(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


أفلام هوليودية ذات موقف إيجابي من العرب والمسلمين

 

د. إبراهيم علوش

 

ليس كل ما يلمع ذهباً، ولكن كذلك ليس كل ما لا يلمع صدأً... فإذا كان النمط العام لأفلام هوليود هو تحقير العرب والمسلمين، ومحاباة اليهود والصهيونية و"إسرائيل"، جزئياً بسبب السيطرة اليهودية المكثفة في هوليود، وجزئياً بسبب الموقف السياسي للنخبة الحاكمة في الولايات المتحدة، وارتباط شركات إنتاج وإخراج الأفلام الهوليودية مالياً وسياسياً وإدارياً باليهود ورأس المال الاحتكاري الأمريكي، فإن الحق يقال بأن بعض الأفلام الهوليودية المشهورة التي تناولت العرب والمسلمين قدمتهم بشكل إيجابي نوعاً ما.  وهذه الأفلام على قلتها، بل بالضبط بسبب قلتها، تشكل خروجاً عن القاعدة.  وتمثل بالنسبة للعرب الأمريكيين نسمةً معنوية منعشة وبعضاً من رد الاعتبار للذات، وهم يخرجون مزهوين غير محرجين من قاعات العرض...

 

وبغض النظر عن السبب، وقد يكون السبب إخراجياً محضاً ببساطة، حيث أن مخرجي أفلام هوليود تتفتق مخيلتهم دوماً عن الحبكات الغريبة، وتصوير العرب إيجابياً – عندما تكون القاعدة هي تشويههم - له نفس تأثير الصدمة النفسية على المشاهد التي تحدثها أية حبكة غريبة أخرى، فربما نحن نقرأ بين سطور تلك الأفلام التي تتناولنا إيجابياً أكثر مما ينبغي... حيث يقصد المخرج فقط أن يكون مدهشاً بأية طريقشؤة فحسب. 

 

لكن بمقدار ما باتت هوليود اليوم أضخم وأهم وأنجع وسيلة عولمية لتعبئة الشباب سياسياً وأيديولوجياً – تماماً وهم يظنون أنهم يروحون عن أنفسهم بمشاهدة فيلم سينمائي – فإن فيلماً يدهش المشاهد بنا يبقى أفضل مليون مرة من فيلم يدهش المشاهد على حسابنا. 

 

ونظل نأمل، بالرغم من ذلك، أن لا يخلو الأمر من صحوة ضمير عابرة هنا، أو من موقف إيجابي فعلاً لدى هذا المخرج أو ذاك المنتج... ناهيك طبعاً عن الصراع ما بين الجمهوريين والديموقراطيين في الولايات المتحدة الذي يتطلب أحياناً نقد هذا الجانب أو ذاك من السياسة الأمريكية، أو حاجة العولمة لتخطي حدود السياسة والجغرافيا والثقافة لاستيعاب كل شعوب الأرض، ولو كانوا عرباً أو مسلمين!

 

على كل حال، إليكم حفنة من أفلام هوليود التي أدهشت كاتب هذه السطور بتناولها الإيجابي نوعاً ما للعرب والمسلمين:

 فيلم روبن هود: أمير اللصوص  Robin Hood: Prince of Thieves، الذي عرض لأول مرة في 14/ 6/ 1991، من بطولة الممثل المعروف كفين كوستنر Kevin Costner، وجزئياً من إنتاجه.  وتدور أحداث الفيلم حول عودة روبن من غزوات الفرنجة في الديار المقدسة إلى موطنه في بريطانيا ليواجه الظلم ويقيم العدل مع صديقه العربي المسلم "عظيم" الذي يلعب دوره الممثل الأفريقي-الأمريكي المعروف مورغن فريمن Morgan Freeman.  وكان روبن (كفين كوستنر) قد أنقذ حياة عظيم (مورغن فريمن) في الشرق فأقسم عظيم أن يرافقه إلى موطنه ليرد له الجميل بدوره.  وتبرز من خلال شخصية عظيم في الفيلم صفات نبل الأخلاق والبلاغة والشجاعة والتقدم الحضاري بمقاييس ذلك الزمان، مثلاً من خلال استخدام "عظيم" للمنظار المكبر مما يدهش البريطانيين.  ويربط ذلك كله بهوية عظيم العربية الإسلامية، ومما لا شك فيه أن إعطاء شخصية عربية إسلامية مثل هذا الدور المحوري، والإيجابي، في قصة صراع ريكاردوس قلب الأسد على السلطة في بريطانيا أبان غزوات الفرنجة، التي تأتي قصة روبن هود على خلفيتها، حتى لو جاء ذلك على أرضية فكرة "التنوع والاختلاط الحضاري" التي تروج لها العولمة، تمثل نهجاً مغايراً لتهميش العرب والمسلمين في هوليود في بلادهم نفسها، فما بالك في بريطانيا القرون الوسطى!! فهل كان ذلك الفيلم جائزةً تعويضية مثلاً، أو جزءاً من جائزةٍ تعويضية، على العدوان الثلاثيني على العراق قبلها ببضعة أشهر؟!

 

2)     فيلم "المحارب الثالث عشر" The Thirteenth Warrior الذي عرض لأول مرة في 27/8/1999، من بطولة الممثل المعروف أنطونيو بنديراس  Antonio Banderas.  وهو فيلم أكشن بالأساس يلعب فيه بنديراس دور أحمد ابن فضلان المعين سفيراً في بلاد شمال أوروبا المتخلفة حضارياً آنذاك مقارنة بالعراق التي أبعد الشاعر العربي أحمد ابن فضلان من بلاطها العباسي عام 922 ميلادي بعد علاقة غرامية مع المرأة الخطأ.  وخلال كل الفيلم، الذي يلعب فيه أحمد (انطونيو بنديراس) الدور الرئيسي، تبرز فروق حضارية حقيقية بين شرق عربي مسلم متقدم وشمال أوروبي متخلف.   ويتم التركيز بشكل خاص على عدم اهتمام الأوروبيين بالنظافة الشخصية وفظاظتهم وقرابينهم البشرية للآلهة وأميتهم، مقابل ذكاء بنديراس وفروسيته وبديهته، حيث يتعلم لغة الفايكنغ (من شعب شمال أوروبا) الذين يرافقهم من خلال السماع فقط، وفي نهاية الفيلم، يطلب منه ملوك تلك الأرض أن يدون قصتهم كي لا تضيع في ثنايا الزمن، مما يمثل اعترافاً به وما يمثله كمرجعية ثقافية عالمية فعلياً، بصفته عربياً ومسلماً مثقفاً. 

 

  ولا بد من الإشارة إلى أن ميزة فيلم المحارب الثالث عشر، وفيلم روبن هود أمير اللصوص، هي أنهما لا يقدمان شخصية العربي أو المسلم بصورة إيجابية من خلال حشره في قالب العميل الأمريكي (الجيد!) كما في فيلم "الحصار" (1998) الذي يلعب فيه الأمريكي العربي الأصل طوني شلهوب دور عميل مخابرات أمريكي "يحارب الإرهاب"، أو قالب العربي أو المسلم الذي يساعد الأمريكان بمحاربة "المد الشيوعي" كما في ثلاثية أفلام رامبو Rambo من بطولة سيلفستر ستالوني خلال الثمانينات، الذي تدور أحداث أحد أجزائه الثلاثة في أفغانستان، بل تنبع أهمية التصوير الإيجابي للعرب في أفلام مثل المحارب الثالث عشر بناءً على شروطها الخاصة، واستقلاليتها، وتميزها، لا من خلال تلميعها بحشرها في النموذج الغربي، وأنها تقدم النموذج الإيجابي العربي أو الإسلامي ضمن سياق موضوعة تاريخية غربية أو على أرض غربية، مما يزيد من تميزها، وليس ضمن سياق موضوعة تاريخية عربية أو على أرض عربية.

 

3)     فيلم "قبلة تصبح على خير الطويلة" The Long Kiss Goodnight من بطولة الممثلة المشهورة جينا دايفس Geena Davis، وقد عرض لأول مرة في 11/10/1996، وهو فيلم أكشن بوليسي، تلعب فيه جينا دايفيس دور عميلة سرية للمخابرات تفقد ذاكرتها لتكتشف أنها في خضم مؤامرة لإسقاط الحكومة عن طريق تفجير ضخم تتورط فيه إحدى الأجهزة الأمنية.  ولا توجد شخصية عربية أو مسلمة في هذا الفيلم، ولكن المهم فيه هو الحبكة، حيث ينسب التفجير الإرهابي للمسلمين وهم منه براء، وتوضع جثة عربي في قلب التفجير.  وتقول دايفيس عندما تكشف المؤامرة قبل حدوثها: "أخرجوا جثة هذا العربي المسكين من هنا!".  ويدور الحوار التالي بين الممثلين: ميتش صديق دايفيس: "أتعني أنك سوف تزيف عملاً إرهابياً فقط من أجل ابتزاز بعض المال من الكونغرس؟"، ويرد ضابط المخابرات المتورط بالإرهاب: "للأسف، لا أعرف كيف أزيف قتل أربع آلاف شخص، ولذلك فإن علينا أن ننفذ الأمر بالفعل، ومن ثم نلقي باللوم على المسلمين طبعاً، وبعدها أحصل على التمويل من الكونغرس!".

           ولننتبه أن هذا الفيلم عرض عام 1996 ، وأهميته أنه يبرأ العرب والمسلمين من تهمة الإرهاب في حبكته، ولكن ضمن سياق الصراع بين الجمهوريين والديموقراطيين على صلاحيات الأجهزة الأمنية وحجم الموازنة العسكرية وقوانين الطوارئ ولا بد من ذكر هذا قبل أن يتسرع أحدهم لاعتبار الفيلم اعترافاً مسبقاً مثلاً بتدبير أحداث 11 سبتمبر!!