(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)


باب الشمس- الرحيل (الجزء الأول)

الفيلم يعرض  مشاهد من الماضي الفلسطيني ... يتحدث عن أيام معظمنا يجهلها... ولم يعشها ..

 

احمد الرمحي

 

بالنسبة لبعض المشاهد المثيرة للجدل, نعم ربما كانت بعض اللقطات تحتوي بعض المشاهد المثيرة لكنها ليست بالكثيرة.. ولا هي محور الفيلم، ولا يجوز أن يقيم الفيلم من زاويتها فحسب.

 

أما عن الألفاظ النابية التي تخللت مشاهد الفيلم, فنحن نسمعها جميعاً وربما نستعملها أحياناً، فليست هي المشكلة أيضاً، ويكون من التسطيح أن يقيم الفيلم برمته أخلاقياً حيث تكمن الخطورة في الرسالة السياسية الخفية التي يقدمها المخرج عبر الفيلم.

 

والفيلم يتميز بجماليات بصرية عالية, وتحريك جميل وصادق للمجاميع الضخمة،  وقد تميز أيضاً بإبراز الإنتاج الكبير بعيدا عن البطولات الدونكيشوتية، فيما تمكن تدل تلك المشاهد على تجشم تكلفة وميزانية عالية لفيلم دون أدنى شك..

 

ولا غرو أن المخرج استطاع أن يرسم عبر فيلمه ملحمة بطولية إنسانية عن فلسطين وعن التعلق بالأرض مهما اشتدت معاناة الشعب فيها ومهما طفح الفقر فوق سطح الحياة مقارنة بالرفاهية التي تعيشها الجماعات "الإسرائيلية" في الكيبوتزات المغلقة والمسيجة بالأسلاك الشائكة.

 

والفيلم كما هو معروف مقتبس عن رواية "باب الشمس" لإلياس خوري، وقد قولبها المخرج المصري يسري نصرالله بحيث تصبح "نهيلة"، الفلسطينية الصغيرة، محور الفيلم بعد ارتباطها بالمقاوم الشاب يونس وزواجها منه والتحاقها بعائلته لتحمل بوليدها الأول.

 

ثم ينقلنا المخرج إلى حياة القرية الفلسطينية المفعمة بالحياة الاجتماعية التعاونية فنرى عائلات القرية تتعاون في موسم قطاف الزيتون بأجواء تجمع المختار والعمال والتلاميذ وشباب القرية وحتى فرح الأطفال. وفي بقعة محاذية أخذت مستعمرة غريبة تنبت، وصارت تتمدد وتأكل أرض قرية يونس حتى اخترقت حقولها...ثم التهمت النيران القرية العربية الفلسطينية التي هاجمها الصهاينة ونكلوا بسكانها وهزموا مقاوميها بأسلحتهم البدائية، ليجبر أهل القرية في النهاية تحت وطأة الإرهاب على الهروب, ومن هروب إلى هروب!

 

وبينما كان كل ذلك يجري، كان عناصر جيش الإنقاذ يمسحون قواعد مدافعهم بانتظار الأوامر التي لا تأتي، فكلما تساءل المهجرون قسراً عن موعد المعركة أجابهم قائد سرية جيش الإنقاذ المحاذية للمخيم المؤقت الذي احتموا به : (ماكو أوامر). فيما العودة باتت مستحيلة.

 

المقاومون ومعهم يونس يرحلون إلى لبنان. أما (نهيلة) فتقرر الانتظار والصمود في قرية دير الأسد في الجليل، ويتسلل يونس في رحلات متفرقة بعدها ليلتقي زوجته (نهيلة) في مغارة أسموها "باب الشمس"، وينجب منها الأولاد.

وفي يوم من الأيام يقتل الصهاينة ابن يونس فيقرر أن ينتقم لابنه بتفجير إحدى مدارس الأطفال الصهاينة، إلا أن ذاك الفدائي يتراجع في اللحظات الأخيرة عن العملية ...

 

وفجأة يدخل على المشاهد صوت الراوي قائلاً: ( نعم لقد كان يونس يرفض قتل المدنيين وكان ضد عمليات خطف الطائرات وضد عملية ميونخ وحرب لبنان وكان يرفض قتل المدنيين لأنه كان يعتقد بأن الذي لا يحترم إنسانية الغير, غير جدير بأن يدافع عن إنسانيته).

 

تلك هي الرسالة الخطيرة التي يقدمها لنا المخرج والمؤلف: نضال تمت إعادة تفصيل مقاييسه على مزاج الغربيين و"اليهود التقدميين" المزعومين، أي نضال ينطلق من الاعتبار "الإنساني" المعلق في فراغ بدلاً من الاعتبار السياسي المستند أساساً لمصلحة الشعب العربي الفلسطيني في ظروف اختلال ميزان القوى مع العدو الأمريكي-الصهيوني.

 

فالمشاهد العربي يفاجئ بجمالية إخراج الفيلم ونوعية الصورة الرائعة المقدمة، وبالمشاهد المتقنة للهجرة والقرية الفلسطينية, لتتسرب عبر ذلك كله الفكرة المناهضة لعمليات المقاومة والعمليات الاستشهادية وليقول أن تلك العمليات المذكورة ضد الإنسانية وضد القضية الفلسطينية, بالرغم أن تلك العمليات كان لها الدور العظيم في إيصال القضية الفلسطينية وقتها للعالم وكان لها ما يبررها.

 

ولم يختر المخرج نجوماً معروفين لتمثيل الفيلم, ربما حرصاً منه على ألا يظهر التكلف على مقدمي أدوار الفلاحين العرب في القرى الفلسطينية والتي يصعب على الممثلين المتحذلقين والمشهورين إتقانها فاختار لتلك الأدوار ممن هم أبناء المأساة؛ والذين انطبعت فيهم تفاصيل قضيتهم إما عن طريق ذاكرتهم، أو على ألسنة أجدادهم.

وهكذا كان الفريق: نادرة عمران ومحتسب عارف (أردنيان من أصول فلسطينية)، هيام عباس (فلسطينية تعيش في باريس)، ريم التركي (ممثلة استعان بها المخرج  تقديرًا منه ربما لصعوبة قيام ممثلة فلسطينية أو أردنية بمشاهد مغرية لا يمكن قبولها من مجتمع محافظ بطبعه)، باسل خياط، عروة نيرا (من سوريا).

بالرغم من الملاحظات على الفيلم ألا أنه يقدم رؤيا مبدعة للقضية العربية الأهم, وبسلاح ما انفك العدو مستثمره الوحيد, وفي معركة تأخر العرب دخولها.  فيما كانت السينما لغة خاطب بها العدو الجمهور العالمي طويلاً, ليبرر أكاذيبه ولجلب الدموع والاستعطاف لمعاناته المزعومة والمختلقة كما في أساطير "المحرقة"..