(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
السياسة الإيرانية ولعبة مسح دم العراق بدم لبنان وفلسطين
د. إبراهيم علوش
على الرغم من الصراع الحقيقي والعنيف على مناطق النفوذ في بلادنا، الذي تشكل إيران طرفاً رئيسياً فيه، يعتبر بعض أخواننا البعثيين في العراق أن سياسات طهران المعادية للطرف الأمريكي-الصهيوني مجرد قناع، أو ورقة تين مزيفة، لتغطية السياسات الأخرى المتوافقة والمتحالفة معه. بالمقابل، يرى بعض أخواننا الناصريين، وغيرهم من الوطنيين واليساريين، أن أي نقد للسياسات الإيرانية، وأي كشف لمشاريع هيمنتها، هو خدمة مجانية للطرف الأمريكي-الصهيوني قد تكون أكبر من كل الخدمات الدموية والتآمرية التي قدمها الساسة الإيرانيون له في العراق وأفغانستان، فتكون نتيجة ذلك النهج بالتالي هي، بالحد الأدنى، فقدان استقلالية الموقف السياسي، وتمييع الخط الوطني والعروبي في الجانب (الحقيقي) المناهض للطرف الأمريكي-الصهيوني من السياسات الإيرانية، دون الانتباه للجانب الآخر، المتعاون مع الإمبريالية، الحقيقي أيضاً، من تلك السياسات.
والسياسة الإيرانية تجدها مرة مع الأمريكان في العراق وأفغانستان، ومرة ضدهم مع المقاومة في فلسطين ولبنان، ومرة تجد حكام إيران يتحدون أهم بقرة أيديولوجية مقدسة في الغرب، بقرة "المحرقة"، في الوقت الذي يعلنون فيه ويضمرون أشد العداء للأيديولوجيا القومية العربية، ويتآمرون مع الأمريكان علناً على نشر خط التفكيك الطائفي والاثني في الوطن العربي، كما تتجلى بأكثر صوره دمويةً في العراق... وهو الأمر الذي يعني محاولة لم "المجد"، أو المكاسب السياسية بالأحرى، من أطرافها.
مثلاً، في الأيام الأولى من شهر آذار / مارس 2008 زار أحمدي نجاد المنطقة الخضراء في بغداد، تحت حراب الاحتلال وفي كنفه، وهو الأمر الذي يتوجب أن يتوقف أمامه ملياً بالأخص تلك العصبة من القوميين العرب ممن يجعلون التذيل لإيران وسياساتها شرطاُ لمنح غيرهم شهادات حسن سلوك. ولنا أن نتخيل كيف كان سيتخلى هؤلاء عن صمتهم المكلل بالإحراج لو كان من قام بتلك الزيارة أحد "المعتدلين العرب" مثلاً لا حصراً. فنجاد (المناهض للإمبريالية؟) دخل بغداد المحتلة، لا كمحرر، بل على قاعدة العلاقة مع سلطة عميلة تابعة للاحتلال، وعلى قاعدة التقاسم الوظيفي مع الاحتلال، ولكنه لم يدخلها ذيلاً أو قزماً كأحد "المعتدلين العرب"، وفي النهاية كان الإيرانيون من أجَّل المحادثات مع الولايات المتحدة حول العراق، وهنا الفرق! فقد دخل نجاد العراق منافساً على لحم الفريسة، كما تحاول ثلةٌ من الضباع سرقة غزال اصطاده للتو فهدٌ مرقطٌ يلهث من التعب في برامج عالم الحيوانات، وهو قانون غاب فعلاً، كنا وسنبقى فيه فريسة، لهذا الضبع أو ذلك الفهد، ما دمنا لا نميز موقفنا السياسي بوضوح عن الموقف الإيراني، حتى ونحن ندرك جيداً أن العدو الرئيسي كان وسيبقى الطرف الأمريكي-الصهيوني وكل من يتعاون معه، حيثما وبقدر ما يتعاون معه، عربياً كان أم فارسياً.
وفي لفتةٍ نموذجية موازية للسياسة الإيرانية تبنت "كتائب أحرار الجليل، مجموعة الشهيد عماد مغنية" عملية القدس البطولية والرائعة بعد زيارة نجاد لبغداد بأيام قليلة. وقد أصدرت كتائب عز الدين القسام بياناً أكدت فيه عدم علاقتها بعملية القدس، كما لم يتبنها أي تنظيم فلسطين أخر، مع أن بيان كتائب أحرار الجليل يقول بأنها نفذت العملية بالتعاون مع تنظيم فلسطيني أخر ستترك له حرية الإعلان عن نفسه. ولكن منفذ العملية البطل علاء أبو دهيم منهم، وقد ثبت الآن إنه كان على علاقة مع الشهيد محمد الخطيب، أحد أعضاء كتائب أحرار الجليل نفسها، الذي اغتالته قوات الاحتلال الصهيوني عام 2004.
ومن الواضح أن كتائب أحرار الجليل على علاقة مع حزب الله، "معنوية"، كما تقول مصادر إعلامية على النت، وأنه يؤمن بنهج حزب الله في لبنان، ويدين بالولاء للسيد حسن نصر الله... أما كون كتائب أحرار الجليل اختارت أن تعلن عضوية الشهيد علاء أبو دهيم في مجموعة الشهيد عماد مغنية، فإن ذلك يعني فقط أن العملية تمثل القسط الأول من الدين المستحق على الطرف الأمريكي-الصهيوني لاغتياله مغنية في سوريا عشية ذكرى اغتيال رفيق الحريري. وليكن واضحاً أن المدمرة الأمريكية كول لم تذهب إلى شواطئ لبنان إلا كتهديدٍ مضادٍ لتهديدات السيد حسن نصر الله بالانتقام لمغنية من خارج قوانين اللعبة، أو "خارج الميدان الطبيعي للصراع"، كما أراد من اغتالوه، وهو ما يؤكد بحد ذاته تورط المخابرات الأمريكية بعملية الاغتيال.
والعملية في القدس، واغتيال مغنية، والتهديدات المتبادلة، صراع حقيقي وليس مجرد ورقة توت، وهي عملية نوعية متميزة تصب لمصلحة المقاومة في فلسطين، وتمسح بعضاً من الأسى عن وجه غزة، والأهم، أنها تعيد أهلنا في فلسطين ال48 إلى ميدان الصراع العسكري بعد خرابيط "تغيير إسرائيل ديموقراطياً من خلال الكنيست" التي روج لها بعض أدعياء القومية العربية... وهي أيضاً، وهذا لا يتناقض أيداً مع ما سبق، عملية تغطي على سياسة إيران بالتهام العراق، وعلى مشروع الهيمنة الفارسي في عموم المنطقة، وتغطي في توقيتها على زيارة نجاد للعراق.
لكن هنا يجب أن نميز بوضوح ما بين أدوات إيران في العراق، وهم متعاونون مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، وما بين حزب الله الذي يصارع العدو الصهيوني ومشاريع صهينة لبنان، وبالتأكيد أن نميز الاثنين عن حركة حماس التي لا تشكل امتداداً أيديولوجياً أو عضوياً لإيران حتى لو تحالفت معها سياسياً، أو حلفاء إيران العرب الذين يشكلون جزءاً عضوياً من قوى المقاومة والممانعة العربية. وإدراك مثل تلك الفروق وتمييزها عن بعضها البعض مهم جداً للحفاظ على استقلالية موقفنا، وعدم تحول رفضنا لمشروع الهيمنة الإيراني إلى تأييد لمشروع الهيمنة الأمريكي-الصهيوني، أو بالعكس.
ومن يجد نفسه، في اصطفافه ضد إيران، مع "المعتدلين العرب" في مواجهة قوى المقاومة العربية في لبنان وفلسطين وغيرهما، فقد اصطف موضوعياً مع العدو الرئيسي. ومن يجد نفسه، بذريعة مواجهة العدو الرئيسي، في حالة تذيل لإيران تتغاضى عن مشروعها للهيمنة، فقد تغاضى عن تعاون إيران مع العدو الرئيسي. فإيران تمارس سياسة مزدوجة، متوازية ومتعاكسة، حقيقية في الحالتين، وتواري جزءها الأول بالثاني، والثاني بالأول، وهي تلحق بأهدافها القومية الفارسية.
وإذا كانت قوى المقاومة العربية المتحالفة مع إيران في لبنان وفلسطين غير قادرة على نقد السياسات الإيرانية علناً، فإن من حقنا ومن واجبنا كمستقلين وكقوى غير مرتهنة لشروط ذاك التحالف، الضروري ربما، أن نبقى الصوت العربي الحر الذي يُبقى الموقف العربي مستقلاً، فإنتاج موقف عربي مستقل لا يمكن أن يتم أبداً ضمن شروط التبعية لطهران.
ملاحظة أخيرة، بالنسبة لتحدي أحمدي نجاد لأساطير "المحرقة" المزعومة: قام كاتب كندي يساري اسمه ستفن غوانز بتحليل كل تصريحات وخطابات أحمدي نجاد حول "المحرقة" خلال العامين السابقين لعقد مؤتمر مناقشة "المحرقة" في طهران في نهاية العام 2006 وتوصل إلى أن نجاد لم ينكر "المحرقة" أبداً، وأنه أراد توظيف فتح باب النقاش حولها سياسياً فقط. كما وجد غوينز من تحليل أقوال نجاد خلال نفس الفترة أنه لم يقل أنه يريد أن يمحو "إسرائيل" من الوجود، بل يريد "دولة لكافة مواطنيها" في "إسرائيل"، وان زوال "إسرائيل" سيحدث بسبب تناقضاتها الداخلية. ويمكن أن تجدوا مقالة ستفن غوينز المذكورة على الرابط التالي: http://www.counterpunch.org/gowans12162006.html