيته للحدث الراهن.  هكذا يتم تصنيع الوعي الزائف في خطوط تجميع الأفلام في هوليود، وهكذا أصبحت قوة الأفلام، خاصة عند الجمهور غير المسيس، أداةً لتشكيل الرأي العام. 

 

وهذه الأداة يعاد إنتاجها اليوم عربياً عند الجمهور، خاصة من فئة الشباب العربي، عندما يعاد عرض نفس الأفلام بترجمة عربية على قنوات الأفلام الأمريكية المجانية مثل أم بي سي 2 MBC2  ، وعلى السي دي في الأسواق، دون وجود تقليد عريق لدينا في النقد السينمائي، وبالتحديد، دون وجود تقليد عريق في تحليل الأفلام سياسياً، لمجابهة مثل هذه التأثيرات الأمريكية والصهيونية التي لا تقل خطورةً عن أخطر الأسلحة المعادية.  

 

بالرغم من ذلك، لا بد أن يتساءل المراقب السياسي بالذات كيف يمكن لأفلام مثل "الدفاع الأفضل" أو "الحصار" أن تقترب في أحداثها الخيالية إلى هذا القدر من الحدث السياسي الراهن فيما بعد. 

 

فإما أن في الأمر مؤامرة ما، وإما أن له تفسيراً منطقياً أخر.  ولا بد أن نسقط "نظرية المؤامرة" هنا لسببين:

 

أولاً، إن المؤامرة الناجحة، والمؤامرات جزءٌ ضروري من عمل الطرف الأمريكي-الصهيوني، وعمل الاستعمار من قبله، كما أثبت التاريخ، هي تلك التي لا تكتشف قبل حدوثها.  فليس من المعقول أن يعلن الاستعمار عن مؤامرة لملايين الناس على الملاً قبل حدوثها بسنوات.  بل العكس هو الصحيح عادة.  فاتفاقية سايكس-بيكو مثلاً التي قُسمت بموجبها بلاد الشام بقيت سراً حتى كشفها البلاشفة في الاتحاد السوفياتي، وبقي الإنكليز والفرنسيون ينكرونها بالرغم من كشف نسخة رسمية من وثيقتها في خزانة وزارة الخارجية الروسية القيصرية.  

 

ثانياً، أن مثل هذه الأفلام التي تستبق الحدث الراهن ببروفة خيالية لا يجوز تناولها بمعزل عن دفقٍ عارمٍ من الأفلام المعادية والتحريضية القائمة على حبكات درامية تدور جميعها حول اعتداءات يقوم بها مناهضو الصهيونية أو أعداء النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة ضد المدنيين الأمريكيين أو النفط أو المصالح الأمريكية عامة.   ومن الأمثلة على ذلك فيلم "الأحد الأسود" Black Sunday حيث يقوم تنظيم يسمي نفسه "أيلول الأسود" بالتخطيط لعملية ضخمة في الولايات المتحدة يستهدف فيها جمهور المباراة النهائية لبطولة كرة القدم الأمريكية SuperBowl، التي تقع دوماً في يوم أحد، ومن هنا تسمية "الأحد الأسود" تيمناً بأيلول الأسود.  وفي فيلم "الأحد الأسود" يجهز "الإرهابيون العرب" منطاداً عملاقاً، محملاً بمئتي ألف سهم فولاذي صغير، كان يفترض أن يصطدم بالملعب ليسقط حمولته القاتلة على المشاهدين لولا حماية الموساد للجمهور الأمريكي! وحسب المرجع، أنتج هذا الفيلم المعبر عن فكرة تحويل المنطاد الطائر إلى سلاح عام 1976 أو 1977...

 

 الاحتمال الأخر طبعاً هو أن مخططي العمليات ضد الأمريكيين هم من رواد الأفلام الأمريكية المتحمسين!!! 

 

غير أن هذا تفسيرٌ مسطحٌ لاستباق خيال هوليود الأحداث الراهنة إلى هذا الحد.  فكما كان معظم "الأشرار" في أفلام هوليود أبان الحرب الباردة من الروس والألمان الشرقيين والكوبيين وغيرهم من دول المنظومة الاشتراكية، فإن "أشرار" الأفلام الهوليودية خلال التسعينات باتوا بشكل متزايد من العرب والمسلمين.  وقبلها كان "الأشرار" في أفلام هوليود من الهنود الحمر أو الألمان واليابانيين، دوماً بشكل يعكس الصراع السياسي في المرحلة التي يعبر عنها الفيلم، من منظور النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة، ومن المنظور الصهيوني بالطبع، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعرب.

 

وهنا يظهر بشكل جلي مقدار التعاون ما بين المؤسسة العسكرية والأمنية في الولايات المتحدة وشركات الأفلام في هوليود.  وهذا التعاون موثق، حتى في الشكر المقدم في بداية أو نهاية تلك الأفلام لتلك المؤسسات.  ومن الواضح أن المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية لا تسخر مواردها البشرية والتقنية والمادية في صناعة الأفلام لوجه الله.

 

على سبيل المثال، يعبر ناقد الأفلام العربي-الأمريكي جاك شاهين، في معرض نقده لأحد الأفلام المناهضة للعرب، وهو "قواعد الاشتباك" Rules of Engagement، عن استغرابه الشديد من مدى تعاون المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية في صناعة أفلام هوليود المناهضة للعرب، ويضيف: "... فلنأخذ أفلاماً أخرى تظهر أمريكيين يقتلون عرباً مثل "أكاذيب حقيقية" True Lies من عام 1994، ومثل "قرار تنفيذي" Executive Decision من عام 1996، ومثل "ضربة الحرية" Freedom Strike من عام 1998، فإن عدداً من وكالات الحكومة الأمريكية، مثل وزارة الدفاع وأجزائها – الجيش والمارينز والبحربة وحتى الحرس الوطني – كلها قدمت مساعدات تقنية لتلك الأفلام.  وقام قسم المخابرات، وكالة المباحث الفيدرالية FBI ، فرع نيويورك، بمساعدة منتجي فيلم "الحصار" The Siege من عام 1998، وهو فيلم يظهر أمريكيين-عرب، ومسلمين-عرب يهاجمون منهاتن!!".

 

ولا يجيب جاك شاهين عن تساؤله لماذا تساعد المؤسسة الأمنية والعسكرية الأمريكية في إنتاج الأفلام المعادية للعرب... بل يتركه عند حدود الاستهجان الأخلاقي، كسلوك عنصري مناقض للقيم الأمريكية.. غير أن مثل هذه العلاقة العضوية بين هوليود والمؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية، ناهيك عن التغلغل الصهيوني في هوليود، يبقى على الأرجح مفتاح حل المسألة موضع البحث. 

 

فالقضية تتجاوز العنصرية – على عكس ما يظن جاك شاهين – إلى تعصب أمريكي شوفيني يهدف لتعبئة الرأي العام الأمريكي والعالمي، وحتى العربي، في "الحرب على الإرهاب"، خاصة مع الهيمنة المطبقة للأفلام الأمريكية على سوق الأفلام العالمية.  وهذا الإرهاب المرتكب ضد الأمريكيين في الأفلام يصبح مبرراً عاطفياً لتسويغ الإرهاب الأمريكي من العراق إلى لبنان إلى ليبيا إلى السودان إلى أفغانستان إلى كل مكان حول العالم. 

 

وقد بقي هذا التحريض ضد العرب والمسلمين مستمراً إلى ما قبل هجمات 11 سبتمبر، وازداد بعدها.  وفي صيف عام 2001 مثلاً، أنتجت قناة سي بي أس CBS التلفزيونية الأمريكية فيلماً بعنوان "رجل الرئيس: المنصة صفر"  The President's Man: Ground Zero من بطولة ممثل الأكشن تشك نوريس Chuck Norris المعروف بميوله الصهيونية، عن دور نوريس كعميل سري مكلف بإيقاف "إرهابي إسلامي" مصمم على تفجير قنبلة نووية في إحدى المدن الأمريكية.

 

ولتلافي تهمة العنصرية، بات يقوم منتجو هذه الأفلام دوماً بإضافة أدوار لعرب ومسلمين "جيدين" أو "خيرين" يستعدون للعمل تحت أمرة البطل الأمريكي أو اليهودي المكلف بمحاربة "الإرهاب". 

 

فالقضية في النهاية لا ترتبط بالعنصرية ضد العرب والمسلمين بقدر ما ترتبط بقلق حقيقي تعيشه النخب الأمريكية والصهيونية بسبب سياساتها وممارساتها العدوانية والإرهابية في الوطن العربي والعالم الإسلامي.  ومن هنا تأتي ضرورة وضع سيناريوهات ردود الفعل المتوقعة وضرورة المبالغة فيها من أجل تشويهها إعلامياً وتعبئة الرأي العام ضدها بشكل استباقي، وبشكل مفتعل إلى حد الغثيان.  ولأن "الحرب على الإرهاب" هي في جانب كبيرٍ منها حربٌ لكسب "العقول والقلوب"، فإن الأفلام تصبح أداة رئيسية من أدواتها، لا في تعبئة الرأي العام فحسب، بل في بلورة الاحتمالات المختلفة لردود الفعل، إلى أن يقترب بعضها في النهاية من الواقع، مع الكثير من المبالغة، كما سبقت الإشارة، دوماً بقصد تعبئة وتحريض الجمهور... وغسل العقول، وأمركة القلوب.