(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
حول موضوع الرسوم المسيئة...وجهة نظر مختلفة
محمد رياض
سمعنا جميعاًَ بقرار كبريات الصحف الدنماركية وبشكل مفاجئ إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الأربعاء الماضي الموافق للثالث عشر من شباط 2008, أما عن تفسير توقيت الحملة وإصرار الصحف الدنماركية على النشر الجماعي للرسوم فقد أرجعه بعض المحللين إلى ما تسرب عن تفكيك السلطات الأمنية الدنماركية لخلية مكونة من تونسيين ومغربي مهمتها قتل الرسام الكاريكاتوري" فسترغورد" وهو واحدٌ من أحد عشر رساماًَ وضعوا رسوماًَ مسيئة للنبي محمد عليه السلام.
وفي مثل هذا الشهر منذ عامين قامت صحيفة "يلاندس بوسطن" الدنماركية بنشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول محمد عليه السلام, وعلى إثر ذلك اجتاحت العالمين العربي والإسلامي مظاهرات عارمة وعنيفة في معظمها احتجاجاًَ على الرسوم وعلت دعوات من فعاليات شعبية وحزبية ونقابية بضرورة مقاطعة المنتجات الدنماركية وقطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق السفارات وغير ذلك.
وليس الهدف من هذا المقال مناقشة أبعاد الحملة الدنماركية وكشف أية أهداف مخفية أو علنية لها أو شتم الشعب الدنماركي المعروف عالمياَ بثقل دمه فقد كتب حول هذا الكثير.
ولكني أريد تبيان خطورة تجييش طاقات الأمة ومجهوداتها وتركيزها في الفترة المقبلة باتجاه أية قضايا جانبية , فعلينا قبل كل شيء أن نعرف موقعنا من التاريخ, في أي زمن نحن وفي أي جزء من الأرض نعيش, فإذا عرفنا أننا نعيش في زمن الطوائف والدويلات الإقليمية فإن الأولوية تصبح والتركيز ينصب والطاقات توجه نحو إنهاء هذا الوضع الاستثنائي في تاريخ أمتنا وتحقيق الوحدة المنشودة وإذا عرفنا أننا نعيش على أرض عربية فيها أجزاء محتلة كفلسطين والعراق والصومال وسبته ومليلة فإن التركيز والحشد والإعداد يجب أن ينصب على التحرير ودعم مجهودات المقاومة, وهكذا أن عرفنا في أي زمان وعلى أية أرض نحن نعرف بعدها في اتجاه يتوجب علينا أن نسير.
والأمة أو"المجتمع" تشبه جسد الإنسان البشري وهي مكونة من أجيال تتعاقب ويمكن تمثيل دورة الجيل الواحد في عمر الأمة بفترة حياة الجسد البشري الواحد فهي كالجسد تمر بمراحل فتوة وقوة وطاقات تبحث عن مخرج لها ثم تنتقل إلى مراحل ضعف وإرهاق ورغبة في السكون والاستراحة لتنتقل بعد ذلك إلى مراحل مرض وإعياء وهكذا يأتي جيل جديد ليعيد الدورة الحياتية للأمة.
وكما أن تشتيت الطاقات عبر بذل مجهودات متعددة في أوقات متقاربة يرهق الجسد البشري ويفقده القدرة على التركيز فإن دفع جماهير الأمة للتحرك باتجاهات مختلفة وغير متناسقة وفي أوقات متقاربة سوف يصل بهذه الجماهير إلى مرحلة من الإرهاق وفقدان القدرة على التركيز على شيء محدد بل وفقدان القدرة على التمييز بين الأوليات, والعكس صحيح فكما أن ممارسة الجسم البشري لنشاط محدد ومنتظم كالركض مثلاًَ يؤدي بهذا الجسم إلى النمو الصحي والقوة البدنية فإن الاستمرار بدفع الجماهير نحو التحرك دوماًَ باتجاه واحد وبشكل منتظم وهو إنهاء الاحتلالات وتحقيق الوحدة سيؤدي حتماًَ لضمان استمرارية بل وتسارع وتيرة التحرك بهذا الاتجاه نحو تحقيق الهدف المنشود.
فعلينا العمل وبجدية على تحقيق وحدة عربية وتحرير المغتصب من أرضنا في الدورة الحياتية الحالية لجيلنا لا أن نكتفي بتسليم الراية للجيل القادم والذي سيسلمها بدوره للجيل الذي يليه إن هو استمر على نهجنا الحالي, وهذا يتطلب تركيز العمل والدعوة وتصويب الرمي لا العمل العبثي.
ولكن يبدوا أن الأمور ليست بهذا الوضوح عند الساسة والمفكرين والنخبة المثقفة العربية, ولهذا نلحظ فوضى العمل الجماهيري جلياًَ في الشارع العربي, فالتحركات الشعبية في معظمها عفوية أو شبه عفوية وليس هناك وضوح في الرؤيا واتفاق حول الأهداف والغايات ولهذا ينحصر تحرك الشارع العربي باتجاه ردة الفعل العاطفية والتي سرعان ما تخبوا بعيد انطلاقتها وكأن شيئاًَ لم يكن.
فعلى سبيل المثال لقد كان دوماًَ هناك نحرك جماهيري عفوي غاضب عقب كل مجزرة يرتكبها الصهاينة في فلسطين ولكن ما يلبث أن يخرج علينا المنظرون والكتبة والأبواق المأجورة لتضليل الشارع العربي تارة بالترويج لمبادرة جديدة من المبادرات إياها وتارة ببث دعايات التشكيك والتثبيط للتأثير على التعاطف الشعبي مع القضية المطروحة كما حدث إثر هدم الغزاويين لسور رفح الوثني وتارة أخرى باختراع مناسبة إلهائية جديدة لتصريف طاقات الجماهير الغاضبة وتشتيت تركيزها كخلق زوبعة إعلامية حول مسائل تافهة مثل رضاعة الكبير وختان البنات وما شابه وهذا بالضبط ما أخشاه من استغلال الطابور الخامس لموضوع الرسوم المسيئة لتصريف طاقات الجماهير في منحى آخر وتشتيت الاهتمام الشعبي العربي بحصار غزة المستمر والمجازر الإسرائيلية المستمرة واحتلال العراق والفظائع التي ترتكب هناك بشكل يومي والاحتلال الأثيوبي وجرائمه في الصومال, وإذا استمرت الأمور بالسير هكذا فسرعان ما سيصاب جيل الشباب العربي الحالي بالإرهاق و /أو الملل أوكليهما وبعدم الرغبة في الانخراط بأي عمل جماهيري لاحق.
وباختصار الأمة اليوم تمر بإرهاصات ما قبل الوحدة والتحرير, فالجبهة في فلسطين مستعرة على أشدها وقوات الاحتلال الأمريكي تخوض في وحل العراق حتى أخمص قدميها والمقاومة في الصومال تدمي القوات الإثيوبية بضرباتها والشارع العربي هائج وساخط على حكوماته وسياساتها والفجوة بين الطبقات في ظل قوانين عولمة السوق ورفع الدعم الحكومي عن سلع أساسية تزداد هوة واتساعاًَ وكل ما ينقص العرب لتحقيق تغيير جذري هو قيادات ميدانية مؤثرة لا تخشى في الله لومة لائم ولا جور ظالم ومستعدة لتقديم كل أنواع التضحية والفداء في سبيل أمتها, وفي وضع كهذا لا تتمنى الأنظمة العربية شيئاًَ أكثر من إشغال كل هؤلاء بقضية لا تمس وجودها كقضية الرسومات المسيئة.
=========================================
تعليق من إبراهيم علوش:
أؤكد على ما جاء به أخي محمد رياض أعلاه، والخطورة تصبح ضياع البوصلة السياسية في مواجهة الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه عندما يتظاهر بعض المتعاونين مع الولايات المتحدة بالدفاع عن الدين، كما فعلوا في البوسنة وكوسوفو، من خلال "ثورة الشرف" التي يتقمصونها في مواجهة رسومات، ولكن ليس في مواجهة العدو الصائل الذي يتعاونون معه ضد الأمة. والذين رفعوا شعار "إلا رسول الله" عليهم أن يتساءلوا جيداً إن كان رسول الله، عليه الصلاة والسلام، كان سيقبل أن تستباح الأمة وشعبها وثرواتها وكرامتها، ليصبح الدفاع عن ذكرى النبي العربي شماعة يعلق البعض عليها تقاعسهم وتهاونهم في الدفاع عن الأمة، لا بل تواطؤهم وخيانتهم في بعض الحالات. وهل كان سيقبل أن تصبح مقاطعة المنتجات الدانمركية بديلاً لوقف التطبيع ومقاطعة محتلي العراق وداعمي الكيان الصهيوني؟! لا والله ما كان لأن يقبل بهذا! ولو كان يرضى بأن يترك سالماً، كشخص، مقابل التخلي عن دعوته لما هناك من إسلام، وهو الذي قال مخاطباً عمه أبي طالب: "لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بيساري على أنْ أقف دون هذه الدعوة ، لن أتوقف حتى النصر أو الشهادة"، إذن القضية بالتأكيد ليست قضية شخص، حتى ولو كان خير العالمين.
أخيراً، تجدون أدناه مقالة حول الرسوم المسيئة سبق أن نُشرت عندما ظهرت لأول مرة:
ليست قضية رموز دينية فحسب..
http://www.freearab voice.org/ arabi/maqalat/ Denmark.htm
د. إبراهيم علوش
لعل أسوأ طريقة في التصدي لنشر الصحف الأوروبية رسومات تتعرض لمقام الرسول عليه الصلاة والسلام هي تحويل القضية برمتها إلى مشكلة تجاوز على المقدسات الدينية فحسب.
إذ يبدو أن البعض يظن أن الدفاع عن الإسلام يتطلب الاقتصار على طرح البعد الديني فحسب، كهجومٍ على الإسلام، بينما طرح المعركة على هذا الأساس بالحصر يفقدها مضمونها وجوهرها الحقيقي. فالعدوان الأخير على الإسلام لا يمكن فهمه خارج سياق الصراع الدنيوي بيننا وبين قوى الهيمنة الخارجية، أي صراعنا كأمة، والمستضعفين في الأرض، هنا والآن، ضد منظومة الإخضاع والتفكيك والاختراق، وقبل كل شيء طبعاً، صراعنا كأمة ضد الاحتلال بكل أشكاله، ومن ثم ضد العنصرية التي ترشح من مسامات الغرب.
فإذا وضعنا قصة الاحتلال جانباً، أي الصراع ببعده الدنيوي، القومي بالتحديد، يصير هيناً على واشنطن ولندن عندها أن تدينا نشر الرسوم الكاريكاتورية في الدنمارك، كما فعلتا، مما يتيح لهما أن تسجلا نقاطاً سياسية سهلة على حساب دولة ثانوية، وأن تضحكا بالتالي على ذقوننا بإدانة نشر الرسوم المشينة، ما دامتا تسيطران على مقدرات المعمورة والعرب.
لا، لا يجوز أن تتحول القصة إلى قصة خلاف حول طريقة التعاطي مع الرموز الدينية في مجتمع غربي لا يقيم وزناً للمقدسات أصلاً، وسبق ووضعت هوليوود مثلاً فيلماً بعنوان الإغراء الأخير ليسوع المسيح يحتوي مشاهد إباحية...
فإذا أصبحت القضية قضية رموز دينية فحسب، بلا جذور ولا خلفيات ولا تاريخ، ودون الالتفات لأسئلة الصراع السياسي والاجتماعي من نوع: من يسيطر على الأرض؟ من يتخذ القرار السياسي؟ من يتحكم ويستفيد من ثروات الأمة؟ يصبح هيناً عندها على من يستضيفون قواعد عسكرية أمريكية أو بعثات ديبلوماسية "إسرائيلية" على أرض المسلمين أن يتصرفوا كأنهم حماة حمى الإسلام الذين لم يبزهم خالداً أو صلاح الدين ... في قضية الدنمارك.
المقياس بسيط: إذا جاء الموقف من نشر الرسوم المعيبة في الدنمارك من جهات أو شخصيات معروفة بموقفها الحازم من الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، ومن الاحتلال اليهودي لفلسطين، ومن القواعد العسكرية الأمريكية في الوطن العربي، ومن الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبت ضد الإسلام والمسلمين في غوانتنامو وأبو غريب والمسجد الأقصى، وعشرات الأمثلة الأخرى التي ينتهك فيها الإسلام أرضاً وثقافةً وأمة، فإن الذود عن الرسول عليه الصلاة والسلام عندها يصبح استمراراً منطقياً لنهجٍ يحرص على الإسلام فعلاً.
وعندها يكون الدفاع عن الإسلام متجذراً في الموقف الوطني والقومي، هنا والآن، في هذه الدنيا، وفي هذا الصراع ضد الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه. وبدون هكذا موقف سياسي ضد قوى الهيمنة الخارجية وممارساتها وعنصريتها، يفقد الدفاع عن الإسلام جوهره، ويتحول إلى موقف سطحي، أي إلى قضية حرص شرقي على المساس بالرموز الدينية والمقدسات مقابل مفهوم حرية التعبير الغربي الذي لا يقيم وزناً للمقدسات... إلا إذا كانت مقدسات دنيوية طبعاً مثل جماعة اليهود والمِخرقة!
فليس من المفهوم أن يطبع أو أن يتهاون البعض مع العدو الصهيوني والإمبريالية الأمريكية، أو أن ينسق معهما أمنياً وعسكرياً وتجارياً وثقافياً وسياسياً، ليغسل كل ذلك بالدعوة لمقاطعة الدنمارك!!!! وليس من المعقول أن تصبح قضية الرسوم الكاريكاتورية، بعد خمسة أشهر من نشرها، شماعةً تعلق الأنظمة العربية وأمريكا وبريطانيا كل خستها السياسية عليها، ومنقذاً لمصداقيتها. وليس من الطبيعي أن يتأفف البعض من الدعوة لمقاطعة المنتجات الأمريكية و"الإسرائيلية"، ليندفع بعدها لمقاطعة الدنمارك، مع العلم أن هوليود هي مصنع تشويه العرب والمسلمين، لا في رسومات فحسب، بل بأفلام كاملة. فلو كانت مقاطعتنا بحجم الجريمة والانتهاك، لتوجب أن نقاطع الكيان الصهيوني وأمريكا أولاً وحليفتها بريطانيا بجريرة عقود من الجرائم ضدنا التي لا تعد ولا تحصى.
وليكن واضحاً أن الدنمارك شاركت بقوات في العدوان على العراق، وأن هذه القوات ما برحت تجثم على أرض العراق، وقد مدد البرلمان الدنماركي لها مؤخراً حتى تموز 2006، كما أن المحققين الدنماركيين شاركوا بالتعذيب في سجون العراق، ومن الواضح أيضاً أن الرسومات الكاريكاتورية تعبر عن احتقار المستَعمِر للمستعمَر أكثر مما تعبر عن أي شيء أخر. ولكن بالـتأكيد سيبدو طريفاً لبعض الغربيين كيف يصمت بعضنا عما حدث في مساجد الرمادي والفلوجة والمسجد الأقصى وغوانتنامو ليتظاهر بالحرص على الإسلام الآن. فهل كان سيدنا محمد ليقبل هذا؟!