(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
حول الإسلام الثوري
د. إبراهيم علوش
بالرغم من أهمية التأويل الثوري للإسلام في تعبئة وتحريض قطاعات كبيرة من شعبنا لممارسة الجهاد ضد الظلم الخارجي والداخلي، ودور الإسلام الذي لا ينكر في تحريك النزعة الاستشهادية، الكارهة للدنيا، في صفوف شبابنا العربي، فإن طرح القضية باعتبارها قضية دينية، وباعتبار الغرب يحارب ديناً بعينه، فوق وغير المصالح والاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، يحتمل قدراً من عدم الدقة وضياع البوصلة.
ولنلاحظ مجدداً أن الغرب، الذي يعبر في النهاية عن نخب تحكم وتسير النظام الإمبريالي العالمي، لا يعادي الدين عندما يخدم مصالحه.
والدلائل على هذا أكثر من أن تعد أو أن تحصى. من التحالف الذي أقامه مع المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفياتي السابق في الثمانينات إلى دعم حلف الناتو للبوسنيين من أجل تفكيك يوغوسلافيا في التسعينات إلى تسهيل حركة الإسلاميين في عدة أنظمة عربية متحالفة مع الولايات المتحدة عندما كان يتلقى القوميون والشيوعيون أظلم الأحكام، منهم من قضى زهرة شبابه في السجون في فترة الصراع مع حركات التحرر الوطني والقومي في بلادنا.
والدلائل المعاصرة أكثر من أن تعد أو أن تحصى أيضاً، ومنها أن الإدارة الأمريكية ليست لديها مشكلة مع الإسلاميين في الولايات المتحدة الذين يركزون على الشعائر من الحجاب إلى اللحية، ويطالبون بعطل لحضور صلاة الجمعة، الخ... ما داموا يتجنبون القضايا الحقيقية التي تمس مصالح الإمبريالية أو سياساتها.
ناهيك طبعاً عن المشايخ الذين يفتون ضد العمليات الاستشهادية، والذين يبررون "السلام" مع العدو الصهيوني وقتال المسلمين في صف القوات الأمريكية، وكيف يحتضن هؤلاء ويعطون المنابر.
إذن المشكلة في الإسلام الثوري بالنسبة للإمبريالية هي نفسها المشكلة في حركات التحرر الوطني، وفي كل دعوات التحرر السياسي أو الاجتماعي، وهي أن الإسلام الثوري يمس المصالح الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية لقوى الهيمنة الخارجية وعملائهم الداخليين.
ولو تخلى الإسلام الثوري عن برنامجه السياسي والاجتماعي، فإنه لا يعود مشكلة بالنسبة للإمبريالية وحلفائها، في اللحظة التي يتوقف فيها عن أن يكون ثورياً.
وبعد ذلك لا مشكلة أن يرفع الآذان في الكونغرس الأمريكي، وأن يدعو كولن باول، وزير الخارجية الأمريكية السابق، زعماء المسلمين في الولايات المتحدة لإفطار رمضاني في وزارة الخارجية.
ولا مشكلة أن تتحالف أمريكا مع من يدعون الإسلام لشن عدوانها على العراق، ما داموا يسهلون العدوان، أي يتماشون مع مصالحها السياسية وغير السياسية، ولا مشكلة مع صاحب العمامة السوداء عبد العزيز الحكيم ما دام يقر قانون نفط العراق الذي يسلم 75% بالمئة من العائدات النفطية العراقية لمدة خميسن عاماً للشركات الأجنبية.
وقد يقول قائل أن إسلام هؤلاء المنافقين ليس صحيحاً، وقد يكونون منافقين فعلاً، وقد يكون الإسلام الثوري فقط هو الإسلام، ولكن لو نظرنا للأمور من منظور ديني فحسب، دون البرنامج السياسي والاجتماعي الذي يعبر عنه كل طرف أو قوة أو شخصية، وهو بيت القصيد، فإن أوغو شافيز يصبح أبعد عنا مثلاً من أصحاب مبادرة السلام العربية مثلاً مع أن شافير أشرف منهم بكثير، ويخدم مصالح العرب والمسلمين أكثر منهم مليون مرة، أليس كذلك؟
إذن فلننتبه من طرح الأمور خارج السياق الوطني والقومي. فالإسلام خارج هذا السياق يصبح إسلاماً غير ثوري. أي أن الإسلام الثوري هو بالضبط إسلام برنامج التحرر الوطني والقومي والاجتماعي، وعلى سبيل المثال، فإن الشيخ عز الدين القسام كان عضواً مؤسساً في حزب الاستقلال العربي ذي البرنامج القومي العربي (فرع حيفا في أوائل الثلاثينات)، وهذا لم يتعارض مع كونه شيخاً، وعبد الكريم الخطابي وعبد القادر الجزائري وعمر المختار كانوا رموزاً وطنية مناهضة للاحتلال أولاً، ولولا ذلك لما حاربهم الاستعمار، وقد وجد غيرهم كثير من "الإسلاميين" الذين كانوا على استعداد للتفاهم مع الاحتلال وبالتالي لم يشن الاحتلال حرباً عليهم لا دينية ولا غير دينية، لأنهم كانوا جزءاً من برنامجه السياسي.
على كل حال، لا شك أن الإمبريالية اليوم تشن حرباً ثقافية علينا، وهذا يعطي الإسلام أهمية إضافية في مقاومتها، ولكن حتى هنا، نتحدث عن المقاومة من منطلق الحفاظ على الثقافة الوطنية والقومية المستهدفة في كل أبعادها في زمن العولمة، وليس فقط في بعدها الديني، خارج السياق السياسي الدنيوي، الذي يقوم عند العدو على إنتاج ظاهرة إسلامية غير ثورية وغير جهادية.
وقد تم التطرق في مواضع أخرى كيف لا يكون قومياً، أو ذا موقفٍ وطني، العربي الذي يتنكر للإسلام كوعاء واندماج عضوي في العروبة. فذاك طريق الاستلاب.. في زمن المواجهة بين الاستلاب والانتماء، وقد رأينا كيف ينتهي "دعاة التغيير" الذين يجعلون محاربة "الظلامية" و"التشدد الأصولي" أولويتهم الأولى، قبل محاربة أعداء الأمة الأساسيين، إلى التحالف العلني مع أعداء الأمة، في كل زاوية من زوايا الوطن العربي الكبير.