(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
البرنامج القومي العربي بين الإسلام السياسي والثقافي
د. إبراهيم علوش
عندما نتحدث عن الإسلام السياسي يكون المقصود هو الأحزاب السياسية التي تقول أنها تمثل أو تتبنى برنامجاً إسلامياً، وهي أحزاب لا تختلف عن غيرها من حيث حرصها على الوصول للسلطة والحفاظ عليها. فالحزب السياسي هدفه الوصول للسلطة بغض النظر عن برنامجه، وعما إذا كانت وسائله سلمية أو عنيفة، برلمانية أو انقلابية.
المهم، طالما أن الأمر يتعلق بالوصول للسلطة وببرنامج سياسي، فإن علينا أن نناقش ذلك بقوانين السياسية أولاً. مثلا، عندما قررت حماس الدخول في الانتخابات في ظل الاحتلال، وتشكيل حكومة في ظل الاحتلال، كان ذلك قراراً سياسيا، نقيمه سياسياً ونحاكمه من حيث وجاهته السياسية أساساً. وبالنسبة لنا، فإن المقياس السياسي هنا هو مصلحة الأمة، وبالنسبة لجماعة السلطة الفلسطينية، فإنهم قد يستاءون أيضاً من مشاركة حماس في السلطة والانتخابات، ولكن ليس لأسباب مبدئية، بل بسبب خوفهم على حصصهم وعمولاتهم وقدرتهم على ممارسة السمسرة السياسية أو التجارية. وبالمقابل، ندد أيمن الظواهري بمشاركة حماس بالانتخابات، فمثل بذلك توجهاً سياسياً أخر ضمن الإسلام السياسي.
إذن ليس الإسلام السياسي شيئاً واحداً بالضبط كما أن القوميين ليسوا شيئاً واحداً. وليس هذا معرض الدخول في الفروق ما بين القوميين. أما الإسلام، فلاحظ أن البرنامج السياسي الذي يتمخض عنه يتلون بخلفية المرء السياسية والطبقية والقومية الخ... فيعتبر كل ما عدا تلك الرؤية خروجاً عن الإسلام، كما يعتبره غيره خروجاً عن الإسلام. مثلاً، أل سعود وبعض حلفائهم الإسلاميين في الخمسينات والستينات، كوسطاء لبيع النفط، أو ككمبرادور حسب الاقتصاد السياسي، رأوا في الإسلام برنامجاً سياسياً للتحالف مع القوى الاستعمارية من بريطانيا إلي أمريكا ضد القائد العربي المسلم عبد الناصر والاتحاد السوفييتي "الكافر"!
واليوم ترى الإسلاميين الجهاديين هم أنفسهم في الأعم الأغلب من أبناء وأحفاد جموع الشعب المناهضة للغزو الغربي والصهيوني ممن هتف آباؤهم للقوميين والشيوعيين في الخمسينات والستينات. وهناك من يؤول الإسلام باعتباره يعني تأميم ثروات الأمة من ماء وطاقة وما شابه لان الناس شركاء في الماء والكلأ والنار، ولكن هل هناك إجماع على هذه النقطة في البرنامج السياسي بين الإسلاميين مثلاً، وبعضهم يرى في الإسلام فقط تجارة وجنوح إلى السلم ومحافظة اجتماعية على تقاليد السلف في المجتمع المعاصر؟!
إذن الأساس هو البرنامج السياسي، وهذا يتلون بعين الناظر حسب خلفيته الاجتماعية والسياسية.
وبالمقابل، نتمسك نحن القوميين بإسلام أوسع وأعرق من هذا الحزب أو تلك الحركة السياسية. نحن نتمسك بتراث ووعاء ومصدر للتشريع وهوية ورافعة للجهاد ضد الظلم عبر العصور، ولا نحتكره لنا دون غيرنا، ولكن لا ننكر بأن تأويلنا له يحمل لوناً سياسياً محدداً أيضاً هو اللون القومي الذي يعبر عن أوسع شرائح الأمة ومصالحها، لون الفقراء والمسحوقين وأغلبية أبناء الأمة. ولهذا لا بد من التمييز دوماً ما بين الإسلام السياسي والإسلام الثقافي.
الإسلام السياسي هو التأويل السياسي للإسلام حسب هذا الحزب أو تلك الجماعة. أما الإسلام الثقافي، فهو هويتنا كأمة بغض النظر عن أي خلاف سياسي. وهناك نقطة أخرى طبعاً وهي أن جماعة الإسلام السياسي يضفون طابعاً مقدساً على برنامجهم السياسي، باعتبارهم يزعمون بأنه مشتق من القرآن الكريم. ولكن يمكن أن نشتق برنامجاً يسارياً من الإسلام، من تراث أبو ذر الغفاري، ويمكن أن نشتق برنامجاً كمبرادورياً منه، ويمكن أن نشتق برنامجاً يمثل الطبقة الوسطى، والإسلام أوسع من كل هؤلاء لأنه قابل للتأويل سياسياً لتبرير الاحتلال التركي للأرض العربية أو لتبرير مقاومة تلك الهيمنة كما فعلت ثورة المهدي في السودان أو الوهابيين في الجزيرة العربية وغيرهم، أو لتبرير الهيمنة الفارسية على الإقليم اليوم أو لتبرير نقيضه كما ترى بعض قوى المقاومة في العراق اليوم. أو لكي يكون رافعة من روافع النهضة العربية كما نأمل أن يكون، وكما كان يوماً.
وعندما نؤول الإسلام هكذا، كرافعة للنهضة والوحدة والتحرير، فإننا لا نتنصل من الإسلام، بل ننزه الإسلام عن الحسابات الصغيرة. ونحن نؤكد على البعد الإسلامي، ولكن إعطاء ذلك البعد مضموناً سياسياً راهناً يتطلب موقفاً وطنياً وقوميا اليوم، وإلا فما هي حماس أو الجهاد أو حزب الله مثلاً بدون مقاومة ذات أهداف وطنية أساساً؟! وبالمقابل، فإن اللون الإسلامي من دون برنامج وطني وقومي واضح وجذري هو الذي يتيح لفقهاء السلاطين أن يوظفوا الإسلام في خدمة الطرف الأمريكي-الصهيوني بذريعة التركيز على الشعائر وإطاعة أولي الأمر.