(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


الوضع اللبناني: آفاق الفتنة في ظلال التدخل الدولي

 

د. إبراهيم علوش

 

لعبة المحكمة الدولية للاقتصاص من قتلة الحريري ومن قتل بعده ليست أكثر من  مشروع لإشعال الفتنة على خطوط طائفية، فضلاً عن كونها لعبة لنزع سيادة لبنان ووضعه تحت الوصاية الدولية على طريقة كوسوفو وغيرها. 

وفي لبنان وسوريا، تحاول قوى الهيمنة الخارجية أن تلعب ورقة الطائفة السنية هذه المرة، بالتعاون مع بعض أقطاب النظام الرسمي العربي، بينما تلعب الورقة الشيعية في العراق ودول الخليج العربي بالتعاون مع إيران.  وفي مصر والسودان تلعب قوى الهيمنة الخارجية ورقة المسيحيين والأفارقة غير العرب، الخ... ويجد التدخل الدولي أحياناً غطاءً إقليمياً ما يسانده، كما في حالة تدخل بعض الدول الأفريقية غير العربية في دارفور أو الصومال، أو مبادرة الجامعة العربية في لبنان.

ولكن في لبنان بالذات ثمة تاريخ من التدخل الخارجي الثقافي والسياسي المباشر منذ قرون، وقد لعب ذلك التدخل دوراً حاسماً في إثارة المذابح الطائفية منذ القرن التاسع عشر. 

لبنان درة المشرق العربي يصبح دوماً كالريشة في مهب الريح عندما تضعف الدول العربية المركزية ويتقلص نفوذها الإقليمي ليصبح لبنان موطئ قدمٍ لقوى الهيمنة الخارجية، وبالتالي ساحة صراع إقليمي مفتوح. 

وبالرغم من رغبة بعض اللبنانيين أن يجعلوا من لبنان قارة قائمة بحد ذاتها، أو "قطعة من السما" كما يحبون أن يقولوا، فإن العامل الأساسي الذي ما برح يحكم الساحة السياسية اللبنانية يبقى بالضرورة تفاعل الوزن الإقليمي مع الوزن الخارجي الدولي على أرض لبنان... وهذا قدر لبنان الجغرافي السياسي المحكوم بموقعه وحجمه وتكوينه الديموغرافي التعددي. 

فالعودة لهوية لبنان العربية شرط استقراره والاعتراف بخصوصيته وتعدديته من قبل محيطه.  أي أن لبنان المستقر المزدهر كان دوماً لبنان المنسجم مع محيطه الإقليمي، لبنان العربي، بينما لبنان المشتعل كان دوماً نتاج محاولة البعض إخراج لبنان من جلده.  فعامل التفجير الأهم في لبنان هو بالضرورة القوى المرتبطة بالمشروع الخارجي المعادي للأمة، حتى لو تمتعت تلك القوى بغطاء رسمي عربي لا يشكل بحد ذاته إلا قشرة مشروع الهيمنة الخارجي المناهض للأمة، ولا يستطيع أن ينطلق هذا العامل التفجيري من عقاله إلا عندما تضعف المراكز الإقليمية مثل سوريا أو مصر أو العراق بشكل يشجع قوى الهيمنة الخارجية على التوغل في الوطن العربي. 

ولا بد من التذكير هنا أن قوات اليونيفل هي قوى أجنبية معادية جاءت إلى لبنان،  بضغط أوروبي وأمريكي ورسمي عربي، وعلى خلفية عدوان غاشم ذي أهداف سياسية محددة، في سياق زيادة الوزن الدولي فيه.  ومن المستغرب أن يدعو البعض لقوات دولية بما يمثله ذلك من انتهاك لسيادة لبنان التي يدعون أنهم حريصون عليها.    

وكان يفترض أن تكلف قوات اليونيفل بنزع سلاح المقاومة بالقوة وشطبها كعامل ممانعة إقليمي ومحلي مما يتيح إلحاق لبنان بالمعسكر الأمريكي-الصهيوني في المنطقة، كما نصت على ذلك وثيقة Clean Break التي وضعها المحافظون الجدد

وتبقى قوات اليونيفل اليوم جزءاً من معادلة الصراع اللبناني الداخلي في سياق محدد هو تعزيز موقف القوى المعادية للمقاومة والمتحالفة مع الخارج في حالتي الحرب أو السلم.  وفي اللحظة التي تفقد فيها المقاومة اللبنانية زمام المبادرة السياسية، لن يكون صعباً على قوى الهيمنة الخارجية أن توسع قوات اليونيفيل وأن تخولها المزيد من الصلاحيات، مثلاً اعتقال "المتهمين" أمام المحكمة الدولية. 

من جهة أخرى، يعيش المشروع الأمريكي-الصهيوني حالياً في عموم المنطقة - باستثناء فلسطين- حالة أزمة، أساساً بسبب المقاومة العراقية ثم اللبنانية.  وتحجيم الوزن الدولي إقليمياً هو الأمر الداعي أصلاً لغطاء رسمي عربي للتدخل الدولي في لبنان، وإلا لكان التدخل الدولي مباشراً!  وهذا بحد ذاته يدل إن الوضع في لبنان ليس سيئاً حتى الآن وما زال يميل لمصلحة المقاومة، بالرغم من المخاطر.  وينعكس ذلك طبعاً في حالة الأزمة التي تعيشها قوى 14 شباط على الصعيد اللبناني الداخلي 1) لأن ميزان القوى الإقليمي يميل ضدها، بفضل المقاومة العراقية إقليمياً، وبفضل المقاومة اللبنانية محلياً، و2) لأن ميزان القوى اللبناني الداخلي يميل ضدها كما هو واضح من التأييد الجماهيري العارم للمقاومة داخل لبنان وفي الوطن العربي.  فقوة المقاومة العربية، حتى الآن، هي التي تحمي لبنان من الفتنة.