(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
العراق يحيي ظاهرة الشعر المسييس باللغة الإنكليزية
قصيدتان لشاعر بريطانيا الرسمي ضد العدوان على العراق، وموقع "شعراء ضد الحرب" يتلقى اثنين وعشرين ألف قصيدة سياسية بين عامي 2003 و2008
مهرجان شعري ضخم في واشنطن بالذكرى الخامسة للعدوان على العراق
تقديم وترجمة د. إبراهيم علوش
في عام 1999 أصبح السيد أندرو موشن Andrew Motion شاعراً رسمياً لبريطانيا، وهو حالياً عضو في مجلس الفنون البريطاني، وفي الجمعية الملكية البريطانية للأدب، وقد نال عدداً من الجوائز الشعرية والأدبية المتميزة، كما أنه أستاذٌ للكتابة الإبداعية في جامعة لندن، ولكن عندما بدأت تقرع طبول الحرب المجنونة في الغرب قبيل العدوان على العراق في بداية عام 2003، واندفعت حكومة طوني بلير وقتها خلف بوش الصغير في التعبئة والتحريض ضد العراق، فإن الشاعر الحر أندرو موشن، بالرغم من كونه شاعراً رسمياً للبلاد، كتب قصيدة ضد الحرب من ثلاثين كلمة بالضبط (باللغة الإنكليزية) أثارت عليه غربان دعاة الحرب عبر المحيط في الولايات المتحدة، ونشرت مجلة الويكلي ستاندرد Weekly Standard اليمينية المحافظة مثلاً في 16/1/2003 مقالاً ضده عنونته: "أندرو موشن يطلق صلية نار متواضعة مناهضة لمناهضي صدام"، اتهمت فيه المجلة الشاعر موشن بأنه شاعر نكرة ولا يتمتع بالموهبة.
وكانت القصيدة التي أثارت المحافظين الجدد في أمريكا على موشن تحمل عنواناً باللغة اللاتينية هو Causa Belli، أو "سبب الحرب"، يقول فيها أساساً أن السبب الحقيقي للحرب، على عكس ما يدعيه الإعلام والمسؤولون الحكوميون، يتصل بالنفط والأجندات غير المعلنة.
وتقول تلك القصيدة المنشورة في 13/1/2003 عن السياسيين الذين يحرضون على الحرب:
إنهم يقرأون كتباً جيدة، ويقتطفون منها أيضاً،
لكنهم لا يتعلمون لغةً غير صراخ حريق الصواريخ.
وكلامنا الأكثر وضوحاً بات مُغرقاً، ولكنه مدرعٌ بالحديد؛
وما هي إلا انتخابات، مال، إمبراطورية، نفط، وأب.
(انتهى).
ولعل إشارة أندرو موشن "كلامنا الأكثر وضوحاً بات مغرقاً" تعبر عن إحباط مناهضي الحرب في بريطانيا والولايات المتحدة تجاه هيمنة دعاة الحرب على الخطاب السياسي قبيل العدوان على العراق، وفي الأسابيع الأولى التي تلت احتلال بغداد، إلى أن تصاعدت المقاومة العراقية إلى درجة فرضت على الشارع الأمريكي والبريطاني أن يعيد النظر جدياً في موقفه المؤيد للعدوان...
وعلى الجهة الأخرى من المحيط، في الولايات المتحدة، رفض الشاعر الأمريكي سام همِل Sam Hamill، وهو من دعاة اللاعنف، دعوة من السيدة الأولى لورا بوش في نهايات شهر يناير / كانون الثاني 2003 للمشاركة في ندوة بالبيت الأبيض تحمل عنوان: "الشعر والصوت الأمريكي". وقال سام همِل أنه لا يستطيع الذهاب للبيت الأبيض بنية حسنة بعد نشر وسائل الإعلام أنباء عن خطة جورج بوش لشن ضربة أحادية على العراق تحمل "الصدمة والرهبة" كما وُصِفت وقتها. وبدلاً من ذلك، طلب سام همِل من خمسين من زملائه الشعراء أن يعيدوا تشكيل حركة شعرية لمناهضة الحرب تشبه تلك التي تأسست أبان حرب فيتنام "للاحتجاج باسم ضمير البلاد، ومنح أسمائكم لعريضتنا المناهضة لهذه الحرب"، عن طريق كتابة قصائد احتجاجية ليقوم سام همِل بإرسالها للبيت الأبيض، كما تقول الصفحة الأولى في موقع "شعراء ضد الحرب".
وفي خضم الحملة الإعلامية الضخمة التي اشتركت فيها كل وسائل الإعلام الغربية تقريباً لتهيئة الناس للحرب، كان رد فعل الشعراء مهولاً وغير متوقع أبداً. فبدلاً من خمسين، أرسل أكثر من ألف وخمسمئة شاعر قصائدهم لهمِل خلال أربعة أيام من نشره الدعوة لإرسال القصائد الاحتجاجية له، فتم تأسيس موقع "شعراء ضد الحرب" الذي تحول منذ ذلك الوقت إلى مؤسسة لنشر الشعر الاحتجاجي المسييس باللغة الإنكليزية الكترونياً، وبات ينشر القصائد من حول العالم، وليس من الولايات المتحدة وبريطانيا فحسب.
وغير آلاف القصائد ورسائل وبيانات الدعم التي تلقوها في بداية تحركهم، يقول المشرفون على الموقع أنهم تلقوا وراجعوا منذ سبتمبر / أيلول 2004 فقط اثنين وعشرين ألف قصيدة قاموا بنشر بعضها أو أفضلها بناء على توصية هيئة الشعراء والمحررين المرتبطين بالموقع. وهم ينشرون دورياً نخبة من بعضها كل شهر. والأهم، أن الصفحة الأولى للموقع (التي تحمل أيضاً دعوة لرفع الحصار عن غزة، ووقف إطلاق النار "على الجانبين") أظهرت في شهر آذار / مارس 2008 إعلاناً لمهرجان شعري ضخم لمناهضة الحرب في عاصمة أمريكا السياسية واشنطن دي سي بين 20 و23/3/2008 تحت شعار "أشطر هذه الصخرة" Split this Rock. ويفترض أن يشارك عشرات الشعراء المعروفين في ذلك المهرجان الذي يتضمن غير القراءات الشعرية ورشات عمل وندوات وعروض أفلام وثائقية وغيرها.
ونستطيع أن نرى من القصائد المنشورة على موقع "شعراء ضد الحرب" أنه بات منبراً للشعر السياسي الاحتجاجي، الذي لا يتصل دوماً وفي كل حالة بالضبط بالاحتجاج على الحرب ضد العراق، مع أن تلك تبقى رسالته الأساسية. فيكون العراق بالتالي قد أصبح محركاً ثقافياً لإعادة الاعتبار للشعر الاحتجاجي المسييس في الغرب، وهو الأمر الذي يرجح أن يترك بصماته على الثقافة الغربية، والأهم، على حركة الشارع، باعتبار أن مثل هذا الكم الضخم من القصائد الاحتجاجية لا بد أن ينتج عن، وأن ينتج بدوره، بالضرورة، ثقافة سياسية مناهضة للعدوان على العراق، وضد السياسات الإمبريالية بشكل عام.
وهذا غير عدد كبير من المواقع والمدونات الشخصية التي تنشر القصائد والأغاني والشعارات المناهضة للحرب بدورها، ومعظمها يعتمد على جهد فردي، ولا يتبنى نفس مقاييس الجودة التي يتبناها موقع "شعراء ضد الحرب"، وتختلط فيها الملاحظات الشخصية بالقصائد والأغاني، والأغاني السياسية المحورة عن أغانٍ أو قصائد شائعة غير سياسية...
بجميع الأحوال، على الرغم من أن الشرارة التي أطلقها الشاعر الأمريكي سام همِل يمكن اعتبارها مسؤولةً بشكل مباشر عن نشوء الظاهرة الثقافية الناطقة بالإنكليزية التي يمكن أن نسميها "شعراء ضد الحرب"، فإن موقف أندرو موشن شاعر بريطانيا الرسمي يعتبر اسبق من الحركة التي أطلقها سام همِل، وكلاهما يتمم الأخر طبعاً.
وفي خضم العدوان على العراق، في 3/4/2003 بالتحديد، نشر أندرو موشن قصيدةً أطول من خاطرته الشعرية الأولى تحمل عنوان "تغيير النظام" Regime Change، يتحدث فيها بلسان الموت، كاسم علم، عن زيارته لشوارع المدن العراقية. وفيما يلي ترجمة تلك القصيدة:
تغيير النظام Regime Change
متقدماً عبر الشارع من نينوى
توقف الموت هنيهةً وقال: أصغِ جيداً الآن.
هل ترى أسماء الأماكن المحيطة؟
إنها لي الآن، وقد قلبتها رأساً على عقب.
خذ عدن، إلى الجنوب: فجر اليوم
أمرت قواتي أن تمزق إرباً
جدرانها وأبوابها،
ليرى الجميع تلك الثمرة البهية التي تتدلى من شجرتها.
تريدها لك، أليس كذلك؟ اذهب وكلها إذن،
والعق شفتيك، ثم اقطف واحدة أخرى.
خذ دجلة والفرات، فقد ترقرقا يوماً
عبر شرائح بلون الطفولة من الرمل والشمس.
لكنهما لم يعودا كذلك الآن، لأني ملأتهما
بأنواع مختلفة، لا تعد ولا تحصى، من القاذورات البشرية.
خذ بابل، قصر براعم الأزهار
التي حلَّت هواء الممالك في ساعاتها المسالمة...
لكني وجدت وسيلةً أخرى لتعطير الهواء
أصبحَت بحد ذاتها مثالاً لليأس.
وهو ما يترك بغداد – المآذن المرصعة بالنجوم،
الملاعب والقاعات الرخامية، والقيظ السرابي.
تلك الأماكن، والأشياء القديمة التي تعرفها،
لن تعرفها قريباً،
لأني أشتغل على ذلك الآن.