(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


حول توصيف الدكتور رمضان شلح لطبيعة الصراع في بلادنا

 

د. إبراهيم علوش

 

في مقابلة د. رمضان شلح، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي، مع غسان بن جدو في برنامج حوار مفتوح على قناة الجزيرة يوم 12/11/2007، يقتبس الدكتور شلح ويتبنى من مستشرق صهيوني هو مارتن كريمر قوله أن الصراع في المنطقة قد تحول من عربي-صهيوني إلى إسلامي-صهيوني.  ويقول أن الصراع العربي-الصهيوني انتهى مع توقيع مصر معاهدة كامب ديفيد، أما المرحلة الفلسطينية-"الإسرائيلية" من الصراع فقد انتهت، نقلاً عن المستشرق كريمر، بوفاة ياسر عرفات!

 

ويستزيد الدكتور شلح من المستشرق الصهيوني كريمر بالتأكيد بأن حرب لبنان في صيف عام 2006 لم تكن حرباً عربية-"إسرائيلية" سادسة بل حرباً إسلامية-"إسرائيلية" أولى.  ويعتبر الدكتور شلح أن كل حركات المقاومة وسوريا منضوية في هذا "الحلف الإسلامي"، الذي نفهم من أجابته على السؤال الذي يليه مباشرةً بأن الهجمة على إيران تأتي "باعتبارها قاعدة المشروع الإسلامي الذي يواجه إسرائيل"!!  فمن الواضح هنا أننا لا نتحدث عن رسالة الإسلام بل عن موقف سياسي واصطفاف إقليمي محدد...

 

لدينا إذن حسب الدكتور شلح، اعتماداً على كريمر، خياران: إما إيران وإما الغرب، ومعسكر المقاومة هو إيران، أما الصراع العربي-الصهيوني فقد انتهى بتوقيع معاهدة كامب ديفيد.

 

والحقيقة أن تبني وجهة نظر مستشرق صهيوني هكذا، جملة وتفصيلاً، وبدون تدقيق، يحتاج إلى وقفة متأنية عندما يأتي من مثقف أكاديمي، قبل أن يكون أمين عام تنظيم ربما يمثل بجدارة حالياً أعلى سقف سياسي في الساحة الفلسطينية، تنظيم رفض حتى الآن أن يدخل الانتخابات في ظل الاحتلال ويتخذ حالياً أوضح المواقف من الحلول التسووية، وتنظيم يتعرض عناصره وكوادره لأشرس عملية استهداف يومية لم يتعرض لها تنظيم فلسطيني يوماً من قبل العدو الصهيوني.. وبالرغم من ذلك يستمر بالعطاء بلا حدود.  إذن النقاش هنا لا يتناول تضحيات سرايا القدس، والمواقف الثابتة للجهاد الإسلامي في الصراع العربي-الصهيوني إلا بكل احترام وتقدير.

 

لكن توصيف كريمر للصراع يبقى توصيفاً سطحياً ومليئاً بالتناقضات، كما أنه يهدف لتبرير التحالف الأمريكي-الصهيوني مع "المعتدلين العرب" بذريعة أن المشكلة مع إيران لا مع العرب.   وإذا كان من واجبنا أن نتابع وثائق وتحليلات الطرف الأمريكي-الصهيوني، وأن نكشف مخططاته في بلادنا، وأن نجمع المعلومات حول توجهاته ومواقفه، فإن ذلك لا يساوي تبنى توصيفاً صهيونياً لطبيعة الصراع يصب إما في مصلحة "إسرائيل" أو إيران! 

 

وشتان ما بين كشف معلومات مهمة متضمنة في وثيقة صهيونية أو أمريكية، حول خطة سرية ما مثلاً أو مشروع تفكيك، وما بين تبني التوجه السياسي للعدو.  فالتوجه السياسي للعدو ليس معلومات، بل موقف لا بد من دحضه.  على سبيل المثال، خلال غزوات الفرنجة في القرون الوسطى كان الفرنجة يقولون بأنها حروب صليبية، وكان العرب والمسلمون يفندون هذا التوصيف ويقولون أنها غزوات استعمارية فرنجية تتغطى بالدين المسيحي... وأمريكا تصف حروبها الخارجية اليوم بأنها "حربٌ على الإرهاب"، وحملة لنشر "الديموقراطية وحقوق الإنسان"، ولا يعني ذلك الإدعاء أنها كذلك فعلاً.  فنحن لا نتبنى توصيف العدو لطبيعة الصراع لأنه وضع أصلاً لتبرير سلوك العدو وسياساته، باعتبارها ليست موجهة ضد العرب أو حتى ضد الفلسطينيين، بل ضد إيران وحلفائها فحسب.

 

ولا يعبر توقيع السادات لمعاهدة كامب ديفيد عن إرادة الشعب المصري، ولا اتفاقية أوسلو عن الشعب الفلسطيني، ولا معاهدة وادي عربة عن الشعب الأردني!  وخروج النظام الرسمي العربي من معادلة الصراع لا يعادل خروج الأمة العربية من تلك المعادلة.  وحالة الصراع تستمر بقوة الزخم الشعبي العربي، في لبنان وفلسطين والعراق وغيرها، لأن المستهدف هو الأمة برمتها شعباً وهويةً وأرضاً وتاريخاً وإسلاماً.  وفي عام 1955 عندما تشكل حلف بغداد الموالي للإمبريالية من باكستان وإيران وتركيا والعراق لم يستنتج شعبنا العربي بأن الإسلام لم يعد له دور لأن بضع أنظمة في الدول الإسلامية قد تساقطت.

 

وبعد يوم واحد فقط من تصريحات الدكتور شلح في الجزيرة استضافت تركيا محمود عباس  وشمعون بيريز (الذي ألقى خطاباً بالعبرية أمام البرلمان التركي ذي الغالبية الإسلامية)، وسمسر حزب العدالة والتنمية في صفقات اقتصادية وسياسية تطبيعية، وسعت تركيا لتوسيع دورها السياسي في الصراع "الإسلامي-الإسرائيلي" بالتنسيق مع الطرف الأمريكي-الصهيوني.  فهل نستنتج من ذلك أن الصراع لم يعد للإسلام فيه دور مثلاً إذا اعتمدنا مقاييس المستشرق كريمر؟!

 

وبعدها بيومين، بين 15 و17 نوفمبر/ ت2 2007، استضافت تركيا مؤتمراً عالمياً للقدس يهدف لسحب ورقة القدس من يد إيران، ومصادرة راية القدس لتوظيفها في الدور التركي في الإقليم، بعد استضافة لقاء عباس وبيريز.   وقد طرح مؤتمر القدس في تركيا شعارات سياسية معومة تماماً حول القدس وكان سقفه المعلن في الدعوة، حسب موقع إسلام أون لاين: "إعلان وثيقة عالمية تؤكد بقاء القدس إرثًا إنسانيًّا حضاريًّا، وأن حمايتها هي مهمة للإنسانية جمعاء".   فأين ذهبت عروبة القدس وإسلاميتها، والدعوة للجهاد لتحريرها ما دامت الأرضية هي الإسلام؟!

 

ولا يغير من ذلك طبعاً أن بعض الخطابات في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر لم تأتِ ضمن نفس السياق، أو أن البيان الختامي أكد على عروبة القدس...

 

الحقيقة المرَّة هي أن النظام الرسمي العربي غائب عملياً عن معادلة الصراع، أو بالحد الأدنى يفتقد الإرادة والمبادرة، مما يدفع تركيا وإيران للتمادي في الفراغ الإقليمي، ولكن ذلك لا يعني إطلاقاً أن الأمة العربية انسحبت من المعادلة، أو أن علينا أن نوظف موقفنا في فلسطين لمصلحة إيران... أو تركيا أو غيرها، أو أن نتبع لهذا المحور أو ذاك.

 

وتبقى القضية الفلسطينية قضية أهلها أولاً: الشعب العربي، فالمؤامرة عليهم والتحرير منهم.  ولا يقلل ذلك من البعد الإسلامي أو الأممي لقضية فلسطين، ولكن "ما حك جلدك غير ظفرك".