(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


أشكال متعددة من محاصرة الفكر القومي

 

ناجي علوش

 

القضية القومية العربية قضية العرب الكبرى، وهي لذلك بحاجة إلى أبحاث ودراسات ومناقشات، ورغم ذلك، فإن الإنتاج في هذا الباب غير غزير، وما صدر رغم أهميته لم يجرِ تداوله على نطاق واسع.

 

كان ساطع الحصري من أغزر الكتاب القوميين، ومن أكثرهم متابعة.  وقد صدرت مؤلفاته في عدة طبعات آخرها طبعة مركز دراسات الوحدة العربية.  ورغم ذلك، فإن إعادة طبع أعماله الكاملة لم يثر الكثير من المناقشات، ولم يطرح القضايا القومية الكبرى مجدداً، فلماذا؟  نرى أن ذلك يعود إلى ما يلي:

 

أولاً: لأن القضية القومية محاطة بالشكوك والشبهات بسبب ما يحيط بالأمة من الأزمات والمشاكل،

 

ثانياً: لأن الذين سيخوضون النقاش أو يعيدون طرح القضايا مطالبون: 1 – أن يتعمقوا فيها، 2 – أن يكشفوا الكثير من الملابسات، 3 – أن يتحملوا الكثير من المسؤولية العلمية، 4 – وأن يجيبوا على الكثير من الأسئلة التي لم يستطع الحصري أن يجيب عليها.

 

ولو حاولنا أن نسمي الكتاب القوميين الذين أنتجوا لوجدنا العدد محدوداً منذ إعدامات 1916.

 

وكان القرار الدولي بإعدام أبطال العرب ومفكريهم قد وجه ضربة قاصمة للنخبة القومية، فإن الأحداث التي تلت أعوام المشانق لم تفرز نخباً جديدة بسرعة.  واحتاج العرب إلى عقودٍ لبروز نخبة جديدة وكان من أبرز وجوه هذه النخبة:

 

1 – الأستاذ الكبير والكاتب الغزير محمد عزت دروزة:

 

وكان دروزة قومياً نوعياً غزير الإنتاج مدققاً واسع الأفق متابعاً ذا رؤية شاملة، وسيظل كتابه "الوحدة العربية" مرجعاً كبيراً مفيداً شاملاً درس فيه قضية الوحدة العربية وأسلوب تحقيقها، كما قدم إسهامات في دراسة التاريخ العربي.  ورغم سعة علم محمد عزت دروزة، وغزارة إنتاجه، فإنه لم يدرس جيداً، حتى من الأحزاب والقوى السياسية الصاعدة، ولم تثر مقالاته وكتبه مناقشات واسعة تغني ما بدأه.

 

ولقد أقنعني صدور كتابي عن المناضل الكبير محمد عزت دروزة، وصدور الأعمال الكاملة للأستاذ الحصري عن مركز دراسات الوحدة العربية دون أن يثير ذلك نقاشاً، أن قضية الوحدة مطلوب أن تنسى، وأن تحاط بالنسيان، وألا يتذكرها أحد.  وكان مما عزز قناعتي صدور الكتابات السياسية للأستاذ ميشيل عفلق دون أن تثير نقاشاً أو أن تلقى ترحاباً. 

 

وأنا هنا أحاول أن أطرح القضية وأن أثير التساؤلات حولها، ولسوف أذكر المزيد من التفاصيل لإعطاء القضية حقها. 

 

أذكر أنني كنت مرة في بغداد، وكان الأستاذ الشاعر شفيق الكمالي رحمه الله الأمين العام لاتحاد الكتاب والأدباء العرب فقررت أن أبحث معه قضية الحصول على تمويل لطبع أو أعادة طبع مؤلفات الأستاذ محمد عزة دروزة، ووعدني أن يبحثها مع الرئيس المهيب المرحوم أحمد حسن البكر.

 

طلب مهلة لبحث الموضوع، وفي اليوم التالي التقينا.  قال وهو مستبشر: طرحت الفكرة على المهيب أحمد حسن البكر فقال: محمد عزة دروزة أستاذي، وأبدى استعداده لتوفير المبلغ المطلوب، ففرحت لأني لأول مرة أنجح في قضية كهذه...  ولأني لأول مرة أنجح في تبني مشروع خدمة الثقافة العربية من خلال نشر كتب وإبراز مؤلفين ذوي دور كبير عروبياً وقومياً...

 

ولم أكن أعرف ماذا تخبئ الأمور... وحين عاد شفيق من سفرته كان متوتراً، وكأني ورطته في ورطة... وروى لي كيف قوبل المشروع فلسطينياً مقابلة بشعة، إذ أنه قابل في دمشق شخصيات فلسطينية، فروى لهم ماذا حدث... وكيف ستطبع كتب محمد عزة دروزة فكان رد فعلهم سلبياً.. وأبلغوه أن محمد عزة دروزة مجرد قاتل، ولا قيمة له... ولم يكن شفيق يعرف أن الخلاف الفلسطيني حول التسوية أمتد إلى الوراء، وأن محمد عزة دروزة لم يكن محسوباً على تيار القيادة الفلسطينية الراهنة، فهو من مؤسسي تيار الكفاح المسلح ضد البريطانيين والفرنسيين، وهو لم يقبل أن يصبح من تيار القيادة الفلسطينية الراهنة.

 

وهو، أي دروزة، سنديانة شامخة، لا تهزها الرياح، ولقد كنت مخطئاً لأني لم أحسب هذه الحسابات، وأنا أعرف توجهات القيادة الفلسطينية.

 

ولقد فكرت أن أعود إلى المجلس القومي للثقافة العربية لأطرح الموضوع، وقد فعلت، فنجحت هذه المرة أيضاً.  وتقرر تنظيم احتفال لتكريم محمد عزة دروزة وتخصيص خمسة آلاف دولار لطباعة بعض مؤلفاته.

 

وكلفت بكتابة دراسة عنه، ففعلت، وحين جاءت مناسبة الاحتفال، ذهبت ووجدت الاحتفال ملغىً، ولم أبلغ بشيء حول الأمر حتى الآن...  وإن كان الأمر قد صار معروفاً بالنسبة لي..

 

وهكذا تحارب القضايا القومية من وراء ستار، وهكذا تحبط مشاريعنا.. وهكذا تضيع الجهود. 

 

وهناك أكثر من نوع من التآمر على الفكر القومي:

 

هناك التآمر الرسمي والموقف الرسمي المعادي.  وهناك التآمر الدولي الإمبريالي-الصهيوني.  وهناك التآمر الداخلي الصغير والخطير الذي أشرنا إلى بعض أساليبه، ولكن الأمة تظل أقوى وأرسخ وأكبر من كل المتآمرين. 

 

وهكذا تحيط بنشر الأعمال القومية الصعوبات والعوائق. 

 

وكنت قد تفاءلت بعد أن التزم المجلس القومي بطبع الأعمال القومية الكاملة للأديب الكبير إلياس مرقص.  ولكن المجلس القومي بعد هذا الالتزام حُوصر وصُفي، وإن كنت متفائلاً من أنه سيعود وسيعود إلى التزامه.

 

ونحن في انتظار المجلس القومي حتى يعود يجب أن نبحث عن الاحتمالات.  وإن كنا على ثقة بأن المعركة القومية هي معركة الأمة، وبأننا يجب أن نخوضها بلا تأخر، وبلا هوادة، وبكل ما نحتاجه من تضحيات وإجماع وحشد قوى بلا تردد ولا مهادنات.