(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


الصراع في العراق بين المدرسة الأمريكية والمدرسة العربية

 

ناجي علوش

 

ما زال الصراع في العراق دائراً.  العدو الغازي لم ينتصر، ولم تُرفع له الأعلام البيضاء، ولم تعد الحياة عادية، كما توقع العدو وتمنى.

 

وفي المقابل، رُفعت رايات المقاومة الباسلة الشاملة في كل مكان، وبات العدو الغازي يدافع عن مواقع قواته المحاصرة، ويتراجع، ويعزز مواقعه كل يوم بالمزيد من الجنود والآليات، ولم يستطع أن يحقق التهدئة أو أن يعزز "السلام"، سلامه.  وفي كل يوم يرسل العدو المزيد من القوات، ويضع خططاً جديدة ما تلبث أن تفشل كسابقاتها.  وفي كل يوم تقوم المقاومة بهجمات جديدة تكبد العدو خسائر فادحة.  ولم تسلم مواقع العدو من هجمات يومية، حتى في المنطقة الخضراء التي اختارها لقيادة قواته والحكومة العميلة. 

 

وفي الوقت الذي تبرز في كل يوم عوامل ضعف العدو، وعملائه المحليين، تبرز عوامل قوة المقاومة وتتصاعد هجماتها.  ورغم ذلك تواصل حكومة البيت الأبيض الحديث عن الانتصارات والتهدئة ومحاولة توزيع الأماني على الشعب الأمريكي الناقم المنكود.

 

يستطيع العدو الغاصب أن يتبجح بإسقاط دولة العراق، واحتلال مواقع فيه، ولكنه لا يستطيع أن يتبجح بالنصر التام والحرب دائرةٌ على مدى رقعة العراق وضمن حدوده.  وما دامت دائرة، وما دامت المقاومة ترفع كل يومٍ أعلامها عاليةً في كل مكان، فلا يستطيع العدو أن يدعي النصر وأن يدعي إكمال مهمته، وفرض وجوده. 

 

ويستطيع المقاومون العراقيون أن يزعموا أن الصراع ما زال دائراً، وأن النتيجة ما زالت تتأرجح بين الطرفين، وأن إمكانية نصر المقاومة تتفوق على إمكانية انتصار الجيش الأمريكي، ولهذا نستطيع أن نقول أن العراق منطقة نزاع لم تستقر بعد، وأن احتمال انتصار المقاومة احتمال كبير إذا واصلت حمل السلاح وحشد الجهود وتعبئة الشعب، وإن قوات الاحتلال تخسر كل يوم قتلى وجرحى ومنهارين نفسياً وذهنياً ومتساقطين في حومة الصراع.

 

ويكفي أن يكون العملاء الذين زينوا لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية سهولة المعركة، وسهولة سقوط النظام، وانفضاض الجماهير عنه، يكفي أن يكون العملاء قد اكتشفوا أنهم ورطوا الولايات المتحدة الأمريكية، وورطوا أنفسهم في معركة خاسرة، وأنهم يعدون عدتهم للرحيل مع القوات الغازية أو اللجوء إلى المنطقة الكردية في ظل تحالف البرزاني-الطالباني-المالكي، وكأن هذا التحالف سيبقى قائماً وجاثماً على شمال العراق عندما تضطر القوات الأمريكية للرحيل.  يا لها من سذاجة مفرطة، وأحلام مورِّطة!

 

على كل حال، إن الآمال التي تصنعها المقاومة العراقية الباسلة آمال كبيرة ومشرقة، وهي ردٌ حاسم على القوى الانهزامية، لا في العراق فحسب، بل في الوطن العربي كله. 

 

وستخلف الحرب إمبراطورية بوش في وضعٍ لا تحسد عليه: 

 

فهناك أزمة بشرية لأن المجندين الذين يذهبون إلى العراق يعودون في توابيت أو على نقالات وكراسي مقعدين أو مرضى نفسياً وذهنياً، وقد بلغ عدد القتلى المعلن رسمياً حتى الآن حوالي خمسة آلاف قتيل.

 

وهناك أزمة اقتصادية تتفاقم، لا يعلم أحد، حتى الخبراء، إلى أين ستوصل سادة البيت الأبيض والشركات التي تدعمهم.  وقد بلغت مصروفات الحرب في العراق وأفغانستان حتى الآن 800 مليار دولار.

 

في الوطن العربي الآن مدرستان:

 

الأولى أمريكية، وترى أن العراق خسر الحرب، وأن على العرب أن يتعلموا دروساً أمريكية من حرب العراق.

 

الثانية عربية، وترى أنها كانت معركة قومية، وأن المقاومة ردت الصاع صاعات للسياسة الأمريكية، وأن على الولايات المتحدة أن تتعلم درساً عربياً من حرب العراق، قد يصبح أبعد أثراً من حرب فيتنام. 

 

إن المدرسة الأمريكية مبتهجة "بالانتصار" الأمريكي لأنها لم تكن مع العراق في المواجهة، بل مع خصومه.  أما المدرسة العربية فإنها تنتظر لترى رايات المقاومة مرفوعةً على المنطقة الخضراء، لترفع رأسها، وتعلن التأييد.

 

أما أنا، فأعلن وقوفي مع المقاومة، والصراع ما زال دائراً.  وبالطبع لن أكون مع المدرسة الأمريكية لأني عربي، ولأني أنتقد العرب الذين أسهموا في محاصرة العراق، وزينوا للتدخل الأمريكي نكايةً بالعراق وصدام حسين الذي سقط صريعاً في المعركة، بلا تردد، ولا خوف.

 

ها هي المقاومة ترفع راياتها وتتقدم، وهي تحرج المدرسة الأمريكية، كما تحرج حكومة إيران.  وسيكون إحراج إيران أكبر حين تقرر حكومة الولايات المتحدة أن تسحب قواتها لتدور المواجهة بين المقاومة العربية العراقية والقوات الإيرانية المتسللة أو المجندة محلياً.

 

المهم أن يستمر الصراع مع القوات الأمريكية حتى خروجها، وأن يتعلم العرب الذين حين ذرت نذر الحرب، كانوا يناقشوننا أنها مسرحية بين حكومة العراق وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية.  وقد حضرت نقاشات من هذا القبيل، وحين أكدت أن الحرب ستقوم، وأنها ليست مسرحية، سخروا من موقفي أمام عشرات الشهود.  وكان من الذين أصروا أن لا حرب الشهيد جورج حاوي الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني سابقاً.  وكان هنالك آخرون تبنوا هذا الرأي وقالوه علناً وسراً.

 

إن المأزق الذي تعيشه حكومة الولايات المتحدة الأمريكية يطرح على المقاومة اللبنانية والفلسطينية مهمات الاستفادة من هذا الوضع، وتطوير الصراع مع العدو الصهيوني المحمي أمريكياً، وعبره مع الولايات المتحدة الأمريكية.

 

إن المدرسة العربية في الوطن العربي يجب أن تكشف دعاوى المدرسة الأمريكية، لأن المدرسة الأمريكية تعد لانتصارات على جبهات أخرى، وتحاول "تلميع التدخل الإمبريالي في الوطن العربي"، وإثارة الحروب الطائفية والاثنية، وإذلال الروح العربية الأصيلة الشامخة المجروحة من التحالف الأمريكي-الصهيوني، ومن سياسة العدوان على العرب في أوطانهم، وفي تاريخهم، وفي معنوياتهم، وفي لغتهم ودينهم.

 

ويلاحظ المتابع أن العرب يتوزعون إلى قسمين:

 

1 – رسمي، وهو مع الأمريكيين بلا تحفظ ولا حياء،

2 – شعبي، وهو مع المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين، وإن كان يخبئ مشاعره أحياناً اتقاءً لردود فعل الأجهزة الرسمية، وعملاء المدرسة الأمريكية السريين والعلنيين.

 

إن واجب كل عربي أن يقف إلى جانب المقاومة العربية، حيث قامت، لأن روح المقاومة هي روح التحرر في السياسة والاقتصاد، وفي الثقافة، ولأن روح المقاومة هي روح الكرامة، ولأن العرب لا يتحررون وحكوماتهم خاضعة خانعة، ولأن الخوف والجبن لا يصنعان مستقبلاً زاهراً، بل يصنعان واقعاً خائراً.

 

إن حروب الطوائف وعقلية الطوائف لا تصون حقاً، ولا تدفع شراً، كما أن تغطية الرؤوس في الرمال لا تحمي الأوطان ولا ترفع سوية الإنسان.

 

إن المدرسة العربية مطالبة الآن أن تخوض صراعاً فكرياً وسياسياً ضد الانهزامية والتبعية والخوف والجبن والرياء الذي يتغطى ب"العقلانية" و"التعقل" المغلف بالاستخذاء والخضوع والخنوع.

 

كما أن المدرسة العربية الشعبية يجب أن تنشق عن مدرسة الأنظمة التابعة الخانعة التي تظهر بعض "المواقف العروبية" لتغطية انهزاميتها وارتباطاتها وسلوكها المشين الذي لا تفسير له إلا الجبن الروحي والمادي والثقافي والخنوع المتوارث، والخضوع المتناسل، والتعود على الحماية الأجنبية منذ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.

 

وسيسجل شعبنا والتاريخ صفحات المجد للمقاومين والخزي والعار للمتعاونين، مهما ادعوا ومهما زوروا وكيفما كذبوا وتلاعبوا.