(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
حول قرار الجنائية الدولية توقيف الرئيس السوداني عمر البشير
د. إبراهيم علوش
جاء إعلان لويس مورينو أوكامبو، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، أنه ينوي إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير تصعيداً غير عادي ضد دولة عربية وإسلامية إزاء خلفية معاكسة من التهدئة الإقليمية في غزة ولبنان ومع سوريا وفي العراق، باستثناء لعبة شد الحبل المتبادلة مع إيران.
وقد ترافقت الأنباء الصحفية عن قرب مقاضاة واعتقال الرئيس البشير أيضاً مع لقاء الاتحاد المتوسطي في باريس في 13/7/2008 الذي شاركت فيه كل الدول العربية المطلة على المتوسط، باستثناء ليبيا، حسب وسائل الإعلام، كما شاركت فيه تركيا ودولة الكيان الصهيوني، وحضره الرئيس بشار الأسد وأيهود أولمرت، وكان قد سبق ذلك المؤتمر إعلان تشكيل حكومة لبنانية بعد طول انتظار. كما سبقه اعتراف عدد من الأنظمة العربية ديبلوماسياً بالنظام العميل في العراق في مسعى موازي لاحتوائه أيضاً.
الأمر الذي لا شك فيه هو أن تحويل الرئيس السوداني عمر البشير للمحكمة الدولية يشكل انتهاكاً غير عادي لسيادة السودان، واستهتاراً فظاً بمشروعيته ووجوده، وتحدياً سافراً لكرامة العرب والمسلمين والأفارقة. كما أنه يمثل استمراراً لسياسة التدخل الدولي في السودان الهادفة إلى تفكيك البلاد ووضعها تحت الوصاية الدولية، وهو ما يمكن اعتباره الجزء الخاص بالسودان في برنامج "الشرق الأوسط الكبير". لكنه يمثل قبل ذلك حرقاً للمراحل، واستعجالاً لاهثاً لتفكيك الدولة السودانية في خطوة تبدو كأنها سابقة لأوانها، خطوة لا تختلف من حيث المضمون عن السعي لتفكيك العراق من خلال التخلص من قيادته الشرعية، من قبل الحريصين على "الشرعية الدولية".
وكان المأزق الأمريكي في العراق قد دفع مشروع "تغيير الأنظمة" بالقوة إلى حواف الإقليم في دارفور. بينما تطلب صعود إيران كقوة إقليمية إعادة تأهيل "المعتدلين العرب"، بعد طرح مشروع "تغيير أنظمتهم" رسمياً عشية احتلال العراق، ليصبحوا منذ عامً ونيف جزءاً من تحالف إقليمي أمريكي-صهيوني موازي لإيران.
لكن من الواضح أن سياسة مد الجسور مع الأنظمة العربية المحيطة بالمتوسط، أو تلك القائمة بالجزيرة العربية، يترك السودان فقط خارج معادلة التهدئة تلك، فما يجري في السودان اليوم كان يفترض به، حسب مشروع المحافظين الجدد في الولايات المتحدة واللوبي الصهيوني، أن يجري في السعودية ومصر وسوريا، وإيران نفسها، لولا المقاومة العراقية طبعاً.
باختصار يبدو أن الطرف الأمريكي-الصهيوني يرى في السودان طرفاً ضعيفاً يتأثر بالمعادلة الإقليمية أكثر بكثير مما يستطيع التأثير بها، فضلاً عن تناقضاته الداخلية ونزعات التفكيك داخله، من جنوبه إلى شرقه إلى دارفور، وقد بات بنفطه وثرواته غير المستغلة ومساحته الشاسعة خطراً محتملاً على المشروع الأمريكي-الصهيوني تعززه علاقته بالصين التي يشكل الهجوم على السودان جزئياً محاولة لتحجيم نفوذها المتصاعد في أفريقيا، ولا نستطيع أن نفهم الفيتو الروسي والصين ضد مشروع القرار الذي قدمته واشنطن لمعاقبة زيمبابوي إلا في هذا السياق.
السودان الآن إذن ساحة صراع دولي، وإحدى نقاط التحول من عالم أحادي إلى عالم متعدد الأقطاب. وما يعانيه إقليمياً يرتبط أساساً بغياب الظهير الإقليمي، أي بتخلي النظام المصري عن مسؤوليته في حماية الأمن القومي العربي، وأمن وادي النيل، وبالتالي أمن مصر نفسها، مقابل ارتهان القرار الرسمي المصري بالطرف الأمريكي-الصهيوني على الصعيد الإقليمي من أجل الحفاظ على ديمومة النظام، ومنه تخلي الطرف الأمريكي-الصهيوني عن مشروع "تغييره"، والتساهل مع فكرة "التمديد والتوريث".
لكن السودان المفكك، الضعيف، الموضوع تحت الوصاية الدولية، لو نجح هذا المشروع لا سمح الله، ولو سمح الشعب السوداني بذلك، بغض النظر عن أي خلافات مع نظامه، سيكون أكبر خطر على الأمن القومي العربي في مصر. ويبدو أن الحكام العرب ما زالوا لا يدركون حكمة "أكلتم يوم أكل الثور الأبيض" التي عرفها العرب منذ كليلة ودمنة...
وقد كان لطيفاً وظريفاً ما رشح في وسائل الإعلام من أن أمين عام منظمة الأمم المتحدة بوكيمون اتصل بالرئيس عمر البشير وعرض عليه المساعدة في احتواء مشكلته مع المحكمة الجنائية الدولية مقابل السماح للقوات الدولية باليد الطولى في دارفور!!!! المحكمة الجنائية الدولية أداة ابتزاز إذن، وقد سبق أن أصدرت قرارات توقيف بحق الوزير السوداني لحقوق الإنسان أحمد هارون، وبحق أحمد قوشيب أحد قادة ميليشيا الجنجويد...
وعلى عكس التهدئة الداخلية ومشاريع الحوار في لبنان وفلسطين وغيرها من بؤر التوتر في الإقليم، نرى الأطراف الداخلية المدعومة إمبريالياً في السودان، مثل الحركة الشعبية، شريكة النظام في الحكم، وما يسمى حركة تحرير السودان بقيادة أركو مناوي تصعدان الموقف وتوترانه...
الموقف في السودان إذن مرشح للتفاقم، وعلى القيادة السودانية أن تستعد جيداً للقتال وأن تجهز للمقاومة، وهذا لا يتطلب انفتاحاً يسبب انهياراً داخلياً تحت عناوين "ديموقراطية" على طريقة دول المنظومة الاشتراكية سابقاً، بل يتطلب فقط التمسك بالموقف المعبر عن مصلحة الوطن، الموقف المعبر عن حس الشعب ومصالحه، وأن تزال كل العوائق التي تمنع التحام القيادة بالناس. لا بد من توزيع السلاح ومحاربة الفساد والسعي لتأمين الحاجات الأساسية للناس وما شابه، نعم، أما الخضوع للبرنامج "الديموقراطي" الغربي، فهو طريق تفكيك السودان.
أما المحكمة الجنائية الدولية التي سبق أن اشتغل بعض المقربين من العميل أحمد الجلبي، مثل المحامي اللبناني شبلي ملاط، لمحاكمة شارون فيها، لإعطائها المشروعية ليس إلا، فيجب أن يتخذ العرب موقفاً حاسماً منها، ومن كل شيء دولي، وكل تدخل دولي، وكل قرارات ما يسمى "الشرعية الدولية" دون استثناء.