(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


 

حقوق أقليات أم مشروع تفكيك؟

د. إبراهيم علوش

مع تولي جون غارنغ رسمياً منصب النائب الأول لرئاسة السودان يوم 9 تموز/ يوليو 2005 دخل اتفاق نيفاشا الموقع في 9 كانون ثاني / يناير 2005 حيز التنفيذ.  وهو اتفاق يوزع السلطة والنفط في السودان بحيث يكون للجنوبيين نسبة 28 – 30 بالمئة في جميع مستويات الدولة التنفيذية والتشريعية والمحلية والمركزية، كمرحلة انتقالية مدتها ست سنوات يقرر الجنوبيون بعدها إذا ما كانوا يريدون الاستمرار في السودان الموحد أم الانفصال.  فالاتفاق يعطيهم حق الانفصال في 2011 بعد انقضاء الفترة الانتقالية.

 

وفي العراق، يجيز قانون إدارة الدولة الذي وضعه مجلس الحكم الانتقالي لأي ثلاث محافظات أن تشكل إقليمياً يتمتع الحكم الذاتي، مع العلم أن إقليم كردستان المتكون من محافظات السليمانية وأربيل ودهوك يتمتع بحكم ذاتي اسماً، ولكن باستقلال فعلي منذ عام 1991... وقد تصاعدت منذ عام تقريباً دعوات بعض الرموز القادمة مع والمحسوبة على الاحتلال لتشكيل إقليم أخر من محافظات البصرة والعمارة وذي قار ذات الأغلبية الشيعية.  وتدل التصريحات والنقاشات الدائرة حول ما يسمى دستور العراق الجديد أن هناك توجهاً جدياً لتكريس صيغة الفيدرالية في العراق، ولكن يبدو أن الحديث يدور في الواقع عن كونفدرالية، حيث يصبح مركز الثقل في الأقاليم، لا في الحكومة المركزية، كما يدل الاتجاه العام.

 

وقد تبنت الأمم المتحدة خطة في تموز/ يوليو 2003 للحكم الذاتي  في الصحراء الغربية مدة 4-5 سنوات يتبعه استفتاء يقرر فيه الصحراويون إذا ما كانوا يرغبون بالاستقلال أو بالسيادة المغربية.  وقد حدثت خلافات حول هوية الصحراويين الذين يحق لهم التصويت، مما عطل تنفيذ الخطة، وأدى لاستقالة واضعها جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق بعد سبع سنوات من توسطه بتخويل من الأمم المتحدة.  وأعاد مجلس الأمن التأكيد على خطة بيكر في نيسان/ أبريل 2004، على خلفية احتلال العراق، وبدأت الدول، خاصة الأفريقية، تعترف بالدولة الصحراوية مسبقاً، حتى بدون أي استفتاء، في الوقت الذي يتزايد فيه التأييد الدولي لحق الصحراء الغربية – العربية الإسلامية بالطبع – بتقرير المصير...

 

ويمكن النظر في نفس السياق للقرار الدولي رقم 1559 القاضي بإخراج سوريا من لبنان (ولبنان من عروبته)، وللتوجه الدولي بإعطاء الفلسطينيين في الضفة وغزة "كيان ما" يقل عن دولة ويزيد عن حكم ذاتي.  فحيثما نظرنا، ثمة عملية تفكيك ما تجري هنا أو هناك، من الأطراف باتجاه القلب، دوماً تحت ضغط دولي، ودائماً بحجة حقوق اقليات من مختلف الأنواع...

 

ورب معترض أننا كعرب لا نستطيع ولا يجوز أن نعاند المجتمع الدولي بأسره في توجهه نحو تأكيد حقوق الأقليات، وتكريسه لحقوق الإنسان والحيوان والباذنجان (النبات)، فضلاً عن أن تلك الأقليات تطرح قضايا ومظالم مشروعة لو تناولناها بتجرد.  فقد آن الأوان إذن للتعامل مع مطالبها ومظالمها بطريقة "حضارية" تتفق مع "روح العصر"، وللتخلي عن "ضيق الأفق" في تعاملنا مع "الأخر"، وهو ليس سوى المواطن ابن البلد نفسه المتحدر من خلفية طائفية أو عرقية أو مناطقية مختلفة.

 

نظرياً، قد يبدو الوقوف في وجه مثل هذا الطرح ضرباً من الجهل والانغلاق، وقد برعت القوى المهيمنة داخلياً وخارجياً عبر التاريخ بتقديم موقفها السياسي بأقصى قدر من الموضوعية والتوازن والإنسانية حتى وهي تبيت أخبث النوايا والمخططات العدوانية والمصالح الخاصة.  بناءً عليه، فلنوافق جدلاً على خط حقوق الإقليات المطروح، ولنوافق مبدئياً ودون أدنى تحفظ أن تلك الحقوق مشروعة سياسياً وإنسانياً قانونياً وإلى ما هنالك... لكن من حقنا بعدها أن نعود للتساؤل: ماذا يعني طرح مسألة حقوق الأقليات المشروعة مبدئياً بهذه الطريقة المؤدية دوماً للتفكيك؟ وما هي النتائج العملية لها من منظور الجغرافيا السياسية ومنظور الهوية الجامعة العربية-الإسلامية؟

 

مثلاً، الصحراء الغربية جزءٌ من الغالبية العربية الإسلامية، فلو تأسست سابقة استقلالها عن المغرب، ما الذي سيمنع جعل ذلك مقدمة لتفكيك المغرب العربي برمته من خلال طرح مشروع استقلال الأمازيع المعروفين في المشرق عندنا باسم البرير؟  وهو ما يجب أن تفكر فيه الجزائر ملياً بالمناسبة...  فالعدو الصهيوني بالتحديد سبق وطرح موضوعة استقلال الأمازيغ في أكثر من وثيقة، مثل وثيقة كيفونيم عام 1982، والطرف الأمريكي-الصهيوني يتبنى رسمياً مشروع التفكيك في المحافل الدولية والإقليمية تحت عنوان حقوق الأقليات.

 

خذ السودان مثلاً أخر.  فمجرد تكريس حق الجنوب بالانفصال دستورياً يفتح أبواب التقسيم على مصراعيها لانفصال شرق السودان بدعم أريتري، وانفلات دارفور وكردفان والنوبة وغيرها، لا بل لانفلات قبائل جنوبية كبرى مثل "الشُلك" و"النوير" و"اللاتوكا" بينها وبين قبيلة الدينكا التي ينتسب إليها جون غارنغ صراعات تاريخية (حسب محمد جمال عرفة في مقالة في موقع إسلام أون لاين يوم 13/7/2005).

 

نحن لا نتحامل على حقوق الأقليات مبدئياً إذن، ولا نعارضها سياسياً ضمن سياق أخر مناهض لأعداء الأمة يصون حقوق الأمة والأقليات (ولو أن التعبير نفسه بات يحتاج لمراجعة...).  فالمطروح اليوم ليس حقوق أقليات، بل مشروعٌ يحمل بعدين: 1) بعد جغرافي سياسي يتعلق بحاجة الطرف الأمريكي-الصهيوني لتحديث اتفاقية سايكس-بيكو، أي تفكيك البلدان العربية من جديد، و2) بعد ثقافي يتعلق بإعادة تعريف هوية المنطقة بعيداً عن لونها الأساسي العربي-الإسلامي.  والبعدان معاً يشكلان فحوى "الشرق أوسطية" أو مشروع "الشرق الأوسط الكبير".

 

النموذج العراقي للتفكيك يلخص البعدين في آنٍ معاً.  فالدستور المطروح للعراق الجديد، كما يسمونه، يشطب رسمياً عروبة العراق في الوقت الذي يتبنى حق الأقليات بتكوين "أقاليم حكم ذاتي" خاصة بها.  وهذا، من جهة، يفكك العراق كدولة إقليمية مركزية، ومن جهة أخرى، يمحو الهوية العربية للعراق.  وهو من جهة ثالثة ذو أبعادٍ تفتيتية تتجاوز العراق، من سوريا للجزيرة العربية، كما أن تفكيك السودان يطرح منطقياً تفكيك مصر..

 

وليست المعادلات الفيدرالية المطروحة في العراق أو السودان معادلات مستقرة على المدى البعيد في أحسن الأحوال.  فمتى بات الحكم، أي حكم، قائماً على مبدأ المحاصصة الطائفية أو العرقية أو المناطقية، يصبح التوازن السياسي للدولة مشروطاً بتجمد الأوزان النسبية كما كانت بالضبط لحظة توقيع اتفاق المحاصصة.  فإذا ازداد التعداد السكاني لهذه الطائفة أو ضعف الوزن الاقتصادي لتلك المنطقة أو كثرت تلك العرقية في الجيش والأمن، بدأ التطاحن من جديد وصولاً للحرب الأهلية، ولنا في التركيبة الطائفية في لبنان أكبر مثال على هذا القول. 

 

البديل هو بناء علاقة الدولة والمواطن على قاعدة الهوية الجامعة.  فلا يمنع أقلوي من موقع ما دام يمثل المصلحة العامة، ولا يفرض أكثري لأنه كذلك.  فصلاح الدين الكردي تبنته الأغلبية العربية لأنه مثل مصالحها ووجهات نظرها، وستالين الجورجي تبنته الأغلبية الروسية، والقسام السوري ما زال رمزاً فلسطينياً، الخ...

 

القاسم المشترك العربي والإسلامي هو منطقياً النقطة المرجعية إذن.  وكما قالها العلامة محمد حسين فضل الله: ليس في الوطن العربي أقليات بل أغلبيتان، أغلبية عربية تضم غير المسلمين، وأغلبية إسلامية تضم غير العرب... 

 

أما مصطلح "الأقليات" القائم على الهويات المصطنعة، المتكاثرة ذاتياً، فقد بات رأس حربة مشروع التفكيك المعادي.  وقد بدأ تفكيك الهوية أصلاً باختراع الدولة القطرية العربية نفسها...