(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


السودان بين مطرقة المحكمة الجنائية الدولية وسندان مجلس الأمن الدولي

 

د. إبراهيم علوش

 

ثمة خلل إستراتيجي ومبدئي في الطريقة التي تعالج فيها القيادة السودانية قرار اعتقال الرئيس البشير من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية... فبالرغم من إعلان الخرطوم رفضها المبدئي للاحتكام للمحكمة الجنائية الدولية، يبدو أن ثمة رهان على حل المشكلة من خلال مجلس الأمن الدولي، مع أن مجلس الأمن الدولي، والاحتكام "للشرعية الدولية"، هو الذي فوض المحكمة الجنائية الدولية أن تتدخل بالسودان كما سنبين أدناه.  فمجلس الأمن هو المشكلة، لا الحل!!

 

وقد اعتقد البعض أن قرار مجلس الأمن 1828 الصادر في 31/7/2008 لتجديد التفويض للقوة المشتركة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور يمثل نصراً للموقف السوداني، خاصة بالنظر لرفض الولايات المتحدة الموافقة عليه، مع أنها لم تصوت ضده، وبالنظر لاعتراض فصائل منشقي دارفور عليه.  فقرار مجلس الأمن المذكور يشير إلى مخاوف الاتحاد الأفريقي من أن تؤدي اتهامات الجنايات الدولية للبشير لعرقلة جهود السلام في دارفور، كما يشير لاستعداد مجلس الأمن مناقشة تعليق الاتهامات ضد البشير مستقبلاً، وهو ما يبدو أنه دفع البعض للظن أن الخرطوم حققت نصراً ديبلوماسياً، مع أن أي قرار دولي من صياغة الحكومة البريطانية بشأن الوطن العربي وقضاياه يجب دوماً أن يغلب في تقييمه سوء الظن.  فالقرار: 1) كرس عملياً مرجعية التدخل الدولي في الشأن الداخلي السوداني، خاصة في دارفور، سياسياً وعسكرياً وقضائياً، 2) أبقى قرار اتهام واعتقال الرئيس البشير معلقاً في الهواء كأداة ابتزاز سياسية فوق رأس القيادة السودانية، 3) هبط بسقف الموقف السياسي إلى مطلب استجداء تأجيل اعتقال ومحاكمة الرئيس البشير عاماً واحداً.

 

ولو كان القرار على غير ما تشتهي السياسة الأمريكية واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة فإن الولايات المتحدة كانت ستصوت ضده بالضرورة، وما كانت الحكومة البريطانية لأن تجرؤ على رعايته، لكن القرار يكرس التدخل العسكري للقوات الدولية في دارفور، وهو الأمر الذي رفضته القيادة السودانية بقوة من قبل، والذي يمرر الآن في ظل "القانون الدولي"، بعد الكثير من الضغوط، بينما السودانيون والعرب والمسلمون منشغلون بقضية اعتقال البشير وما تشكله كسابقة قانونية يمكن تكرارها في أماكن أخرى، حتى أصبحت القضية السودانية المركزية لوسائل الإعلام العالمي، بعد قرار التمديد، هي قضية "تأمين المروحيات الكافية للقوة المشتركة في دارفور لكي تمارس مهامها". أين المروحيات؟ ثلث المروحيات... بقية المروحيات... الخ...

 

إذن الطريقة الصحيحة لقراءة قرار التمديد هي: تمرير وتصعيد التدخل الدولي في دارفور تحت وطأة الابتزاز باعتقال الرئيس البشير... وفي النهاية، عندما يتمكن التدخل الدولي من إضعاف السودان، سيكون الأوان قد آن لاعتقال البشير بأية حال، والمستهدف هنا سيكون المنصب الرئاسي نفسه، بصفته السيادية، بغرض التهيئة لتقسم السودان، وليس البشير كشخص... وهو السيناريو نفسه الذي تم تمريره في العراق باغتيال الرئيس الشهيد صدام حسين وأعضاء القيادة العراقية برعاية أمريكية-إيرانية مشتركة.

 

أما الطريقة الصحيحة لقراءة عدم تصويت الولايات المتحدة الأمريكية مع القرار فهي أن الطرف الأمريكي-الصهيوني يمارس دوماً سياسة رفض تقديم أي تنازل عن برنامج الحد الأقصى، كما أنه يمارس التبرم الدائم من أي تأخر في وتيرة تحقيق المطالب القصوى، وهذا لا يعني شيئاً سوى الرعونة والصلف واحتقار الآخرين، وهي لعبة يدركها جيداً كل من راقب السياسة الصهيونية مع العرب بشكلٍ عامٍ، وسياسة المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية، وهي سياسة تعبر عن العنصرية بقدر ما تكشف الرغبة بالهيمنة على العالم.

 

المهم، السودان يقول أنه غير ملزم بما تقرره المحكمة الجنائية الدولية لأنه لم يوقع على ميثاق روما الذي تمخض عن المحكمة الجنائية الدولية في 17/7/98!  وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد عقدت اجتماعاً في روماً في حزيران/ يونيو 1998، دام خمسة أسابيع، بغرض تأسيس محكمة دولية دائمة لمحاكمة مرتكبي جرائم الإبادة، والجرائم الدولية الأخرى.  فليس واضحاً معنى ما يرشح عن بعض الأخوة السودانيين في وسائل الإعلام من أن المحكمة الجنائية الدولية ليست ملزمة للسودان لأنها ليست هيئة من هيئات الأمم المتحدة!!!  بل هي كذلك، وقد تم إقرارها بأغلبية 120 صوتاً مع معاهدة روما لتأسيس الجنائية الدولية، وسبعة ضد، وقد نصت تلك المعاهدة على دخولها حيز التنفيذ مع وصول عدد الموقعين عليها إلى ستين دولة، وهو ما تم بعد حوالي ثلاث سنوات من إقرار المعاهدة، أي في 1/7/2002...  فالمحكمة الجنائية الدولية هي بالتأكيد ذراع من أذرع الأمم المتحدة.

 

والأهم، وهو ما يغفله من يقولون أن السودان لم يوقع على معاهدة روما، وبالتالي أنه غير ملزَم بالمحكمة الجنائية الدولية وقراراتها، والرجاء الانتباه جيداً هنا، أن البند الثالث عشر من معاهدة روما يقول أن مجلس الأمن الدولي من حقه أن يحول قضايا للمحكمة الجنائية الدولية حيث لا تمتلك المحكمة الجنائية الدولية ولاية قانونية.  وقد مارس مجلس الأمن هذه الصلاحية بالفعل في آذار/ مارس 2005، عندما حول ملف دارفور كمجلس أمن دولي إلى المحكمة الجنائية الدولية، حيث لم  تكن تستطيع المحكمة الجنائية الدولية التدخل في شأن دارفور مباشرة بدون قرار من مجلس الأمن لأن السودان لم يوقع على معاهدة روما.  فتدخل المحكمة الجنائية الدولية في قضية دارفور يتم بغطاء قانوني وسياسي من مجلس الأمن أصلاً...

 

ويمكن إيجاد نص قرار مجلس الأمن بهذا الصدد على الرابط التالي في موقع الأمم المتحدة الأمريكية (ليست مطبعية!):

 

http://www.un.org/News/Press/docs/2005/sc8351.doc.htm

 

مجلس الأمن إذن هو الخصم، فلا يجوز الاحتكام إليه.  وهو العنوان الأخر، كما رأينا أعلاه، للمحكمة الجنائية الدولية.  وعلينا أن نقاتل ضد خط التدويل من حيث المبدأ، وبشراسة.  وأن نتعامل مع أية مؤسسة أو قانون دولي ينتهكان المصلحة القومية بكل الشخير والازدراء المناسبين.  وإذا كان ميزان القوى الدولي اليوم  قد سمح لروسيا والصين اليوم أن تضغطا باتجاه تأجيل محاكمة البشير، فإننا لا يجوز أن نرهن مصيرنا ومستقبلنا بمحكمة دولية أو مجلس أمن دولي أو قانون دولي، لأن الأولوية والمرجعية يجب أن تبقى للمصلحة القومية العليا، أما "الشرعية الدولية" ومؤسساتها وقوانينها ومحاكمها، فلن تعني لنا إلا الظلم ما دمنا كأمة أقل من قوة عظمى.  وعلى القيادة السودانية أن تدرك جيداً أن من ينصحونها بمسايرة "الشرعية الدولية"، لكي لا يحدث للسودان ما حدث للعراق، كما يردد البعض، أن "الشرعية الدولية" هي المسؤولة أصلاً عما حدث للعراق، من عدوان وحصار وشرعنة للاحتلال، وعما حدث لفلسطين، وعما سيحدث للسودان.  ونرجو أن تعد القيادة السودانية العدة جيداً للقتال القادم بوحي مطامع الطرف الأمريكي-الصهيوني، لا باختيارنا، كما أعدت له القيادة العراقية من قبل.

 

ومن الواضح أن كل ما سبق يتعلق بمجلس الأمن وسياسة الأمم المتحدة ككل، وبالدور المشبوه لبعض مؤسساتها، وليس بكل مؤسسات الأمم المتحدة، أو بعشرات الآلاف من عامة موظفيها حول العالم، وهو الأمر الذي لا يحتاج لتوضيح أصلاً لولا الجهل والتعصب والتأخر وانحراف البوصلة الذي يدفع البعض لممارسة سلوكيات تحول المعارضة لسياسات الأمم المتحدة ودورها إلى أعمال انتقامية دموية ضد صغار موظفيها لا منطق فيها ولا أخلاق ولا موقف سياسي.