(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
د. إبراهيم علوش
لو أخذنا كل حالة انتهاك لحقوق الإنسان في الوطن العربي أو العالم باعتبارها حالة انتهاك لحقوق الإنسان فحسب، وتعاملنا معها هكذا كأنها تقع في فراغ بغض النظر عن أي اعتبارات استراتيجية أو سياق سياسي، فإننا سنسقط بالضرورة وبكل حسن نية في الفخ الذي وقع فيه كثيرون عندما رفعوا أبان المواجهة في وجه القيادة العراقية سابقاً، والقيادة السورية حالياً، شعار: لا للديكتاتورية ولا للاحتلال، فكانت النتيجة الموضوعية لذلك الموقف متساوي الأضلاع المساواة العمياء بين الحليف والعدو...
لو قسنا أخطاء وتجاوزات طرف مستهدف في حالة مواجهة مع المشروع الأمريكي-الصهيوني على قدم المساواة بالضبط مع السياسات القمعية لجهة متحالفة مع المشروع الأمريكي-الصهيوني، فإننا سنسقط حتماً في براثن رؤيا فردية تسطيحية لمشكلة الديموقراطية، هي بالضبط رؤية قوى الهيمنة الخارجية التي تربط ما بين حرية الفرد وحرية الاستثمار وحرية تحويل كل قيمة اجتماعية أو معنوية إلى سلعة، باختصار، وعملياً، حرية الشركات متعدية الحدود واللوبي الصهيوني بنشر هيمنتهما على بلادنا.
فقبل تحديد أي موقف من تجاوزات وأخطاء البعث في العراق أو سوريا، أو حتى من تشدد طالبان المفرط في أفغانستان، أو كيم جونغ إيل في كوريا الشمالية، يجب أن نتساءل: هل تتحدد الديموقراطية فقط بنوعية العلاقة ما بين الفرد/المواطن من جهة والدولة من جهة أخرى، وهي وجهة النظر الغربية التقليدية كما نعلم، ووجهة نظر من يساوي نظرياً ما بين اعتقال مقاوم للتطبيع في منغوليا مثلاً واعتقال صاحب رأي مخالف في سوريا أو العراق سابقاً؟
أم أن حرية ومصلحة الأمة ككل تقتضي عدم المساواة ما بين الحالتين، وبالتالي عدم تجريد أي حالة قمع عن سياقها العام؟
فمن وجهة نظر جمعية، وجهة النظر الوطنية إذا شئتم، مقابل وجهة النظر الفردية المجردة، لا يمكن ولا يجوز أن تتساوى معارضة موالاة أمريكا سياسياً مع معارضة معارضة أمريكا حتى مع افتراض حسن النية، فالأولى ديموقراطية موضوعياً من منظور اجتماعي ووطني وعالمي، أما الثانية فتقف دوماً على منزلقٍ خطر في أحسن الأحوال إن لم تدخل في دائرة الشبهة. والعدو نفسه يدرك هذه المعادلة ويستفيد منها للحد الأقصى.
والفرق هو السياق، وهل نتناوله من منظور فردي (اللاسياق) أم اجتماعي (مصلحة الأمة ومعاداة الإمبريالية). فعندما تتوقف مصلحة البشرية بأسرها على نتائج حروب المواقع التي تخوضها قوى المقاومة والعوائق الموضوعية ضد الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه، يجب أن نحسم أولاً في أي المعسكرين نقف، فليس هناك من خيار ثالث أو حل وسط ما بين الإمبريالية والمقاومة، وعندما نحسم، وفقط بعد أن نحسم تماماً، أين نقف إزاء الوطن، وبعد أن نصطف بشكل لا يقبل اللبس مع القوى المقاومة للعدو الأمريكي-الصهيوني، يمكن أن نعطي أنفسنا حرية الاختلاف مع الحليف الموضوعي من هذه الأرضية الواضحة وضوح الشمس.
نقف ضد القمع في كل مكان إذن، ولكن مع حرية الوطن أولاً، أي مع مصلحة الأمة، فلا بد من ترتيب واضح للأولويات أيضاً، لأن حرية الوطن مقدمة ضرورية لحرية المواطن/الفرد.
ومع هذا، تبقى لحظة انقضاض الطرف الأمريكي-الصهيوني على عائق موضوعي ما ليست اللحظة الأمثل لفتح معركة الديموقراطية مع حليف مستهدف خارجياً. ولذا لا نملك إلا أن نطرح ألف علامة الاستفهام على توقيت ممارسات المعارضة اللبنانية والسورية، وقبلها العراقية، لو افترضنا حسن النية... فمن ناحية سياسية محضة، يصبح اختيار لحظة الاستهداف الحرجة لطرح قضية الديموقراطية الداخلية ذريعةً لتدخل قوى الهيمنة الخارجية، تماماً ككلام الحق الذي يراد به باطل، ومن وجهة نظر الأمة ككل، لا يجوز أن نهاجم الحليف الموضوعي في لحظة المواجهة الحرجة مع الطرف الأمريكي-الصهيوني إلا في حالة تهاونه وتقديمه لتنازلات جوهرية تمس مصالح الأمة.
إذن الرؤية الاجتماعية للديموقراطية ليست كالرؤية الفردية للديموقراطية، بل يجب أن تخضع الحقوق الفردية بالضرورة للمصلحة الاجتماعية إذا تعارضا، دون أن يعني ذلك أنهما متعارضان مسبقاً، ولكن لا نغفل أن راية الرأسمالية العالمية اليوم هي راية الحرية الفردية على حساب الاستعباد الجماعي، فحرية سعد الدين إبراهيم نقيض لحرية مصر، وحرية الشركات متعدية الحدود نقيض لحرية الأمة في التنمية، وعندما تصبح "الديموقراطية" ذريعة الاستعمار، يجب أن نقول بالفم الملآن: تباً لهكذا ديموقراطية!