(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
الصراع العربي-الصهيوني في آفاق الستين سنة المقبلة
ناجي علوش
في الذكرى الستين لقيام دولة العدو الصهيوني تنسى قيادات العدو السياسية والعسكرية والفكرية أن عوامل إنشاء دولة عوامل حاسمة، وأنها يجب أن تتوفر لتقوم الدولة، وأن عدم توفرها يجعل قيام الدولة وديمومتها أمراً عسيراً، وأن أهم هذه العوامل هي ما يلي:
أولاً: وجود أرض ملائمة لقيام الدولة، يسهل الحصول عليها، بالسلم أو بالحرب.
ثانياً: وجود تجمعات بشرية مستعدة للهجرة إلى هذه الأرض.
ثالثاً: وجود ظروف محلية ودولية ملائمة كالظروف التي عاشها الوطن العربي والعالم بعد الحرب العالمية الثانية… وهنا يجب أن تكون الظروف المحلية مهيأة لقيام الدولة المرغوبة بدعم الوضع الدولي لهذه الفكرة وأن يغطيها.
فإذا نظرنا إلى مجمل الظروف المحيطة بدولة الكيان الصهيوني لوجدنا ما يلي:
1 – أنه لا يوجد الآن تجمعات يهودية في العالم كافية لاستعمار قطر بحجم فلسطين، أو إقامة دولة توسعية،
2 – أن الوضع الدولي ليس ملائماً لقيام مثل هذه الدولة كما كان بعد الحرب العالمية الثانية،
3 – أن الوضع العربي ليس بهشاشة الوضع العربي سنة 1948، إلا على مستوى الحكومات، أما على مستوى الشعب فإن روح المقاومة أقوى وأوسع انتشاراً وأكثر عنفاً وأرقى مستوىً.
بالمقابل، إذا أراد قادة العدو الصهيوني أن يظل المشروع مشروع كل اليهود، وأن يظل على تناقض وتنافر مع الوطن العربي، فإنهم بحاجة إلى المزيد من الأرض وإلى المزيد من السكان، وهذا يعني مواصلة عسكرة المشروع، في الوقت الذي لم تعد فيه مقومات العسكرة متوفرة كما كانت… كما يعني استدرار مليارات جديدة غير التي تم استدرارها.
فهل من ألمانيا جديدة تدفع تعويضات مجزية؟ وهل من ولايات متحدة جديدة تدفع 115 مليار دولار أخرى، كما حدث بين عامي 1948 – 1974؟ وهل هناك قوى استعمارية جديدة تدافع عن الكيان الصهيوني وعن مخططاته؟ لا نرى في الوجود أموراً من ذلك، لأن القوى الاستعمارية التقليدية أدت دورها وانتهت، كما حدث مع بريطانيا وفرنسا. ولأن الولايات المتحدة تسير باتجاه التدهور والأزمات، كما تدل الدراسات العلمية الرأسمالية، ولأن العالم يتطور باتجاه بروز قوى كبرى غير إمبريالية وعلى رأسها روسيا والصين والهند، بينما لم يبق إلا قوة استعمارية كبرى واحدة مهددة بالشيخوخة والسقوط، وهي الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى العرب أن يثقوا بأن مستقبلهم سيكون أفضل وأحسن من ماضيهم القريب، وأنهم سيصبحون قوة عظمى لاتساع وطنهم ووفرة عددهم ووفرة إمكانياتهم، ولكي يتحقق ذلك يجب أن يعملوا على المحاور التالية: 1) الوحدة القومية الشاملة، 2) التحديث والديموقراطية والتقدم، 3) محاصرة العدو الصهيوني وإحباط مشاريع السلام لأنها تخدم العدو وحده، 4) بناء الثقة بالنفس والمستقبل.
العالم إذن يتغير. والكيان الصهيوني لا يستطيع أن يعتمد على القوى البشرية التي أنشأته سنة 1947-1948. إن القوى التي أنشأها الكيان الصهيوني تشكلت في أوائل القرن العشرين. وها هو القرن العشرين ينتهي، والكيان ما زال ينشأ ومعركته لم تنتهِ، لأن العرب الذين بدأت معركتهم مع نشوء الكيان ما زالوا يستعدون ويتطورون.
ولقد حسمت المعركة البشرية في الصراع، فبينما لم يستطع الكيان الصهيوني أن يجمع من اليهود أكثر مما جمع، فإن العرب يتزايدون بنسب خيالية. ولقد أصبح عددهم عدة مئات من الملايين، وتجد قطراً مثل المغرب عدد سكانه عام 2007 حوالي 33 مليوناً، وكذلك المغرب، وقطراً مثل اليمن يزيد عدد سكانه عن عشرين مليوناً، ومدينة مثل دمشق يبلغ عددها سكانها أربعة ملايين، وهكذا…
المعركة البشرية إذن حسمت لمصلحة العرب، وبإمكان العرب أن يدخلوا حروباً مفتوحة مع الكيان الصهيوني حتى لو اعتمد على السلاح النووي، لأن امتلاك السلاح النووي، كما ذكر تقرير معهد الدراسات الإستراتيجية في لندن لا يصعب على من يملك 150 مليون دولار… وقرر أن يملك القنبلة. إن توظيف 150 مليون دولار ممكن، وهناك مئات الملايين التي تهدر سنوياً.
إن تلامذة المدرسة الشرقية الاستعمارية الذين يرون أن "إسرائيل" ستبقى والعرب سيزولون مخلصون للفكر الاستعماري الأوروبي أكثر مما يفهمون ديناميات الصراع على صعيد العالم، ومن الوطن العربي. وعليهم أن يدرسوا ما يجري في العالم، وأن يروا انقشاع الظاهرة الكولونيالية والاستعمارية، وبزوغ مجتمع الشعوب الحرة والتكتلات الكبرى البشرية غير الاستعمارية مثل الصين وروسيا والهند… والوطن العربي.
وسيظل الكيان الصهيوني كياناً صغيراً يضعف ويتصاغر، وسيظل الوطن العربي يزداد عدداً وقوةً مع مرور السنين، وبمقدار ما سيعيش الكيان الصهيوني ظروف أزماته، ومنها: 1) أزمة النمو، 2) أزمة الحاجة إلى المساحة، 3) أزمة الشيخوخة، 4) أزمة الانغلاق والخوف، 5) أزمة النمو المدني والاجتماعي.
إن السنوات الستين القادمة ستشهد تطورات نوعية لمصلحة العرب في الصراع، وهذه التطورات تتلخص بالتالي:
أولاً: ضعف الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي ضعف العدو الصهيوني.
ثانياً: صعود قوة العرب سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
ولذلك، فإن أمل العرب بالمستقبل يجب أن يزداد، بينما يجب أن يضعف أمل الحركة الصهيونية.
ووظيفة الحركة الصهيونية أن تضعف الآمال العربية، وأن تعزز الثقة الصهيونية بالمستقبل.
إن دراسة الوضع العالمي تجعلنا واثقين أن الوضع يتغير لمصلحتنا، وعلينا أن نعمل بصدق وشجاعة لتحقيق ذلك.