(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
د. إبراهيم علوش
لعل أحد أخبث أقنعة النظام الدولي الجديد اليوم وأكثرها فتنةً للألباب قدرته على تسويق وهم الفرصة المتاحة للجميع دون استثناء لتحقيق بعض مصالحهم الحيوية على الأقل لو مارسوا العمل باحترافٍ كافٍ من داخل مواقع ذلك النظام.
ويصبح هذا الوهم حجة للنظام الدولي الجديد على المحتجين عليه بسبب مظالمه الفاضحة للمستضعفين في الأرض، العرب والمسلمين منهم خاصةً، وعلى الناقمين عليه لتلاعبه بقانونه الدولي نفسه وإعلامه العالمي (كما في ذريعة أسلحة الدمار الشامل لغزو العراق مثلاً)!
وكأن لسان حاله يقول لهم ساخراً: "أنتم المقصرين بحق أنفسكم!"
يبتلع بعض مثقفينا وساستنا الطعم ليمثلَ التقصيرُ المزعومُ ملياً، فيهدرون "الفرص الضائعة" كلها، مع أو دون علمٍ منهم، قرباناً على مذبح ديموقراطية النظام الدولي الجديد وتكريساً لمشروعيته وتبريراً لتلاعب مراكز قوى غريبة عن جوهره "المنفتح" و"الموضوعي" عندهم. يعظوننا! فقط لو عرفتم كيف تكون "اللعبة الإعلامية أو القانونية"...فقط... تقف بيننا ثلة من "الحاذقين" لتلوم الضحية بالنيابة عن الجلاد على جهلها وبالتالي على استحقاقها العذاب، ولتنتصر لما تعتقد أنه نهج جديد في العمل والخطاب السياسي يتجاوز "الشعارات القديمة" و"اللغة الخشبية" التي خسرتنا، على ما زعموا، كل المعارك. فيا لخيبتنا كيف فاتنا تعلم "فن الممكن" لنتمكن به من كسب اللعبة، وكيف تركنا الرأي العام الغربي و"الإسرائيلي" يذهب إلى المعسكر الآخر والخلاص عنده! عنده! بالله عليكم، تعلقوا بأذياله من أجل القضية.. وإلى ما هنالك من البضاعة السياسية غير الجديدة على الإطلاق، سوى أنها تغلف بمصطلحاتٍ جديدة حسب الجو السياسي.
والغريب أن أصحاب هذه البضاعة الكاسدة يقنعون أنفسهم كل مرة بأنهم يقدمون جديداً، بينما ما يمررونه هو دائماً خدمة امتصاص نوازع الثورة العنيفة على الظلم بالترويج لفوائد العمل المزعومة من داخل النظام السائد. وهي لعبة مارسها الغساسنة والمناذرة في ظل نظام العلاقات الدولية القائم على الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية، فليس فيها جديدٌ أبداً سوى هوية الأفراد والمجموعات الخاصة المستفيدة من الامتيازات لنفسها بحجة الترويج للمصلحة العامة، أو قل على حسابها.
وفي حالة الصراع مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، تصبح المشكلة الرئيسية عند هذا التيار كيف نقدم أنفسنا إعلامياً في الغرب أو كيف نحصل على تعويضات مشابهة للتعويضات التي حصل عليها اليهود من ألمانيا مثلاً أو كيف نحاكم شارون في بلجيكا أو كيف نطرح قضية اللاجئين الفلسطينيين من خرم إبرة "الشرعية الدولية" أو كيف "نحرج" الطرف الصهيوني بإصرارنا على الاعتراف به لنكشف إصراره على عدم الاعتراف بنا وعلى عدم التقيد بالاتفاقيات المعقودة معنا...
وهكذا، تصبح القضية الأساسية في فلسطين لا قضية الاحتلال، بل قضية العنصرية الناتجة عنه الأقرب لفهم الغرب والقابلة للحل بالمساواة كبديل عن شعار التحرير "الخشبي" و"القديم".
وتصبح قضية اللاجئين لا قضية وجود الاستعمار الإحلالي الذي خلق قضيتهم في المقام الأول، بل قضية حق عودة فردي للحصول على أوراق ثبوتية "إسرائيلية" يظن هذا التيار أن طرحها بهذا الشكل نوعٌ من العبقرية السياسية لتغيير النظام السياسي الصهيوني من داخله بواسطة حق الاقتراع، متجاهلاً أنه بهذا الموقف يقدم الاعتراف مجاناً بدولة العدو بالوجود الآن لإنجاز مناورة سياسية في المستقبل يبدو أن الجميع يفهمها إلا العدو الذي تجمع كل تياراته السياسية على رفض حق العودة!!!
ويصبح العمل من داخل "الشرعية الدولية" لإحراج الحركة الصهيونية، على ما زعموا، التزاماً فعلياً بكل قرارات هذه "الشرعية" الناتجة دوماً عن ميزان القوى الدولي من قرار الاعتراف بحق الاستيطان الصهيوني في فلسطين المنصوص عليها في قرار 181 و242 وغيرهما، إلى قرارات حصار واحتلال العراق. إذ بحجة كشف عدم تقيد العدو بالجزئيات، نتحول إلى مدافعين عن انتهاك حقوقنا بالكليات، وتتحول مطالبتنا بمرجعية المحاكم الدولية إلى التزام مسبق من قبلنا بأحكامها الجائرة في المستقبل ضدنا.
والمشكلة في كل ذلك عند هذا التيار إصراره على تجاهل تقاطع المصالح بين الطرفين الأمريكي والصهيوني الذي ينتج موضوعياً انتصاراته على صعيد الإعلام والقانون الدوليين، وعلى الأرض. فالقضية ليست قضية علاقات عامة وحذق إعلامي ودهاء قانوني، بل قضية من يملك القرار السياسي في العلاقات الدولية، وكيف نخوض المعركة القانونية والإعلامية على قاعدة الالتزام بالثوابت في المرحلة الإمبريالية.
لا تحتاج أمريكا أو الحركة الصهيونية دائماً إلى "الشرعية الدولية" لتحقيق مآربهما، ولكنهما تبدوان اليوم قادرتين على تجاوزها وشل تأثيرها عند كل منعطف تكاد تقف فيه حجر عثرة في سبيلهما. وبالرغم من ذلك، فإن أنصار "الشرعية الدولية" العرب يستنتجون من المرات التي تسخر فيها أمريكا أو "إسرائيل" القانون الدولي لخدمة أغراضهما أن مشكلة العرب السياسية تكمن في عجزهم عن لعب اللعبة القانونية والإعلامية الدولية جيداً!
والواقع هو أننا لا يعقل أن ننجح بتعديل ميزان القوى لمصلحتنا، في عالم تحكمه القوة المادية العسكرية والاقتصادية للطرف المهيمن الأمريكي-الصهيوني، من خلال إعلام عالمي وقانون دولي يشكلان بالضرورة بعض أدوات الطرف الأقوى في المعادلة. ففي مثل هذا العالم، تصبح القوة كل شيء، ويصبح الإعلام والقانون مجرد قناعين لها، ويصبح عجزنا عن كسب المعركة القانونية لاحقاً لعجزنا على الأرض، ويصبح تغيير ميزان القوى مرهوناً بقدرتنا على إنتاج قوة ردع محلية فاعلة بالاعتماد على مواردنا الذاتية أساساً ثم الحليفة.
وعندما نتمكن، وفقط عندما نتمكن، من إيجاد قوة الردع المحلية الفاعلة، فأننا يمكن أن نستفيد من القانون الدولي حيث يفيدنا، وحيث يفيدنا فقط، تماماً كما يفعل الطرف الأمريكي-الصهيوني.
على سبيل المثال، تحدت دولة العدو لأكثر من عشرين عاماً القرار 425 القاضي بانسحابها من جنوب لبنان (والقاضي أيضاً بحدود آمنة لدولة العدو)، فلم تفدنا "الشرعية الدولية" في ذلك شيئاً حتى تمكنت المقاومة اللبنانية من بناء قوة الردع المحلية الفاعلة القادرة على طرد الاحتلال. وعلى المستوى القانوني الدولي، لعبت قيادة حزب الله المعركة السياسية ببراعة عندما تغطت بقرار 425 دون أن تعلن تأييدها الصريح له، فهي لم تقل فلنطالب بتطبيق القرار 425 الذي يعترف بحق دولة العدو بالوجود لنغطي مقاومتنا بالقانون الدولي، ولكنها لم ترفضه صراحةً أيضاً، بل أصرت على حقها الجوهري بالمقاومة دون ربطه بالقانون الدولي وأعلنت في الوقت عينه رفضها الاعتراف بحق دولة العدو بالوجود.
ومن هنا نرى أن الاستفادة من أي ثغرات قانونية في جدار العدو تتطلب أن نجعل مرجعيتنا الأولى والأخيرة في العمل السياسي مصلحتنا كأمة وحقوقنا التاريخية المشروعة. فإن أيد القانون الدولي أي جزء منهما، كسب هو المصداقية في ذلك حيث يفعل، ولا تكتسب حقوقنا ومصالحنا المشروعية إذا توافقت مع ما يسمى القانون الدولي الناشئ عن موازين قوى عابرة، بل نعجز أن نفرض أي حقوق لنا، سواء أيدها أو عارضها القانون الدولي، دون امتلاك القوة العارية القادرة على دعم قوة الحجة بحجة القوة. وقد رأينا العراق يساير إلى الحد الأقصى وفي أدق التفاصيل القانون الدولي دون أن يفيده الأخير بشيء أو يمنعَ عنه عدواناً ينتهك أبسط قواعده. ولن يتحرر العراق من الاحتلال اليوم إلا بالقوة العارية للمقاومة العراقية الباسلة التي تحرم الاحتلال من الاستقرار وترفع كلفته بشكل متصاعد وتمنع القانون الدولي من تشريعه، وتفرض في النهاية مشروعية المقاومة دولياً.
ويتبع أننا يجب أن نستعد أتم الاستعداد لمقارعة أي قانون يتعدى على حقوقنا التاريخية. فعندما يعترف القانون الدولي بحق دولة العدو بالوجود أو يغطي اتفاقية أوسلو أو حصار العراق أكثر من اثنتي عشرة سنة أو يمهد للاعتراف بمجلس بريمر في العراق أو يخدم عامةً القطب المهيمن دولياً، فإننا يجب أن لا نتردد بتجاوزه بالقول والعمل. إذ ليست ثمة حكمة سياسية في المطالبة بما هو بداهةً ضد مصالحنا وحقوقنا، ومن ما يتحول إلى قيد طويل المدى على عملنا السياسي وحقوقنا التاريخية إن أيدناه بحجة تحقيق مكاسب إعلامية مزعومة في الغرب هي بالتعريف قصيرة المدى، هذا إذا افترضنا ببلاهة أن فرحة الطرف الأمريكي-الصهيوني بإقرارنا بقواعد اللعبة كما يريدها هي فعلاً نصرٌ لنا.
والخلاصة أن معركتنا اليوم هي أولاً معركة الحفاظ على الثوابت على صعيد الفكر، وهي بالتوازي معركة بناء القوة المحلية الرادعة على صعيد العمل. أما تغيير القانون الدولي ليتوافق ومصالحنا المشروعة فمشروعٌ طويل المدى يرتبط بتغيير لميزان القوى الدولي لن نعجل بوقوعه إلا بتحقيق شروط قوتنا وبتمسكنا بحقوقنا بثبات. أما "إحراج" العدو ديبلوماسياً بالاستسلام لقواعد لعبة الطرف المهيمن فهو الذي ينم عن نقص كامل في الحكمة السياسية.
سيطرة الطرف الأمريكي-الصهيوني على القرار الدولي لا يعني أنه يملكه بالكامل، ولا يعني عدم إمكانية نشوء معارضة داخل أمريكا ضد سياساتها الخارجية. ولكن الطريقة التي يتعامل بها الطرف الأمريكي-الصهيوني مع المحاكم الدولية اليوم هي محاولة فرضها على كل دول العالم مع الإصرار على التملص من أحكامها. فهو يريد أن يحاكم أعداءه من رؤساء الدول الذين يقاومون الهيمنة الخارجية إلى المثقفين المتهمين بالعداء للسامية إلى الليبيين المتهمين بقضية لوكربي في المحاكم الدولية، ولكنه لا يريد أن يحاكم شارون أو أفراد القوات المسلحة الأمريكية فيها. وتتمثل في هذا السلوك قمة غطرسة القوة التي تضع نفسها فوق قانونها، فهي شريعة الغاب التي تتطلب أن يبقى الآخرون إذن في حالة من الانضباط المفصل حسب مصالح الطرف المهيمن في العلاقات الدولية الذي يضع القانون وينسخه كما يشاء.
وفي مواجهة هذه الغطرسة يندفع بعض أصحاب النوايا الحسنة إلى جانب أنصار "الشرعية الدولية" العرب للدفاع عن المحاكم الدولية على أمل الحصول على شيء من العدالة منها وللعمل على تطبيق أحكامها على الطرف الأمريكي-الصهيوني، بدل التعامل مع المشكلة الأساس وهي الاختلال في ميزان القوى العالمي والإقليمي الذي يسمح لقطبٍ واحد أن يفرض هيمنته على الأرض، وفي السياسة والإعلام والقانون.
ولا ضير في إثارة أية قضية تخدم مصالحنا وحقوقنا في المحافل القانونية والإعلامية الدولية ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، وفي البحث عن تحالفات، ولو كانت آنية، لتحقيق ذلك الهدف. ولكن المشكلة، كل المشكلة، عند أنصار "الشرعية الدولية" العرب تكمن في رفع هذه التكتيكات الثانوية، القليلة الجدوى في ظروف الاختلال الحالي في ميزان القوى، إلى مصاف الاستراتيجية العليا التي يجب أن تخضع لحساباتها كل سلوكنا وخطابنا السياسي، بينما العكس هو الصحيح.
وهي مشكلة عامة فيمن يدعون للعمل من داخل النظام الدولي الجديد عندما يدعون إلى تقليد التكتيكات اليهودية في أمريكا وغيرها، وإلى الحصول على تعويضات مماثلة لما حصلت عليه دولة العدو من ألمانيا مثلاً. ولكن تأثير العمل السياسي داخل النظام الأمريكي لا يأتي من فراغ كما يتوهم البعض، وهو بالأساس ليس نظاماً مفتوحاً للتأثيرات بالقدر الذي يتصوره دعاة تقليد اللوبي اليهودي-الصهيوني في الولايات المتحدة. ولا يتم تأثير اللوبي اليهودي على الكونغرس بمعزل عن القوة الاقتصادية والسياسية والإعلامية للجالية اليهودية ككتلة متماسكة ضمن المجتمع الأمريكي، وهي بالأصل جزءٌ لا يتجزأ من قوة المؤسسة الحاكمة الأمريكية. كما أن التعويضات الألمانية للكيان تدخل ضمن استراتيجية تقويته، ولا يمكن أن نحصل على تعويضات أقل منها إلا ضمن سياق التخلي عن حقوقنا التاريخية.
كما أن ثمة سوء فهم لمعنى التحول باتجاه المحاكم الدولية.
فهي تعكس التحول العميق في بنية النظام الدولي الجديد باتجاه جعل النقطة المرجعية للسيادة والقضاء خارجية بعد أن كانت داخلية، كما هو دأب العولمة في تفكيك الدولة والثقافة الوطنية وإعلاء المؤسسات والقيم والمفاهيم المعولمة محلهما.
وهي تعطي المشروعية لمفهوم التدخل في شؤون الدول التي لا تتبنى النموذج الليبرالي الغربي في الحكم بحجج "إنسانية" الظاهر، مما يغطي الأغراض السياسية للدول المتدخلة.
وهي تسوق الأوهام حول إمكانية نيل العدل من خلال مؤسسات النظام الدولي الجديد إذا تم العمل السياسي بناءً على منطلقاته، أي من خلال نبذ وسائل المقاومة التي "لا يرضى عنها المجتمع الدولي". فالعرب يقال لهم هنا أن المؤسسات الدولية، لا نضالهم ووحدتهم، هي التي تعيد الحقوق المسلوبة.
وهي تغطي حقيقة أن المتدخل دائماً هو الدول الأقوى والمتدخل فيه هو دائماً الدول الأضعف، فالاستعمار هو الذي يضع نورييغا أو بينوشيه في الحكم، ثم يقرر محاكمتهما، وهو الذي يقرر متى تقتضي مصالحه محاكمة ميلوسوفيتش أو القذافي أو صدام حسين.
وهي في حالة شارون مثلاً، حملة، المطلوب من العرب فيها أن يقبلوا بحماسة بالمرجعية القانونية للمحاكم الدولية تمهيداً لاستخدام تلك المرجعية في مشروع "تغيير الأنظمة" وإعادة رسم خرائط المنطقة، بعد أن تكون المحاكم الدولية قد اكتست بشيء من "الموضوعية" و"الحياد" في أعينهم، بعد أن تصبح محاكمة شارون، ولو لم تقع، بديلاً وجدانياً عن محاكمة الصهيونية وكيانها السياسي، وبالتالي إحدى أدوات تسويق "الحل العادل والدائم في الشرق الأوسط"!
هي عقدة نقص إزاء الغرب تلك التي تعتبر أن مربط الفرس في كل عملنا السياسي يتمثل بالعمل على كسب الرأي العام الغربي واليهودي وضرورة إخضاع خطابنا السياسي والإعلامي لعمليات استئصال بلاغية من أجل تحقيق ذلك الهدف.
وتنبع عقدة النقص هذه أما من حالة خنوع ثقافي ذليل أمام "تفوق" هذا الآخر الغربي واليهودي أو من قبول سياسي مهين بأبدية ميزان القوى السائد أو من الاثنين معاً.
وقد تسربت هذه العقدة إلى قطاعات واسعة من الناشطين السياسيين الأنقياء داخل الوطن العربي وخارجه حتى توهموا أن سر الانتصار للقضايا العربية يملكه الرأي العام الغربي، وأن سر الوصول للرأي العام الغربي يكمن في امتلاك مفردات النظام الدولي الجديد للعمل من داخل هذا النظام وبقواعده.
ويذهب البعض إلى أن الحركة الصهيونية لم تنتصر بالرصاص والقنابل إلا لأنها انتصرت بالصوت والصورة، أي بالإعلام، ولذلك فإن علينا أن نحاكي وسائلها من أجل الوصول إلى الرأي العام الغربي، مربط الفرس، مما يعني في معظم الأحوال تقديم تنازلات مهولة في حقوقنا الأساسية والثوابت بحجة ممارسة نمط "جديد" من عمل سياسي "لا يستطيع أن يفهمه من لم يعش في الغرب ومن لا يتكلم اللغات الأجنبية"، حسب زعم أنصار "الشرعية الدولية" العرب. وهكذا، يصبح العمل السياسي "الجديد" حكراً على قلة تعتقد أنها متخصصة تصادر مبادرة الشارع وتسم كل من لا يؤيدها بالجهل.
وكي لا يبقى الكلام في العموميات، اسرد مثال عريضة ضد ضم القدس وزعت على الإنترنت يوم 5 أيلول/سبتمبر 2003 باللغة الإنكليزية كتبها عربي يعتقد أنه خبير إعلامي وقانوني بالغرب، لا يهم أن نذكر اسمه. ومنطق العريضة أن القانون الدولي يمنع ضم الأراضي بالقوة، وبالتالي فإن "إسرائيل" عندما ضمت القدس أو أي جزء منها تجاوزت القانون الدولي الذي جعل القدس مدينة دولية في قرار التقسيم 181. الطريف في الأمر طبعاً هو الاعتراف الضمني بقرار التقسيم مجاناً وبحق دولة العدو بالوجود تحت حجة معارضة ضم القدس بالوسائل التي يفهمها الرأي العام الغربي! وهنا تبرز "عبقرية" النوع "الجديد" من العمل السياسي الذي يجتر النمط القديم القائم على التضحية القاطعة بالكليات من أجل الكسب المحتمل للجزئيات في المحافل الدولية، وهو ما لم يغن أو يسمن يوماً، وما يخالف العقل ابتداءً لأن إطاره العام هو دوماً الاعتراف بالوقائع الاستراتيجية "الجديدة" التي يفرضها الطرف الأمريكي-الصهيوني بالقوة على الأرض.
ما نحتاجه إذن هو عمل إعلامي متمم لنهج المقاومة الشاملة، النهج الوحيد القادر على قلب موازين القوى على الأرض بشكل يجعل كسب المعارك الإعلامية والقانونية ممكناً. إذ أن الرأي العام في معسكر العدو لا يجنح للانسحاب غير المشروط من جنوب لبنان أو فيتنام، ولا تدب الخلافات في صفوفه فعلاً، ولا يتهيأ لتقبل الأصوات المنادية بالحكمة، إلا عندما ترتفع كلفة الاحتلال إلى درجة لا تطاق ولا تمكن السيطرة عليها. وهذا ما نراه يتكرر بالنسبة للاحتلال الأمريكي للعراق بفضل المقاومة، من جديد. فلا يجوز أن نضيع منجزات المقاومة العراقية بالإعلام الداعي لتدويل الاحتلال تحت علم الأمم المتحدة. بل يلعب إعلامنا دوره الحقيقي بالدعوة لخروج كل قوة محتلة أمريكية أو غيرها، ولمشروعية السلطة التي تفرزها المقاومة العراقية.
إذن لا يكون عملنا الإعلامي ناجحاً إذا لم يجعل هدفه الثابت الدفاع عن حقوقنا التاريخية وثوابتنا ومشروعية مقاومتنا، وعلى رأسها المقاومة المسلحة، سواء في مخاطبة الرأي العام العربي أو الأجنبي، بغض النظر عن الحاجة إلى تنويع الوسائل المتبعة بما لا ينتهك الثوابت.
فإذا أخذنا الطريقة السائدة في الدفاع عن حق العودة مثلاً، سنجدها تتجاوز هذا المقياس للعمل الإعلامي المقاوم. فحق العودة الفردي الذي يفترض أن يمنع التنازل عنه إلا من صاحب العلاقة، يمكن تجاوزه بالتعويضات الفردية بعد فرض وقائع سياسية معيقة للعودة في "العملية السلمية". وحق العودة الجماعي الذي ينبثق من حق تقرير المصير للشعوب يمكن تجاوزه بالتوطين. وحق العودة الإنساني الذي يقدم قضية اللاجئين كقضية مشردين يمكن تجاوزه بحلول غير سياسية إنسانية الطابع. فقط ربط كل هذه الحقوق بالحق العربي التاريخي بأرض فلسطين يجعلها عملاً إعلامياً حقيقياً، أي دفاعاً عن التحرير.
يعتقد أنصار "الشرعية الدولية" العرب أن كسب الرأي العام العالمي مرهونٌ بإسقاط خطاب التحرير والكفاح المسلح والحقوق التاريخية ليستعاض عنه بالمفردات والمنطق المنحوتين من خطاب القوى المهيمنة في النظام الدولي الجديد، مثل "مكافحة الإرهاب" و"التعددية الثقافية" و"القانون الدولي" و"المحرقة اليهودية" وإلى ما هنالك من ترهات لم ينتجها صائغوها ضمن سياق إعلامي وفكري متكامل إلا لتبرير سياسات معادية في الصميم لنا ولكل شعوب العالم الثالث.
فمفردات الطرف المعادي، العملة الصعبة للإعلام والقانون الدوليين، لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والمصالح التي أنتجتها. وبالتالي، فإن تبنيها يقود بالضرورة إلى التخلي عن ثوابتنا وحقوقنا التاريخية، وعن مشروعنا الاستراتيجي. ومن هنا، فإن ضيق الأفق وقلة النضج السياسي فقط هما اللذان يمكن أن يجعلا المرء غير قادرٍ على التمييز بين قبوله هو في المحافل الدولية إذا ما قدم التنازلات المطلوبة، وبين تحقيق أي إنجاز سياسي أو إعلامي أو قانوني أو غيره لمصلحة الأمة في هذه المحافل، وشتان ما بين الاثنين.
فعندما يعترف السياسي أو المثقف العربي ضمناً أو علناً بحق دولة العدو بالوجود، أو باحتلال العراق مثلاً، بحجة الانسياب من خرم إبرة مفردات العدو إلى أذن رأيه العام، فإن الطرف الخاسر في المعادلة هو بالضرورة من تنازل عن حقه التاريخي ومن قدم مشروعيته السياسية ثمناً لمقبوليته السياسية أو الشخصية.
ولا شك أن الطرف الأمريكي- الصهيوني يسعى لفرض هيمنته ونموذجه علينا لا بقوة السلاح فحسب، بل بجميع الوسائل الأخرى السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والقانونية. فالمواجهة معه مواجهة شاملة على جميع الأصعدة فرضها هو علينا لا ينجينا منها أن ندفن الرؤوس في أوحال الهزيمة والإحباط . ولذلك، لا بد لنا دائماً، كأفراد وجماعات، أن نطور وسائلنا وقدراتنا جميعها، لا العسكرية منها فحسب، ومنها وسائل المواجهة الثقافية والإعلامية والقانونية. ولكننا، قبل كل ذلك، يجب أن نسأل أنفسنا أولاً من هو معسكر أصدقائنا ومن هو معسكر أعدائنا ولماذا يعتبر بعضنا أن الرأي العام في معسكر الأعداء هو كل شيء وأن الرأي العام العربي والإسلامي والعالم ثالثي لا شيء!!
في هذا السياق يصبح الإعلام الأهم هو الإعلام المقاوم الذي يهيئ احتياطنا الاستراتيجي (أي رأينا العام العربي والإسلامي) للمواجهة الشاملة ويحصنه من محاولات الاختراق القادمة من أنصار "الشرعية الدولية" العرب الذين يروجون من خلال الصحف والفضائيات العربية مفردات الطرف الأمريكي-الصهيوني بحجة كسب رأيه العام، وهو ما يشكل التتمة الطبيعية لتخليهم عن خوض المواجهة مع العدو لمصلحة أيجاد موقع لهم من داخل أطره.
وفي هذا السياق أيضاً تنشأ الحاجة لإعلام بديل في الخارج يكشف همجية ومخططات الطرف الأمريكي-الصهيوني ويقدم ثوابتنا ومقاومتنا وحقوقنا التاريخية الثابتة بوسائل مبدعة ورائدة، فلا يجعل مقياس نجاحه مقدار قبوله من القوى السائدة في أوروبا أو أمريكا بل مقدار معارضتها له ومقدار نجاحه في تشكيك الرأي العام الأجنبي بكل الخطاب السياسي للنظام الدولي الجديد، أي تماماً كما يفعل أنصار "الشرعية الدولية" العرب بشكل معاكس في معسكرنا عندما يشككون بالثوابت مثلاً.
وفي هذا السياق أخيراً دعونا لا ننسى أن وسائل الإعلام التي تشكل الرأي العام الأمريكي، على كثرتها، تسيطر عليها حفنة من الاحتكارات الكبرى المرتبطة مع الشركات المتعدية الحدود واللوبي اليهودي بوشائج مالية وسياسية كثيرة. فعلينا أن نكف عن ترداد ما يمدح النظام الدولي الجديد به نفسه. فليس صحيحٌ أن إعلامه مفتوح لمن يرغب وأن التقصير من عندنا، أو أن محاكمه عادلةٌ أو أنه فاتحٌ أذرعه للسائلين. فانحياز أمريكا لدولة العدو لا يعود لقوة اللوبي اليهودي فحسب حتى ننافسه على ود أمريكا بوسائله، بل لتقاطع المصالح بين النخب الحاكمة في الغرب، من بريطانيا في القرن التاسع عشر إلى أمريكا في القرن الواحد والعشرين، مع المشروع الصهيوني. فهي طرفٌ معادٍ لأن مصالحها تتضارب مع مصالحنا، لا لأن اليهود يجرونها إلى مواقف تجهل كنهها. وبعد مجيء بوش الابن إلى الحكم في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، عين من ممثلي الشركات الكبرى وزراء بدل العدد الكبير من الوزراء اليهود في عهد كلينتون، ولم يؤدِ ذلك على الإطلاق إلى انخفاض منسوب العدوانية الأمريكية ضد العرب والمسلمين!
والخلاصة هي أن الذين يدعون لكسب الأنصار والمؤيدين في العالم كانوا حتى الآن يتصرفون وكأن ذلك يساوي العمل على إصلاح النظام الدولي الجديد سلمياً من الداخل، بينما المطلوب هو الثورة عليه.