(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


صدام حسين والقيادة العراقية وتجربة

"الإقليم-القاعدة" في العراق

 

د. إبراهيم علوش

 

صدام حسين الرجل والمناضل والقائد الفذ لم يكن فرداً متميزاً أو شخصية قومية عربية مشهورة فحسب.  وهو لم يكن مناضلاً عقائدياً صلباً حتى اللحظة الأخيرة فقط، أو مجرد ممثل للموقف الجذري الذي يذهب بالتناقض مع أعداء الأمة إلى نهاية المطاف... فقد كان صدام بالأساس عنواناً للمشروع القومي في العراق.  وهو نفس المشروع الذي حمله رفاق صدام حسين الأحياء والشهداء في القيادة العراقية، ونذكر منهم الشهداء: برزان التكريتي وعواد البندر وطه ياسين رمضان، وهؤلاء أيضاً لا يجوز أن نغبنهم حقهم لأنهم ثبتوا على الحق ولم يتزحزح واحدٌ منهم قبل أو بعد اغتيال الرئيس، وقد ثبت الآن بدون أدنى ريب أن ما كان يجمع القياديين العراقيين لم يكن المال أو الجاه أو النفوذ أو المواقع، ولا التبعية الشخصية لصدام، بل العقيدة والمبدأ ومصلحة العراق والأمة.

 

فالقيادة العراقية تمثل بالأساس إذن مشروعاً قومياً نهضوياً مقاتلاً.  وقد ثبت أنها صمام أمان وحدة العراق، وأن المستهدف كان مشروعها النهضوي الاستقلالي، ومحاولتها تحويل العراق إلى "إقليم-قاعدة" لوحدة الأمة العربية.  وهي تجربة تحتاج إلى تقييم جدي مطول، تجربة لها ما لها وعليها ما عليها، لم تخلو من الإنجازات العظيمة وبعض الأخطاء، ولكنها تبقى بالرغم من كل ذلك، واحدة من أعظم التجارب القومية النهضوية في التاريخ الحديث والمعاصر للأمة العربية، تجربة تتبوأ مكانها الطبيعي إلى جانب تجارب عظيمة أخرى مثل تجارب محمد علي باشا وجمال عبد الناصر في مصر. 

 

وقد كُتب الكثير عن عملية البناء الاقتصادي والصناعي والعسكري والعلمي العملاق في العراق، وعن الإجراءات الديموقراطية التي تبنتها القيادة العراقية مثل تأميم النفط، وفك التبعية السياسية والاقتصادية عن قوى الهيمنة الخارجية، وتوزيع الأراضي على الفلاحين، ومحو الأمية ومجانية التعليم في كل المراحل، وسن قانون حقوق المرأة، ومنح الأكراد حكماً ذاتياً، وغير ذلك كثير، وكلها إجراءات نهضوية وديموقراطية بامتياز بمعنى أنها تخلق الأساس المادي أو الشروط الموضوعية للديموقراطية من خلال التصنيع والتنمية وإعادة توزيع الثروة وتحقيق الاستقلال عن الخارج وتمكين الفئات الاجتماعية المهمشة تاريخياً من الدخول إلى دائرة الفعل الاجتماعي... وهي إجراءات شبيهة بالمناسبة بتلك التي تبنتها القيادة الناصرية في مصر.    

 

لكن مفهوم "الإقليم-القاعدة" في العمل الوحدوي نفسه بات بحاجة لمراجعة حقيقية، بعد الانتكاسات التي أصابت التجارب الوحدوية في مصر والعراق، وهو ما لا يقلل من إنجازاتها وعظمتها، ولا من دورها الريادي.  بيد أن من واجبها علينا أن نحاول فهم مكنونها لكي نتعلم من دروسها وأخطائها. 

 

وعلى ضوء التجارب الوحدوية النهضوية لمحمد علي باشا والقائد جمال عبد الناصر والرئيس صدام حسين، بات يتوجب أن نسأل إن كانت عملية البناء النهضوي الشاملة ممكنة في قطر عربي واحد فعلاً قبل بناء نواة دولة الوحدة، وقبل أن تتمتع نواة دولة الوحدة المتمددة على أكثر من قطر عربي واحد بقدر من الاستقرار. 

 

فالبناء النهضوي يتطلب أولاً جهوداً عملاقة - في خضم الصراع العسكري العنيف مع قوى الهيمنة الخارجية وأذنابها - وهو ما يستنزف الموارد البشرية والاقتصادية في القطر-القاعدة إلى أقصى الحدود، في الوقت الذي لم تتشكل فيه دولة الوحدة بعد، ولم تأخذ معالمها، ولم تنعم بقدر من الاستقرار، مما يحمِّل مواطني الإقليم أو القطر العربي الذي يتبنى إستراتيجية "الإقليم-القاعدة" في العمل الوحدوي النهضوي أعباء وتضحيات رهيبة معيشية وبشرية بالنيابة عن كل أبناء الأمة العربية، تماماً كما حدث للمصريين في ظل محمد علي باشا وجمال عبد الناصر، وما حدث للعراقيين في ظل صدام حسين.  وتستغل قوى الهيمنة الخارجية وعملاؤها المحليون دوماً مثل هذه الضغوط لمحاولة إحداث شروخ بين القيادة والشعب في "الإقليم-القاعدة".  وتستفيد من بعض الأخطاء التي لا بد لها من أن تحدث في أية تجربة تاريخية كبرى... بغض النظر عن حسن النوايا، ما دام يقوم عليها بنو البشر...

 

من جهة أخرى، فإن عملية البناء الضخم في خضم المعركة مع أعداء الأمة، وقبل استقرار الوضع السياسي، قد يفتح الباب على مصراعيه لتدمير المنجزات العمرانية والصناعية الكبرى، المدنية أو العسكرية، للإقليم-القاعدة، من خلال القصف والعدوان العسكري كما في العراق، أو من خلال الانقلاب الداخلي على المشروع كما حدث في مصر وغيرها.  ومن ثم، قد تصبح البنية التحتية والصناعية والعلمية رهينةً، أو نقطة ضعف، يمكن أن تضربها قوى الهيمنة الخارجية بآلتها العسكرية المتقدمة أنى شاءت، وأن نفتح على أنفسنا بالتالي أبواب الابتزاز السياسي من خلال البنية التحديثية نفسها التي ضحينا بالغالي والنفس من أجل الشروع ببنائها (ويمثل بالأذهان هنا فوراً تهديد العدو الصهيوني بضرب أحد أهم منجزات ثورة يوليو في مصر، وهو السد العالي، كما ضرب مفاعل أوزيراك في العراق!).

 

ومن هنا علينا أن نفكر جيداً إن كنا يجب أن نتبنى مشروع بناء تحديثي متقدم في الإقليم-القاعدة قبل بناء نواة الوحدة العربية، وقبل أن تنعم نواة الوحدة العربية بقدر من الاستقرار، أو من القدرة على حماية أهم إنجازاتها العمرانية والصناعية على الأقل، ورد الصاع صاعين ضد كل من تسول له نفسه الاعتداء عليها.

 

إذن، بدلاً من التركيز على بناء قاعدة مكتملة للوحدة العربية في قطر عربي بعينه، وبدلاً من مشروع تنموي مستحيل في قطر عربي واحد يسهل على الإمبريالية ضربه، لا بد للمشروع الوحدوي النهضوي أن يركز جهوده اقتصادياً في نواة دولة الوحدة قبل استقرارها على المشاريع الصغيرة، أو مشاريع استصلاح الأراضي، وتلك التي لا يمكن ضربها عسكرياً (مثل محو الأمية)، أو المشاريع التي تسهل نسبياً إعادة بنائها (مثل المدارس والمستشفيات والجامعات) مقارنة بالمصانع الكبرى مثلاً أو الأبنية والجسور الضخمة. 

 

وما عدا ذلك، فإن الإقليم-القاعدة يجب أن يوظف موارده وإمكاناته في العمل السياسي في بناء "نواة دولة الوحدة" خارج حدود القطر، أي في "تصدير الثورة القومية" إلى عموم الأرض العربية، وفي بناء نواة دولة الوحدة في أكثر من قطر عربي واحد على طريق الوحدة الشاملة.

 

فربما علينا أن نفكر من الآن فصاعداً لا بإقليم-قاعدة لبناء الوحدة العربية يسهل ضربه، بل ببناء "الحركة-القاعدة"، أي ببناء حركة سياسية وتيار شعبي يخترق الحدود العربية ويستطيع أن يستمر ضمن السلطة وخارجها، حركة تنبع من قلب الشعب العربي وإرادته من أجل بناء قاعدة مستقرة لمشروع الوحدة على الأقل على جزء من الوطن العربي، حركة لا يدفع فاتورة تضحياتها الكبرى قطر عربي واحد، ولا تكبلها معادلات التجزئة القطرية.