(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


حول إعادة تأويل جرائم الأدوات الإيرانية في العراق وطنياً

 

د. إبراهيم علوش

 

يلاحظ متابع المواقع المناهضة للطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه أن بعض الكتاب الحريصين على عدم تفجر صراع طائفي في العراق وفي الإقليم، والحريصين بنفس المقدار على إبقاء البوصلة متجهة نحو العدو الرئيسي، باتوا ينسبون جرائم الأدوات الإيرانية في العراق بالجملة إلى المحتل الأمريكي وحده.

 

ويصر بعض هؤلاء الكتاب أن جرائم الاغتصاب والقتل والتهجير التي تمارسها قوات جيش المهدي والمجلس الأعلى هي في الواقع من صنع عملاء أمريكيين وبريطانيين فحسب.

 

حتى إعدام السيد الرئيس، بات يصور باعتباره خدعة تصويرية أمريكية، من نمط أفلام هوليود، هدفها الوحيد تسعير النزاع الطائفي السني-الشيعي في العراق، والمسامح كريم طبعاً!!

 

والنتيجة المنطقية لهذه التأويلات، من كتاب سجلهم الوطني معروف ولا غبار عليه، ولا يحتاجون لورقة حسن سلوك من أحد، هو إعفاء الأدوات الإيرانية في العراق من أية مسؤولية تجاه الجرائم التي يرتكبونها، ومنها جرائم الاغتصاب والقتل والتهجير، خاصة في ظل تصاعد النزاع الإيراني-الأمريكي على العراق والإقليم.

 

ولا يريد هؤلاء أن يجدوا أنفسهم مندفعين بقوة الزخم العاطفي الناتج حتماً عن تلك الجرائم إلى صف معسكر "المعتدلين العرب" المدعوم أمريكياً، فيبررون لأنفسهم، ربما بشكل لا واعي، قول وفعل كل ما يلزم من أجل تحويل الأنظار بعيداً عن جرائم الأدوات الإيرانية في العراق باتجاه الطرف الأمريكي-الصهيوني، حتى لو اقتضى الأمر إنكار حقائق ساطعة يعرفها أهلنا في العراق، وتسرد تفاصيلها كل مواقع المقاومة العراقية تقريباً.  ويمكن بالطبع تجاهل كل ذلك كشكل من أشكال "تسامي الوعي السياسي على الغريزة العفوية"!

 

وكتتمة منطقية لما سبق، لا بد أن يركز هؤلاء الأخوة الكرام على الطائفيين السنة، كوزن مقابل للطائفيين الشيعة، باعتبار سالب ضرب سالب يساوي موجب، ولا بد من تمريرهم دوماً "لمعلومات" عن الدعم المتعدد الأنواع الذي يُزعم أن إيران تقدمه لفصائل المقاومة العراقية، حتى ليخال للسامع أن التعاون الإيراني-الأمريكي اليومي في العراق كان مجرد تكتيك إعلامي تضليلي هدفه الحقيقي ممارسة المقاومة والممانعة، ضد الاحتلال، بغض النظر عن الخلفية الطائفية، وهو ما يعادل في الواقع سرقة برنامج المقاومة وتجييره لمصلحة إيران.

 

وهنا لا بد من التذكير أن الجرائم المروعة المرتكبة في العراق تتم نتيجة تقاطع إيراني-أمريكي، على مستوى المصالح الإستراتيجية، وعلى مستوى التنسيق الميداني.  فإذا كان الأمريكيون قد سلموا صدام وبرزان وعواد البندر للمليشيات الطائفية، فإن ذلك لا يعفى تلك المليشيات من دمه ودم القياديين العراقيين  الشهداء، بل يؤكد على المدى الذي وصل إليه التنسيق السياسي والأمني بين تلك الميليشيات وبين المحتلين.

 

وإذا كان للأمريكيين والبريطانيين عملاؤهم ممن يرتكبون الجرائم في العراق، فإن ذلك لا يغير حقيقة أن الميليشيات الطائفية المدعومة إيرانياً جزءٌ أساسي من معادلة تدمير العراق بالقتل والاغتصاب والتهجير الطائفي، وأنها تتحرك في الشارع منذ سنوات تحت أعين قوات الاحتلال، وأنها مدينة بكل وجودها لقوات الاحتلال، وأن جرائمها ضد الشعب العراقي هي في الواقع أوسع وأفظع وأبشع من جرائم قوات الاحتلال.

 

بيت القصيد هو أن الميليشيات الطائفية المدعومة إيرانياً تشكل عنصراً أساسياً من عناصر وجود الاحتلال، وأن الاحتلال يشكل عنصراً أساسياً من عناصر وجودها، سياسياً وميدانياً.  

 

وإذا كانت تلك المليشيات قد تغولت أكثر مما أراد لها الاحتلال، فقرر أن يقلم أظافرها، وإذا كان الاحتلال قد شعر أن إيران عبر أدواتها باتت تسحب البساط من تحت أقدامه في العراق، فقرر أن يتصدى لامتداداتها، فإن ذلك لا يعطيها صك براءة ذمة من الجرائم التي ما برحت ترتكبها بأي حال من الأحوال.

 

الخلاصة هي أن تلك الميليشيات كانت وما برحت جزءاً من قوى الاحتلال، فلا بد من التعامل معها على هذا الأساس، تماماً كما تفعل فصائل المقاومة العراقية.  ولا يمكن أن يقتنع عاقلٌ أن تلك القوى قد تبنت برنامج تحرير مثلاً قبل أن تكف تماماً عن ارتكاب الجرائم، وقبل أن تدين علناً برنامج تفكيك العراق وعلى رأسه مشروع الفيدرالية ومنتجاته مثل اقتراح تأسيس إقليم شيعي في الجنوب، وقبل أن تثبت بالممارسة ولاءها للوطن والأمة بدلاً من بقائها امتداداً خارجياً لقوى "شرقية أو غربية" هدفها الرئيسي هو تفكيك وتدمير العراق، كحد أدنى قبل البدء بأخذها على محمل الجد.

 

أما الذين ينسبون كل جرائم الميليشيات الطائفية في العراق إلى الاحتلال وحده، فهم محقون فقط بمقدار ما يمكن اعتبار تلك الميليشيات جزءاً لا يتجزأ من الاحتلال، موضوعياً وعملياً.

 

بالمقابل، فإن المقاومة العراقية باتت الرافعة الرئيسية للمشروع العربي المستقل، وهي رافعة لا يمكن تجييرها لا لمعسكر "المعتدلين العرب"، ولا لمعسكر "المحافظين الفرس."