(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 

حول مشروع بوش الصغير لقصف فضائية الجزيرة:

ملاحظة غير شخصية

د. إبراهيم علوش

 

بين الذات والموضوع، كثيراً ما يجد الإعلاميون أنفسهم في موقفٍ غريبٍ نوعاً ما عندما يتحولون أنفسهم إلى مادة إعلامية، دسمة أو هزيلة.  فعندما ينصهر الموضوع انصهاراً في الذات، ليدفعه بفعل آلياته وقوانينه الداخلية بعيداً، أبعد من ملل الدروب المألوفة والخطوط الحمر، قد ينسى المرء ذاته ليجدها إن وجدها مبذولةً خلف حدودها.   في تلك اللحظة يضيع الخط الفاصل، ولا تعود الذات ملكاً شخصياً بعد أن تنسكب خارجها، فكأنها تفقد نفسها بمقدار ما تتملك موضوعها، أم أنه هو الذي يتملكها؟!

 

إعلامياً، تكثر الأمثلة على تحول الذات إلى موضوع إعلامي أو خبر في قناة الجزيرة بالذات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الأسيرين تيسير علوني وسامي الحاج بعد تغطيتهما للقاعدة وأفغانستان، والشهيد طارق أيوب بعد تغطيته للعدوان على العراق، والإعلامي أحمد منصور والاعتداء عليه بالضرب بعد تغطيته للانتخابات المصرية، ناهيك عن كل الأزمات الديبلوماسية التي سببها هذا البرنامج أو ذلك التقرير مع هذه الدولة العربية أو تلك.

 

وليست العبرة هنا الدفاع عن السياسة الإعلامية لقناة الجزيرة التي تفرض  "إسرائيليين" على شاشاتنا، وقد نختلف مع توجه الجزيرة الإعلامي في الكثير من الأمور، حتى أن البعض يصل إلى أنها ساحة صراع على النفوذ الإعلامي بين الأمريكيين والبريطانيين، مدللاً على ذلك بتهاونها مع البريطانيين بالمقارنة مع الأمريكيين، وأن الكادر الذي أسسها قدم من البي بي سي البريطانية، وتبقى هذه وجهة نظر تحتمل الخلاف...  ولكن أحد الأصدقاء من أصحاب وجهة النظر هذه تساءل مؤخراً: لماذا يقول بوش الصغير لبلير بالذات أنه يفكر بقصف قناة الجزيرة؟  والأهم، لماذا يتسرب محضر تلك الجلسة ما بين بوش وبلير من مقر رئاسة الوزراء البريطانية بالذات؟!  وهل هي مجرد صدفة؟

 

بغض النظر، الذي لا ريب فيه هو أن الجزيرة تمكنت خلال سنوات عمرها من تحقيق إنجازات مهمة يقل نظيرها مثل: 1) كسر الاحتكار الإعلامي لقناة السي أن أن الأمريكية، التي رأى العالم بأسره حرب الخليج الأولى مثلاً من خرم إبرتها فحسب، 2) كسر احتكار الإعلام الرسمي العربي على الخبر القطري المحلي، مما أسهم بتوحيد الأجندة التي يتناولها الشارع العربي من المحيط إلى الخليج، 3) فتح الباب الإعلامي قليلاً أمام أراء معارضة موجودة في الشارع العربي كان من سابع المستحيلات سابقاً أن تجد منفذاً لها إلا تحت الأرض، 4) فرض قطر كوزن معتبر على الخريطة السياسية العربية مقابل مراكز إقليمية أساسية من فئة السعودية ومصر.

 

وقد كان السلاح الفتاك الذي مكن الجزيرة من تحقيق هذه الإنجازات هو المهننة، أي صهر الذات في الموضوع.  فحيث كان الإعلامي الرسمي العربي يفرض ذاته على الموضوع، متطفلاً، منفراً، مهمشاً مادته الإعلامية ليركز على ذاته أو صنمه الأجوف، جاءت الجزيرة لترفع السقف الإعلامي، ولتوسع شبكة المراسلين، ولتستقطب الكفاءات، ولتوظف الكادر الإعلامي في ملاحقة الموضوع، بدلاً من توظيف الخبر في متابعة ذات الزعيم الأوحد.  وهي معادلة للإخلاص المهني يمكن تعميمها خارج النطاق الإعلامي أيضاً، في العلم، في العمل، في النضال، وحتى في العشق: إما أن توظف الذات في خدمة الموضوع، وإما أن يوظف الموضوع في خدمة الذات.  فالحالة الأولى تنتج الاختراع العلمي أو الفعل النضالي أو الإنجاز العملي أو التضحية في سبيل قضية أو مبدأ، بينما الحالة الثانية تنتج الانتهازية والذاتية والرداءة من مختلف الأشكال.

 

المهننة إذن هي مهارة فقدان الذات في الموضوع ولو هنيهات، وهي المهارة التي تفوق فيها كادر قناة الجزيرة، ودفع ثمنها غالياً أكثر من مرة.  وهو ما يجب أن نعترف به لكادر القناة حتى لو اختلفنا مع بعض جوانب توجهها الإعلامي. 

 

ودون أدنى شك، لا بد أن نقف مع القناة، وأية جهة إعلامية أو غير إعلامية، عندما تنكشف نية الأمريكيين استهدافها، أولاً من منطلق قومي ووطني، وثانياً من منطلق الدفاع عن حرية الرأي والتعبير، خاصة الدفاع عن الهامش الصغير الذي أتاحته القناة لأصحاب الآراء المخالفة. 

 

ولكن أود بهذه المناسبة أن يسمح لي القارئ الكريم أن أتطفل وهلةً على الموضوع بالإشارة إلى برنامج الاتجاه المعاكس الذي كان لي شرف المشاركة فيه خمس مرات حتى الآن، وأود بالتحديد أن أشكر الدكتور فيصل القاسم وفريقه على إتاحة هذه الفرصة، ولكن أود أكثر من كل ذلك أن أصفي حساباً غير شخصي مع المدعو كريستوفر روس المسؤول السابق للديبلوماسية العامة في وزارة الخارجية الأمريكية، بمناسبة كشف صحيفة الديلي ميرور البريطانية يوم 22/11/2005 محضر الجلسة بين بلير وبوش الصغير التي صرح فيها الأخير عن رغبته بقصف قناة الجزيرة القطرية بسبب تغطيتها للعدوان الأمريكي على الفلوجة في ربيع عام 2004.

 

====================================

 

ففي 22/11/2001، أي قبل أربع سنوات بالضبط من نشر خبر الدايلي ميرور عن رغبة بوش الصغير بقصف قناة الجزيرة، نشر موقع الجزيرة نت نص المناظرة التي جرت بيني وبين المسؤول السابق عن الديبلوماسية العامة في وزارة الخارجية الأمريكية كريستوفر روس الذي جرى قبل ذلك بيومين، أي في 20/11/2001، وقد بدأ النقاش، بعد مقدمة د. فيصل القاسم، بالشكل التالي:

 

د. فيصل القاسم: نبدأ أولاً من واشنطن مع السيد كريستوفر روس. سيد كريستوفر روس، سؤال بسيط في البداية يعني يسأله الكثيرون: لماذا قصف مكتب قناة (الجزيرة) في أفغانستان؟

 

د. إبراهيم علوش: اسمح لي دكتور فيصل، يعني أريد أن أقول أن هذا ليس السؤال الذي يجب أن نبدأ به البرنامج، هناك جو من الإرهاب يفرض على العرب والمسلمين في الولايات المتحدة وخارجها.

 

د. فيصل القاسم: دقيقة، طيب، بس دقيقة.. بس دقيقة سأعطيك المجال بس.

 

د. إبراهيم علوش: اسمح لي السؤال هو.. السؤال هو: هل قصف قناة (الجزيرة) في أفغانستان مقدمة لقصف قناة (الجزيرة) في قطر؟ وهل قصف قناة (الجزيرة) مقدمة لقصف الأقنية الأخرى التي تخرج عن الخط الإعلامي الأميركي؟

 

د. فيصل القاسم: طيب، طيب، سيد روس، سمعت هذا الكلام تفضل.

 

كريستوفر روس: أولاً أستاذ.. دكتور فيصل، أتمنى لكم ولكل المشاهدين رمضان مبارك.

 

د. فيصل القاسم: شكراً يا سيدي.

 

كريستوفر روس: ثانياً أرفض الطرح، أرفض هذا الطرح، الولايات المتحدة ما عندها شيء ضد (الجزيرة) لا في كابول، لا في قطر، لا في أميركا، ووجودي بهذا الأستديو يدل على إنه هناك نوع من التعاون الإعلامي. بالنسبة لمكتب كابول، القوات الأميركية في أفغانستان تستهدف المنشآت والعناصر العسكرية فقط، لا تستهدف المنشأة الإعلامية أو غيرها من المنشآت المدنية، وبالرغم من جهودنا في هذا لاتجاه طبعاً تحصل بعض الأغلاط، بعض الأغلاط في استعمال الأسلحة مثلاً، ولكن لحد الآن لا نعرف ماذا حصل بالظبط بالنسبة لمكتب كابول، ولكن نعرف.. نعرف تمام المعرفة أنه لم يكن هذا المكتب بين أهدافنا، فعلينا أن ننتظر شوي لنعرف ما حصل.

 

د. فيصل القاسم: طيب، دكتور علوش، سمعت هذا الكلام، لماذا هذا الافتراءات على أميركا وعلى القوات الأميركية في أفغانستان وكيل الاتهامات لها جزافاً يعني؟

 

د. إبراهيم علوش: أولاً أريد أن أقول: أن الادعاء أن قناة (الجزيرة) لم تكن مستهدفة ليس صحيحاً، هناك يعني مراجع إعلامية تثبت عكس ذلك، على سبيل المثال إذا نظر الضيف إلى "نيويورك ديلي نيوز" في عدد 14 أكتوبر، 14/10 سيجد فيها تحريضاً على قصف قناة (الجزيرة)، بالتحديد هناك دعوة لإغلاق قناة (الجزيرة) بقوة السلاح، وذلك جاء رداً على تغطيتها لأخبار أفغانستان وإظهار صور الضحايا المدنيين من الاعتداء الأميركي عليها، أقتطف بالتحديد: (الجزيرة) هي القناة المفضلة عند بن لادن، والتعامل مع (الجزيرة) مهمة للعسكر، وإغلاقها يجب أن يكون أولوية آنية، لأنها لو تركت لشأنها فإنها ستسمم الأجواء بشكل أكثر فعالية وإهلاكاً من "الجمرة الخبيثة" فهذا التحريض الإعلامي نجده في الصحافة الأميركية وهو يعكس توجه عند الإدارة الأميركية وقطاعات محددة فيها ضد قناة (الجزيرة) وغيرها من الوسائل الإعلامية التي تختلف مع النهج الأميركي. هناك مثال آخر وهو مثال الدكتور أو المتصهين فؤاد عجمي في الـ "نيويورك تايمز" من 18/11 يعني هذا الشهر، أيضاً يحرض ضد قناة (الجزيرة) ويتهمها أنها يعني تعادي السياسة الأميركية وما شابه...

 

وتجدون بقية نص الحوار على الرابط التالي على الجزيرة نت:

http://www.aljazeera.net/programs/op_direction/articles/2001/11/11-22-1.htm

 

المهم، يصر السيد كريستوفر روس أن "الولايات المتحدة ما عندها شي ضد الجزيرة"!  وها هم البريطانيون يكشفون نقيض ذلك، فماذا تقول الآن يا سيد روس؟!  ألا زلت مصراً أن "الولايات المتحدة ما عندها شي ضد الجزيرة"، حتى بعد قصف قناة الجزيرة في كابول وبغداد، ومشروع قصفها في قطر؟!  لا بأس!  فربما كان كل ذلك القصف نتيجة "بعض الأغلاط في استخدام الأسلحة" فحسب، بعض الأغلاط التي أدت إلى قصف المدنيين في الفلوجة بالفسفور الأبيض مثلاً، أو بعض الأغلاط في القصف الإعلامي ربما، الذي يزيف الموضوع، لخدمة الذات!

 

======================================

 

أردت مما سبق إذن أن أثبت أن استهداف قناة الجزيرة في أفغانستان كان مقدمة لاستهدافها في أماكن أخرى خاصة بسبب كسرها للاحتكار الإعلامي الأمريكي على الخبر العالمي، أي أن الجزيرة بذلك أصبحت موضوعياً جزءاً من قوى مناهضة العولمة إعلامياً، لأنها تكسر احتكار قوى الهيمنة الخارجية على وسائل الاتصال، بمقدار ما تكشف الحقيقة حقاً، وبمقدار ما تفسح المجال لمناهضي تلك القوى طبعاً.  ولكن للقصة مع كريستوفر روس تتمة.  فبالرغم من أنه كان يقدم الأكاذيب الرسمية بلغة عربية ركيكة جداً، وبالرغم من أنه قال قبل أن تقارب المناظرة المحتدة على الانتهاء:

 

كريستوفر روس: خلينا نبقى في الموضوع، أنا عندي وجع راس!

 

د. إبراهيم علوش: لازم لأنه أفكارك مشوشة!

 

وبالرغم من أن وجع الرأس يجعل المرء عامةً غير قادر على التركيز، مما يعذره ربما على الهفوات، فإن بعض الإعلاميين العرب المـتأمركين، ممن يعرف حاجة أمريكا لإظهار نفسها دوماً بصورة المنتصر المتفوق، كتب مادة بالإنكليزية تظهر كريستوفر روس بمظهر الكاوبوي الأمريكي الذي يسحق الهندي الأحمر، العربي هذه المرة، المتمسك بنظرية المؤامرة!  الذي يتجرأ أيضاً على التشكيك برغبة الولايات المتحدة بضرب الإعلام الخارج عن طوعها بالقنابل، ليس فقط في كابل، بل في قطر نفسها، وفي أماكن أخرى...  وقد نشرت هذه المادة في فصل من كتاب صدر في أمريكا عام 2002 عن قناة الجزيرة لمؤلفيه محمد نواوي وعادل اسكندر.  وعنوان الكتاب بالإنكليزية:

 

"Al-Jazeera: How the Free Arab News Network Scooped the World and Changed the Middle East," by Mohammed El-Nawawy and Adel Iskandar. Cambridge, MA: Westview Press, 2002.

 

وقد صدر الجزء المتعلق بالمناظرة من ذلك الكتاب مع روس في عدد ربيع/صيف 2002 في مجلة الاتصالات المتخصصة الصادرة عن الجامعة الأمريكية في القاهرة التي نشرت ذلك الجزء من الكتاب وحده على موقعها على الإنترنت على الرابط التالي:

 

http://www.tbsjournal.com/Archives/Spring02/talkshows.html

 

وفي كتاب أخر بعنوان "الجزيرة" أيضاً لنفس المؤلفين محمد نواوي وعادل اسكندر صدر في أمريكا بالإنكليزية أيضاً عام 2003، وهو في الواقع طبعة منقحة ومعدلة من كتابهما الأول، أعادا نشر طبعة مزيدة ومنقحة من مادتهما السابقة عن بطولات روس، حيث يكرر المؤلفان نفس القصة عن الكابوي الأمريكي الذي يسحق ابن المستعمرات الهمجي المعادي لأمريكا والمتسلح بنظرية المؤامرة، ولمَ لا؟  فتلك حاجات السوق الأمريكية...  وكل الفصل يدور في جوهره حول نقطة واحدة: إبراهيم علوش لا يملك دليلاً مادياً أن الولايات المتحدة استهدفت قناة الجزيرة عن سابق إصرار وتصميم!  وقد قام كريستوفر روس حسب المؤلفين بتشريح ذلك الإدعاء، النابع من كراهية لاعقلانية لأمريكا طبعاً، بكل برود وبلغة عربية بليغة "ما عندها شي... ضد الجزيرة"! 

 

لا تعليق!  وأترك من يرغب ليقرأ نص الحوار بنفسه إن لم يكن قد شاهده من قبل.  وعلى أية حال، ها هو محضر الجلسة بين بوش وبلير الذي سربه البريطانيون، والذي سربته الدايلي ميرور، يظهر بالوثائق ما حاول إخفاءه كريستوفر روس.  وإن لم تكن تلك الوثيقة دليلاً مادياً فلا أعرف كيف يكون الدليل المادي... هذا إذا افترضنا أن المطلوب من المحلل أن يأتي بدليل مادي، لا أن يربط الظواهر بالأسباب، كما حاولت أن أفعل، ليكشف كيف تنتج بنية أمريكا السياسية والاقتصادية نواياها وسلوكياتها العدوانية.  والقضية ليست شخصية في النهاية، فأنا لا أعرف روس من قبل، وليس بيني وبينه ثأر شخصي، ولكن الأمر الذي لم استطع تجاهله فعلاً، غير أنه كان يعبر عن وجهة النظر الرسمية الأمريكية، هو مسألة تزوير التاريخ.

 

تزوير التاريخ ليس قضية شخصية، بل قضية أمة، وقضية وطن.  فنحن العرب لا نهتم بالتوثيق.  فبعد عشر سنوات أو عشرين، كم كتاب سيذكر قصة محضر اللقاء بين بوش وبلير الذي كشف رغبة بوش بقصف قناة الجزيرة؟!  صحيحٌ أن أعداداً من الناس شاهدوا المناظرة موضع النقاش، وأن المواد الإعلامية المذكورة آنفاً التي تقدم المناظرة هي باللغة الإنكليزية وموجهة للسوق الأمريكية، ولكننا نتحول فيها من خلال تزييف التاريخ إلى معتدين أيضاً، تماماً كما تحولنا إلى معتدين عندما احتلت فلسطين، ونتحول كل لحظة إلى "إرهابيين" حيث يمارس علينا الإرهاب الأمريكي-الصهيوني في كل حين. 

 

ولذلك، بعد قراءة تشويه ما جرى في المناظرة مع كريستوفر روس في أكثر من كتاب ومادة إعلامية بالإنكليزية فكرت أن من يعرف ما جرى اليوم سوف تتبخر انطباعاته اللحظية مع مرور الزمن، وسيبقى بعدها الكتاب والبحث والمقال الذي يوثق ما جرى من وجهة نظر أمريكية رسمية معادية، وبعدها قد ينقل باحث عربي بكل حسن نية، غداً أو بعد عشر سنوات أو عشرين، أن الأمريكيين لم يسحقونا بالقنابل فحسب، بل بقوة الحجة أيضاً، وسيوثق زعمه هذا بمرجع إعلامي بالإنكليزية وضعه اسمان عربيان، ومراجع أخرى، وسيقول لمن يخالفه من الأقدمين أنه لم يراجع المراجع مثله: هكذا يجري أمام أنظارنا تزوير التاريخ! 

 

وهو مثال صغيرٌ جداً، قد لا يستحق الذكر إلا كمثال صغير، بل كمثال رث، لما يجري معنا على نطاق أوسع وأخطر بكثير، فلا بد لنا إذن أن نوثق التاريخ المعاصر، لكي لا تصادره القوى المعادية كما تصادر أرضنا وهويتنا ومواردنا وقرارنا وسيادتنا كأمة... 

 

======================================

 

للتاريخ، أترجم أدناه نص الرد الذي أرسلته بالإنكليزية لمجلة الاتصالات المتخصصة الصادرة عن الجامعة الأمريكية في القاهرة التي نشرت على الإنترنت القسم المتعلق بالمناظرة مع روس من كتاب نواوي واسكندر، وقد تكرم موقع المجلة بنشر ردي بعد أكثر من سبعة أشهر من إرساله، تحت عنوان مراسلات، على الرابط التالي:

 

http://www.tbsjournal.com/Archives/Fall02/Alloush.html

 

 

"السادة الأعزاء، محررو مجلة "الدراسات الإذاعية متعدية الحدود" TBS، س. أ. شليفر، وحسين أمين، وسارة سوليفان، وشايمز فرايدلاندر،

 

في عددكم الصادر في ربيع/صيف 2002و نشرتم مادة لمحمد نواوي وعادل اسكندر بعنوان: "حلبة ملاكمة/برامج الجزيرة الحوارية"، ذكرت فيها مناظرة حدث أن شاركت فيها، من بين أشياء أخرى، بطريقة تلوي عنق الوقائع لتجعلها منسجمة مع أراء المؤلفين.

 

ومن البديهي تماماً القول أن هذه ليست قضية شخصية، لأنها لو كانت هكذا، لما ضيعت وقتي أو وقت قرائكم لأرد عليها.

 

باختصار، كانت صورة المناظرة كما قدمها كتاب المادة تحويراً هوليودياً لما جرى: الأمريكي الطيب القوي، كريستوفر روس، الذي يلعب دور رامبو المناظرات التلفازية هنا، يلتحم مع ويهزم ابن البلد الهمجي، كاتب هذه السطور، الذي يمثل هنا دور شارلي (شارلي هو الاسم الذي كان يعطيه الأمريكيون للفيتناميين خلال حرب فيتنام، ورامبو بطل أمريكي اشتهر في الأفلام الأمريكية فقط كان يقتل شارلي كالذباب).  وهذا النزاع، بالطبع، يتم وضعه دوماً خارج أي سياق.  

 

ولكن ثمة مشاكل عديدة في هذه الصورة.

 

أولاً، إن هذه المناظرة لم تكن في الواقع مناظرة ما بين شخصين، بل بين نظرتين مختلفتين للعالم: النظرة الإمبريالية للعالم كما يقدمها الرسميون الأمريكيون، من جهة، ونظرة المضطهدين للعالم، في هذه الحالة بالذات، نظرة الأمة العربية، من جهة أخرى. 

 

أما حقيقة أن كريستوفر روس اختير لتمثيل النظرة الأولى للعالم، بينما اختير إبراهيم علوش لتمثيل النظرة الثانية، فأمرٌ على قدر ضئيل جداً من الأهمية.

 

بالإضافة لذلك، إذا كانت تلك المناظرة، كما يقول كاتبا المقالة، واحدة من أنجح المناظرات في تاريخ برنامج الاتجاه المعاكس، فإن ذلك يدل بداهةً أن القضية التي تم نقاشها، والصراع الذي يعتمل خلفها، ليسا "زوبعة في فنجان" كما زُعم أيضاً.  ولذلك أدعي أن كتاب مجلتكم، إذ يزيفون وقائع تلك المناظرة، لا يفعلون ذلك للهجوم على إبراهيم علوش شخصياً، بل للتهجم على المستضعفين في الأرض بشكلٍ عام، والقومية العربية بشكلٍ خاص.  وبهذه الروحية أطالب بحق الرد على هذا الهجوم عبر نشرتكم، وكوني أكاديمي، أود الاعتقاد بأن مجلة تصدرها مؤسسة أكاديمية لن تضع أجندات أخرى فوق مبدأ التبادل الحر للأفكار والبحث عن الحقيقة.

 

وهنالك أيضاً زعم كتابكم بأن المناظرة انتهت بهزيمة نكراء للسيد علوش وبنصر عظيم للسيد روس، الذي يفترض أيضاً أنه ابهر جمهوره وفاز باحترامه.

 

حسنٌ جداً!  بالطبع رامبو هو الذي ربح حرب فيتنام أيضاً، أليس كذلك؟  ولن أتعب قراءكم بالمزيد من المزاعم والتأكيدات التي لن يستطيعوا التحقق منها (بسبب حاجز اللغة)، كتلك التي قدمها كتابكم.

 

أريد فقط أن أشير لما يلي: أن نص المناظرة موضع النقاش موجود على النت لكل من يدخله، ومن يقرأ العربية من قرائكم يستطيع أن يقرأ المناظرة على موقع الجزيرة على الرابط التالي:

 http://www.aljazeera.net/programs/op_direction/articles/2001/11/11-22-1.htm

 

كما يستطيع أن يقرأها من يرغب على موقع الصوت العربي الحر على الرابط التالي:

http://www.freearabvoice.org/arabi/jazeerah2.htm

 

فإن كنتم لا تستطيعون قراءة العربية، فكروا لحظة: هل يعقل أن ننشر تلك المناظرة  على موقعنا الصوت العربي الحر كل هذه المدة لو كان أيٌ من الأشياء التي يدعيها محمد نواوي وعادل اسكندر عنا صحيحاً؟!

 

لقد كان كريستوفر روس نفسه مدركاً لحد الألم (حرفياً) لمدى "قوة" حججه، ودرجة مقبوليتها عند جمهور البرنامج.  ومن المؤكد أن ذلك بالذات كان السبب الذي دعاه لأن يعتذر لنفسه في تصريح، لا شك بأنه سلب عقول المشاهدين، أكثر من كل حججه مجتمعة، عندما زعم أنه يعاني من "وجع رأس" مما يوحي بأن أداءه كان أقل من قدراته الذهنية المعتادة... ويستطيع قراؤكم أن يتفحصوا ذلك التصريح الخارق في نص المناظرة على الروابط أعلاه.

 

إبراهيم علوش

محرر الصوت العربي الحر"

 

ملاحظة على الهامش: منذ كتابة الرد أعلاه، أغلق موقع الصوت العربي الحر عدة مرات، ولفترات طويلة، ولكننا تمكنا من الحفاظ على الأرشيف دون أن نتمكن من الدخول للموقع لتحديثه منذ ستة أشهر على الأقل، وما زلنا نعمل على حل ذلك الإشكال "التقني".

28/11/2005